نهاية مستثمر تونسي 'شجاع' عصفت به الإضرابات

مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي تنحسر تحت ضغط تعطل الانتاج

يتخذ الجيلاني بن عياد من مقهى فكتوريا الفاخر بمدينة العوينة في الضاحية الشمالية لتونس العاصمة مجلسا له ليجتر يوميا حديثه عن إفلاس مصنعه المتخصص في خياطة الملابس الجاهزة وهو يدخن بشراهة ندما وحسرة.

وبن عياد ذو السبعين عاما هو أحد العشرات من رجال الأعمال الذين فتك بهم الإفلاس في اعقاب انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي.

قال وهو يطلق زفرة مشحونة بالألم "خسرت كل شيء، المصنع ورصيدي البنكي وبعت ثلاث فيلات ومزرعتي واشتريت شقة متواضعة بحي الواحات بالعوينة".

وأضاف وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست اونلاين "العشرات من رجال الاعمال الأثرياء تحولوا إلى فقراء، بعد أكثر من 37 عاما من العمل وجدت نفسي مفلسا يقول "عصفت الثورة بكل جهودي، بل بعمري الذي أفنيته في إدارة مصنعي حالما بتركيز سلسلة من المصانع المماثلة لكن أحلامي تبخرت".

كان الشيخ الذي تسللت إلى وجهه التجاعيد ركز مصنعه العام 1977 بالمنطقة الصناعية الكبرى بمدينة بن عروس جنوب العاصمة في ظل مناخ من الاستقرار وأيضا في إطار تشجيع الدولة على الاستثمار في القطاع الخاص.

بدأ المصنع بتشغيل 20 فتاة ثم توسع العام 203 ليشغل 37 فتاة وفي العام 209 تحول أحد اهم المصانع في خياطة الملابس الجاهزة ليشغل 69 فتاة ماهرة.

ومصانع الخياطة والمنسوجات تهيمن عليه اليد العاملة النسائية بنسبة لا تقل عن 90 بالمئة وفق إحصائيات نقابة أرباب العمل.

قال بن عياد وهو يتحسر على ثروته "كانت أرباحي الصافية تتجاوز 100 مليون دينار شهريا، نحو 40 مليون دولار، متأتية من مبيعاتي بالسوق الداخلية".

واضاق يقول "بعد الثورة كثرت الإضرابات والاعتصامات وضاقت السوق التونسية حتى أنني اكتفيت بـ 20 فتاة فقط ومع ذلك عجزت عن مزاولة نشاطي بعد أن فاقت النفقات مرابحي ولم أجد منحل سوى أن اغلق المصنع".

"ألقت الثورة بالفتيات في علم البطالة وألقت بي في عالم الإفلاس والتتبعات القضائية وأجبرت على بيع كل أملاكي بما فيها منزلي" قال الشيخ وهو ينفذ دخان سيجارته.

ويعد التيجاني بن عياد عينة ممثلة للعشرات من رجال الأعمال التونسيين الذين كانوا يحركون القطاع الخاص قبل ان تجتاحهم حالة الإفلاس القسري.

ويمثل قطاع خياطة الملابس الجاهزة نحو 68 بالمئة من مجموع المنسوجات منها 40 بالمئة موجهة للسوق المحلية و60 بالمئة موجهة إلى التصدير.

غير أن الفوضى الاجتماعية وما رافقها من احتجاجات وإضرابات ومطلبية ذات سقف عال قادت بالقطاع الخاص كله إلى تراجع أدائه بشكل كبير.

وتظهر الإحصائيات الحكومية أن مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي الخام تراجعن من 75 بالمئة العام 2010 إلى 53 بالمئة فقط حاليا.

وعلى امتداد السنوات السبع الماضية أخدت نسبة نمو القطاع نسقا تنازليا لتنزل من 8.1 العام 2010 إلى 7.7 العام 2011 وإلى 6 بالمئة العام 2012 لتستقر النسبة خلال السنوات الثلاث الماضية في حدود 7 بالمئة مسجلة ارتفاعا طفيفا.

ويرى بن عياد أن تونس تتوفر على إمكانيات هامة لتحريك أداء مؤسسات القطاع الخاص في مختلف المجالات غير أن عقلية المطلبية المجحفة فتكت بالقطاع".

ويضيف "الغريب أن الإضرابات تحظى بمساندة اتحاد الشغل دون أن يراعي مناخ الإستثمار وما توفره المصانع من مساهمة في توفير مواطن الشغل.

وتوفر مؤسسات القطاع 2.600.000 موطن شغل من أصل 3.300.000 هم عدد السكان النشطين ما يعني أهمية القطاع اقتصادياواجتماعيا".

ويرى وحيد عبدالستار الأخصائي في العلوم الاقتصادية أن "المتضرر الأول من تداعيات انتفاضة يناير هم رجال الاعمال خاصة منهم كانوا يراهنون على السوق المحلية في ظل الاستقرار ومقدرة شرائية معقولة أما اليوم فقد ضاقت بهم السبل".

ويضيف عبدالستار يقول وهو يتحدث لمراسل ميدل ايست أونلاين "يجب أن نفهم تدهور أداء القطاع الخاص في الإطار العام، كثرة الإضرابات والمطلبية المجحفة من جهة وضيق السوق الداخلية نتيجة تدهور المقدرة الشرائية من جهة أخرى لا يقود بالمؤسسات سوى إلى الإفلاس.

وتظهر أحدث دراسة أجراها المعهد التونسي للدراسات الاجتماعية أن التونسيين لا ينفقون على الملابس سوى 20 بالمئة من مداخيلهم حاليا بينما كانوا ينفقون نحو 40 بالمئة قبل انتفاضة يناير أي أن النسبة تراجعت بـنحو 50 بالمئة.

يضاف إلى ذلك ما تتعرض إليه السوق الداخلية من غزو من قبل المنسوجات التركية غالبيتها مهربة عن طريق السوق الموازية ولا تخضع للضرائب.

ويتساءل بن عياد "كيف نستهلك الملابس التركية وتونس تعد من أهم البلدان المنتجة للمنسوجات، إنهم يشعون الأجانب ويدفعون بالمؤسسات التونسية إلى الإفلاس".

ويشدد بن عياد على أن هناك فكرة خاطئة حول رجال الأعمال مفادها أنهم أثرياء وينعمون برغد العيش متجاهلين أنهم مناضلين وكادحين يقاسون الأمرين من أجل المحافظة على أداء مؤسساتهم ليساهموا في تنمية اقتصاد البلاد.

ويضيف بن عياد يقول "ما كان لي ولغيري من رجال الأعمال لولا هذه الفوضى من الاحتجاجات وثقافة مطلبية مجحفة لا تراعي إمكانيات مؤسسات الاستثمار خاصة منها التي توجه منتجاتها إلى السوق الداخلية".

ويشدد المستثمر التونسي المفلس يقول "أن تكون رجل أعمال ناجحا يعني أن تكون شجاعا ولا تخاف المجازفة، يجب أن تصارع يوميا شتى أشكال الصعوبات".