السيسي ونقطة اللاعودة: تيران وعنان

مرات قليلة هي التي ترددت فيها في الكتابة وخالفت فيها فهمي، وتمنيت شيئا لا أعرف كنهه ولا الدرب إليه، وهذه هي مرة من تلك المرات القليلة.

عندما قدمت مساهمتي في نظرية الثورة في كتابي "المصريون بين التكيف والثورة: بحثا عن نظرية للثورة"، قدمت نموذجا تفسيريا رئيسيا للحالة المصرية (يصلح للتعميم) ومعه عدة نماذج فرعية للتحليل ومقاربة مستقبل البلاد، من ضمن نماذج التحليل الفرعية التي وضعتها في الكتاب الذي صدر عام 2012، ووضعتُ بذوره قبلها بعشر أعوام أثناء نشاطي في الحركة الطلابية حينها. كان نموذج "المراحل السياسية" التي ستمر بها الثورة المصرية حتى تبدأ في الاستقرار والتحول لبديل سياسي واضح أمام الناس، ووضعت ست مراحل تقريبا.

ملخص نموذج التفسير الفرعي هذا؛ أنه وفقا لطبيعة البنية الاجتماعية التاريخية للشعب المصري فإن قوى التمرد الحقيقية كانت تتعرض باستمرار لعملية التهميش والحرمان من "الدمج والتسكين" في مختلف قطاعات الدولة المركزية المصرية والخدمات والمصالح السيادية التي تسيطر عليها (قديما والآن)، وتصورت أن القلب العتيق للمركزية المصرية التاريخية (متمثلة في المؤسسة العسكرية والجهاز البيروقراطي التابع لها)، سوف يلجأن لحيلة الدفع بـ "بديل سياسي" في كل مرحلة إلى أن يحترق.

وفق ما أسميته "معادلة تناقضات" يتفق عليها الأطراف المختلفة والمتناحرة في ظل غياب البديل السياسي للثورة، وقلت أيضا أن كل بديل سياسي معادلة تناقضاته لها فترة صلاحية ثم تنتهي بعد ذلك هذه المعادلة وتستهلك الغرض المرحلي منها، ساعتها سوف يضطر قلب الدولة المركزية المصرية ومعه باقي الأطراف السياسية التقليدية؛ لتقديم بديل مرحلي جديد يؤجلون به الحل الختامي وهو ضرورة تسليم السلطة للفرز الثوري الحقيقي، الذي سيتشكل عبر فرز الأيام الطويل!

ومعادلة التناقضات التي جاءت بـ"المجلس العسكري الأول" كمرحلة أولى بعد إزاحة مبارك، انتهت بعجز المجلس عن تقديم وجه سياسي (طنطاوي مرتديا البدلة المدنية) بعد دوره في التحجيم العنيف للحراك الثوري. هنا ظهرت معادلة التناقضات بين المجلس العسكري والإخوان التي جاءت بمرسي للسلطة، للهروب من البديل الثوري (الذي لا تمثله أيا من القوى السياسية القديمة يمينا أو يسارا)، ولكن هذه المعادلة باتفاق المختلفين سرعان ما استهلكت نفسها وانتهت صلاحيتها، بالصدام بين مرسي وإزاحته وظهور "المجلس العسكري الثاني"، الذي نجح في الدفع بالسيسي كممثل مباشر له إلى واجهة السلطة.

حيث جاء الرئيس السيسي وفق معادلة تناقضات جديدة قدم فيها المؤسسة العسكرية كبديل سياسي في الخلفية يحمي البلاد سياسيا ويتكفل بها اقتصاديا، وتم توظيف فصائل المعارضة كطرف في معادلة التناقضات الجديدة متمثلة في "لجنة الخمسين" التي وضعت دستور المرحلة الجديدة، لكن - وهو ما يؤسفني قوله – قد وصلت معادلة التناقضات الحالية إلى نهاية صلاحيتها، فقد خسر الرئيس السيسي دعم الناس ودعم المؤسسة العسكرية ودعم فصائل المعارضة التقليدية.

