انطلاق موسم صحافة التوقعات

لا تحتمل الصحافة كلام التوقعات مهما كانت درجة تحققه لأنه في النهاية سيفتقد مقومات الصناعة الخبرية، بما فيها التقارير المكتوبة وفق نظريات التحليل السياسي، لا تقدم نصها بشكل توقعات بقدر ما تعرض سيناريوهات من أجل أن تدافع عنها.

ومع ذلك بدأ موسم التوقعات في الصحافة مع بداية العام الجديد، وهو موسم مغر للصحافيين لتقديم تنبؤاتهم عن السنة الوليدة، تلك التوقعات شبهها الكاتب تيم هارفورد في صحيفة فايننشيال تايمز بقطع الحلوى الصغيرة في عيد ميلاد عالم الفكر: وهي مغرية، ولذيذة، وشهية، بيد أنها فوق ذلك ليست صحية تماما.

هذا اعتراف قاطع من هارفورد بأن توقعاته أيضا ليست صحيحة حتى وإن تحققت، لكن إغراء طعم الحلوى الصغيرة جعله يكون بين الصحافيين المتوقعين، ويضع قائمته في مقال مفصل.

الصحافيون الاقتصاديون سيكونون أول المقتحمين موسم التوقعات وسيضعون قوائم مفصلة عن هبوط وصعود السندات وحيوية الدولار وضعفه والحروب التجارية والطفرات الاقتصادية والتعثر المرافق لها… توقعات ستفقد قيمتها الصحافية بمجرد صعود خبر بوقائع حقيقية.

فيما يرسم الصحافيون السياسيون تحليلات متشائمة للعالم، فلا مكان للتفاؤل في قاموسهم لعدم وجود أي سبب يجعل المؤمنين بنظريات التحليل السياسي يضعون مسحة تفاؤل جدي تطرأ في يوم ما على عالم السياسة. المؤامرات والحروب مصدر مثير للتحليل مثلها مثل شطحات وأنانية السياسيين.

لكن السؤال الذي لا يغيب يكمن في العواقب الصحافية لمدونة ضخمة من التوقعات انطلقت مع بداية العام ومازالت مستمرة ولا يتوقع أن تتراجع حتى ربيع العام الجديد، وعن أي نظرية تحليل سياسي نتحدث ونحن نتوقع مواقف دول سيدونها التاريخ وتؤثر على الجغرافيا السياسية.

عادة تجري القراءة لما يحدث وما يمكن أن يؤول إليه الحال، لكن التوقع الممزوج بالأماني لا أهمية له غير الرغبة بإغراء القارئ الذي سيجد فيه “كلام جرائد” يحقق رغباته الدفينة.

أنا مثل بقية الصحافيين لا يمكن أن أغرق في التفاؤل بمصير الصحافة في العالم، وليس في الوطن العربي وحده، تماما مثلما استعان تيم هارفورد بمقالة ثاقبة تعود إلى عام 1996، توقع فيها بول كروجمان الحال في عام 2096، إذا كان التنبؤ بأن الروبوتات ستعيد تشغيل العالم، فلن يكون لدى النجارين وسائقي سيارات الأجرة، وكثير من الصحافيين أيضا، أي شيء جاد للمساهمة به في سوق العمل.

يقول هارفورد “إذا حدث هذا، فإنه يتعين علينا أن نتخلى عن النموذج الحالي القائم على دولة الرعاية الاجتماعية، من أجل نموذج لا تعتبر فيه البطالة وصمة عار ولا دلالة على الفاقة، بل مجرد خيار مقبول تماما لطريقة الحياة. وهذا يتطلب نوعا من الدخل العالمي العالي للجميع″، لكنه في النهاية لا يشك بأن توقعه سوف يكون خاطئا، على الرغم من أنه يتمنى أن يحتاج الأمر إلى بضعة عقود قبل أن تصبح سفاهته بادية للعيان.

إذا كانت البطالة ستكون في يوم ما ليست وصمة عار طبقا لعصر الإنسان الآلي، فإن العار سيلاحقنا لأننا سنتوقف عن التفكير في العصر الآلي! أن تكون عاطلا عن العمل، إذن أنت لا تفكر لأن ثمة من يفكر نيابة عنك.

أنا أيضا مثل هارفورد لا أريد لنبوءتي أن تتحقق وتنتفي حاجة العالم إلى الصحافة، على الأقل كي لا نتوقف عن التفكير في صناعة محتوى صحافي يعيد القراء الأوفياء إلى صحفهم بعد أن سرقه جيل الهواتف الذكية.

هذا الأسبوع أعلنت كبرى شركات التكنولوجيا في العالم عن وظيفة بشرية لمراقبة المحتوى، وهو اعتراف بعجز الإنسان الآلي عن قدرته على مراقبة المحتوى بقدر ما يقوم به الصحافي.

وأعلنت شركتا غوغل وفيسبوك عن نيتهما إنشاء وظيفة جديدة وتعيين مسؤول سيحمل مسمى وظيفيا “شرطي محتوى” للتعامل مع أكثر القوانين المرهقة، التي تجبر فيسبوك وتويتر ويوتيوب على ضرورة الامتثال لها.

وسيكون من مسؤوليات “شرطي المحتوى” مراقبة كافة المحتوى المنشور وتحديد المحتوى غير القانوني وتنبيه الإدارة الرئيسية لحظره. ومثل هذا الأمر ليس بمقدور الروبوت القيام به.

سيحتاج فيسبوك وحده عشرات الآلاف من الصحافيين بوظيفة “شرطي محتوى” لمراقبة ما ينشر، وهذا مبعث تفاؤل في مطلع العام الجديد بأن التوقعات المتشائمة لن تتحقق على الأقل بالنسبة للصحافيين المهرة.

وترى سوزان وجسيكي الرئيسة التنفيذية ليوتيوب “لا يزال المراجعون البشريون ضروريين في إزالة المحتوى وتدريب أنظمة التعلم الآلي لأن الحكم البشري أمر بالغ الأهمية لاتخاذ قرارات حول المحتوى”.

هذا الكلام لا يخضع لمنطق التوقع الصحافي الشائع في بداية العام الجديد، وهو يبعث على التفاؤل بالنسبة لمستقبل الصحافة، لكنه في كل الأحوال ليس كافيا للصحافيين.

التوقع بتلاشي وظائفهم قائم ومجزرة الصحف مستمرة، ولم تخرج بعد كبرى الصحف من السوق المريضة، التعافي يكمن في صناعة محتوى يعيد تقاليد القراءة عبر الأفكار والمعلومات الجديدة التي تدفع الناس إلى إعادة نظرتهم إلى وظيفة الصحيفة، قبل أن يحطمها العصر الرقمي.

مع بداية العام الجديد منحت كاثرين فينر رئيسة تحرير صحيفة الغارديان البريطانية شحنة عاطفية للصحافيين والقراء معا، عندما أعادت وصف العلاقة الخاصة بينهما بكونها ليست مجرد أخبار، إنها إحساس مشترك والتزام لفهم وإلقاء الضوء على عصرنا.

وكم نبدو بحاجة إلى أن نرسخ مثل هذا الإحساس المشترك، هذا ما ينتظره القراء، ولسوء الحظ عجز الصحافيين عن تحقيق ذلك يبدو ماثلا للعيان مع بداية عام جديد.