الثورة والمرأة وإيران

واحدة من أكبر الاشكاليات التي واجهت نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية منذ تأسيسه، موقفه من قضية الحرية وقضية المرأة، حيث كانتا ولازالتا تشكلان أكبر مشكلتين للنظام. ويبدو إن هناك أكثر من وشيجة تربط بين القضيتين وتجعلهما مرتبطتين ببعضيهما بل وحتى متداخلتين، وإن إلقاء نظرة على الثورة الايرانية التي إنتصرت في 11 شباط/فبراير 1979، تثبت الدور الفعال للمرأة الايرانية فيها. ولا ريب من إن المرأة الايرانية عندما ساهمت وشاركت بصورة ملفتة للنظر في إسقاط نظام الشاه، فإنها كانت تطمح لأن تنال المزيد من الامتيازات والمكاسب لتتقدم الى الامام، لكنها ومنذ الايام الاولى أصيبت بصدمة عندما واجهت قانون الحجاب الاجباري والذي رفضته منذ البداية وخرجت في تظاهرات ضده كدليل لرفض المرأة لذلك القانون.

الثورة الايرانية، وبعد أن تمكن التيار الديني المتزمت من ركوب موجتها والسيطرة على زمام الامور لأسباب مختلفة هيأتها ظروف وأوضاع خاصة، فإنها بدأت سياستها الخاصة تجاه المرأة والذي سلك نهجا واضحا في التضييق عليها الى الحد باتت المنظمات النسوية ومنظمات حقوق الانسان الى جانب المعارضة الايرانية النشيطة نفسها تصف ذلك النهج بالعداء للمرأة. ومع إن النظام رفض ذلك الاتهام وأكد على إنه قد منح الحقوق الكافية للمرأة، لكن الممارسات التي كانت تبدر من النظام على ضوء الواقع كانت تقول شيئا آخرا. فرجم وجلد المرأة وإصدار قوانين تحدد من المجالات التي يجب عليها مواصلة دراستها فيه بل وصدور قوانين يمنعها من مزاولة العديد من الاعمال بسبب كونها امرأة، الى جانب وأمور وقضايا أخرى مماثلة، كشفت حقيقة معاناة المرأة وامتهان كرامتها الانسانية خصوصا بعد رفض حضورها في الملاعب ومنعها من ركوب الدراجات الهوائية ومنعها من السفر إلا مع ولي أمرها أو محرم، كل هذا أوضح للعالم بأن ما قيل ويقال عن عداء النظام للمرأة ليس مجرد كلام ليس له من جذور في الواقع.

إنتفاضة يناير/كانون الثاني 2018، التي كان لدور وحضور المرأة فيها أثر مميز، رافقتها أيضا نشاطات وتحركات نسوية إيرانية ذات طابع إحتجاجي من نوع خاص ضد النظام، والتي تمثلت في قيام العديد من النسوة بخلع حجابهن في الاماكن العامة كتحد للنظام وقانونه بفرض الحجاب عليهن. ومن الملفت للنظر إن عودة الموجة الثانية من الانتفاضة بحرق صورن المرشد الاعلى والهتافات بـ"الموت للديكتاتور" و"الموت لخامنئي"، كانت متزامنة مع مبادرة أعداد ملفتة للنظر من النساء بخلع حجابهن، وإذا ماعلمنا بأن شعار" الاستقلال الحرية الجمهورية الايرانية" بحذف الاسلامية منها كان ولا يزال احدى الشعارات الرئيسية التي تم ترديدها في الانتفاضة، فإن إضافة قضية رفض فرض الحجاب إليها، تعني إن الشعب لم يعد يطيق "نظام ولاية الفقيه"، وإن الجمهورية الدينية التي أرسى دعائمها الخميني باتت اليوم تحتضر، وكما إن النساء الايرانيات ثرن بوجه نظام الشاه واسقطنه فإنهن يعدن الكرة ضد هذا النظام ويسعين الى إسقاطه مع بقية مكونات وشرائح الشعب الايراني، مع ملاحظة حقيقة إن الظلم الذي تعرضت له المرأة في ظل هذا النظام كان أسوأ بكثير من ذلك الذي تعرضت له في ظل النظام الملكي السابق.