هوشي منه كان جاري!

منذ أسابيعي الأولى في لندن كنت أمر يوميا أمام الحانة الكبيرة “درايتون كورت” ولم يكن التاريخ كريما معي حينها كي يفتح لي شيئا من متنه، التاريخ لا يعرض خدماته المعلوماتية بل ينتظر من يبحث في ملفاته، لم ألج الحانة إلا مرة واحدة خلال سنوات إقامتي القريبة منها، لسبب أجهله وربما هو نفس السبب الذي كنت أجهله عن عمل هوشي منه مؤسس الدولة الفيتنامية والرئيس الأول لها، نادلا أو طباخا في فندق درايتون كورت عام 1914.

لم يعد فندقا منذ عام 1962 وأضحى حانة كبيرة، ومنذ سنوات لم أمر بطريق درايتون كورت بعد انتقالي إلى منزل آخر، إلا أن هوشي منه كان هناك والتاريخ دوّن شيئا من تلك الأيام. مع أن حياة الزعيم الفيتنامي في لندن كانت الأقل توثيقا بين سنوات حياته الأخرى في فرنسا والولايات المتحدة.

وفي كل الأحوال لم يكن سياسيا عندما كان طباخا أو نادلا في حانة درايتون كورت، لكن التاريخ لا يغمض عينيه عن الزعيم الذي تتلمذ على يد حكيم صيني.

بالأمس قادتني المصادفة إلى حانة درايتون كورت بعد أكثر من 15 عاما على آخر مرة مررت أمامها، لقد تغير كل شيء فيها إلا الوسام المعلق على معطفها العتيق عن النادل الذي أصبح زعيما سياسيا ومحررا للبلاد التي تعلم منها العالم درس المقاومة في الحرب.

لم يكن الزعيم الفيتنامي وحده من عمل نادلا في صغره، أول اِعتراف قدمه توني بلير في سنة رئاسته الأولى للحكومة البريطانية أثناء زيارته إلى باريس، أنه عمل نادلا في شبابه في إحدى حانات باريس.

ولندن هذا المتحف الكبير بقيت المدينة الأمينة على تاريخها، فعلى بعد خطوات من المكان الذي كان يعمل فيه هوشي منه، وبعد 22 عاما كان يسكن الجنرال الفرنسي شارل ديغول في المنطقة نفسها، ومن هناك أطلق خطابه الشهير رافضا الهزيمة والاستسلام للاحتلال الألماني.

وليس ببعيد عنه سيرا لدقائق كان تشارلي شابلن هناك أيضا في يوم ما، حيث أسهم في بناء “ايلينغ استوديو” التي خرجت من غرف التحميض فيها أشهر الأفلام بالأسود والأبيض.

اليوم أمر يوميا من نفس الطريق الذي كانت تسلكه فيرجينيا وولف في ريجشموند، وأعرف بالضبط مكان البيت الذي كانت تسكنه، وربما يتهيأ لي كيف قضت يومها الأخير على نهر التايمز قبل أن تقدم على الانتحار، الشارع الصغير المحاذي للكنيسة العتيقة يحمل وطأة خطاها الناحلة لأن المدن الحقيقية تبقى مخلصة لأبنائها ومن مر في طرقاتها.