خسر الناس حين حرر سعر الجنيه دون إنتاج وقوى تصديرية تحافظ على قيمته وتضاعفَ سعر الدولار أمامه، ورفعت حكومته أسعار البنزين وأسعار الشقق الحكومية (ويرشح الآن وزير الإسكان كرئيس للوزراء!)، ليصل عجز الناس عن مواجهة أعباء الحياة واستمرارها إلى حد لم يبلغه من قبل! وخسر السيسي دعم المؤسسة العسكرية حين قبل نصيحة مستشاري السوء في ملف سد النهضة، وملف تيران وصنافير، وصفقة القرن مع الصهيونية وأميركا. وكان أول ما خسره السيسي هو دعم فصائل المعارضة التقليدية حينما خرق معظم ما اتفقوا عليه في دستور "لجنة الخمسين".

وحينما ظهر مؤخرا "المجلس العسكري الثالث" مرحليا في بيان تصورَ السيسي أنه دعم له في مواجهة عنان ابن المؤسسة أيضا؛ كان ذلك هو المؤشر الفعلي لاحتراق معادلة التناقضات الحالية ومعها البديل السياسي الذي يمثلها الرئيس السيسي.

كان يمكن للسيسي ومستشاريه أن يمرروا موقفهم من قنصوة وشفيق بطريقة ما، لكن ما حدث مع عنان (وقبله تيران وصنافير) كان هو نقطة اللاعودة في الإجماع العسكري خلف الرئيس السيسي ونهاية معادلة التناقضات، مخطئ من يظن أن حسم الموقف الحالي لصالح الرئيس سيمر بلا ثمن فادح. لقد شرختْ معادلة التناقضات أو التوازنات داخل المؤسسة العسكرية المصرية للأبد، ولن يكون أمام الرئيس سوى إزاحة كل الأصوات المعارضة والمزيد من التشدد إزاء رجاله من قادة الجيش، ولكن على المستوى العميق للأفراد والقيادات الوسيطة لن يمكن إزاحتهم، خاصة ومعظمهم سيكتم الآن ما يدور في رأسه.

ستدخل البلاد الآن مرحلة انتقالية جديدة من الصراع السياسي الناعم والخشن، باستخدام آليات التشويه والاستقطاب التي وصَّفتها في كتابي "سيكولوجية الصراع السياسي: نقد آليات التشويه والاستقطاب" الذي صدر ديسمبر 2016، ووضعت بذرته أيضا في أثناء عملي في الحركة الطلابية قديما. بعدها سوف يظهر بديل سياسي ومرحلة سياسية جديدة وفق معادلة تناقضات جديدة لن تمثل الثورة وطموحها السياسي بالتغيير الشامل، لكن مكاسب الثورة السياسية ستكون في احتراق البدائل السياسية القديمة، والفرز المستمر لنخبها وقدرتهم على الصمود وفهم الواقع والنفس الطويل.

وكل ما أتمناه أن تكون آليات التشويه والاستقطاب في المرحلة الراهنة والصراع السياسي كمجمل في الحدود.. وتمر مرور الكرام، بالسلام والأمان. لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وأنى للأماني أن تقف في وجه التاريخ وسننه وطبائع الأمور!

فقد كتب التاريخ أن أي نمط قبل أن يضمحل ويذوي لا بد أن يصل لقمته وعنفوان اكتماله، حتى يظن بعض الناس من المتعجلين قصار النظر ضعاف الهمة أنه خالد قابع على النفوس أبد الآبدين. في حين أن شرط اضمحلاله هو ضرورة وصوله أولا لقمة فورانه، ثم تأخذ بعد ذلك سنة الله في الأرض مجراها.

فمن أصابه منكم اليأس حينا فليكتمه، ومن رأى وتبين وأدرك وعرف الأمل فليحدث الناس به. فصبر جميل، فصبر جميل، ولتمسك يأسك حين يغلبك ولا تطلقه على الناس.

فالطريق مازال طويلا والفرز مستمر، والأمل لا ينقطع عند العارفين حقا الحالمين بمستقبل البلاد ونهضتها ولو بعد حين.