الصحافة تخوض المعركة الخطأ لاسترجاع مكانتها

في فيلم “ذا بوست” المتواصل عرضه حاليا للمخرج ستيفن سبيلبيرغ، بدت معركة الصحافة آنذاك مع الحقيقة وحدها، لا توجد معارك هامشية أخرى وليس كما هي معركة الصحافة اليوم.

توم هانكس رئيس تحرير واشنطن بوست في الفيلم كان نسخة طبق الأصل من رئيس تحرير الصحيفة آنذاك بن برادلي، لا يفكر بغير إنتاج قصة صحافية تُعْلِي من شأن الصحيفة وتكشف الفساد الحكومي، وتعاظم ثقة القراء.

أما معركة رئيس التحرير الحالي مارتن بارون المعادل للراحل برادلي، فتبدو مختلفة، ثمة معارك على الصحيفة أن تخوضها اليوم لم تكن تواجهها من قبل، أقلها المعركة المستمرة مع الرئيس دونالد ترامب بشأن الأخبار الزائفة وجعل الصحف أشبه بـ”نبتة شيطانية”.

هناك معارك خطأ أرغمت الصحافة على دخولها في العصر الرقمي. وهذا يعني تهميش معركة الصحافة الحقيقية مع نفسها وإعادة ابتكار أدائها وتطوير أدواتها للوصول إلى الحقيقة التي لم تعد متاحة للجمهور.

كان بن برادلي صحافيا يتحدى السلطة ويفسر العلاقة التي يجب أن تكون بين الصحافة والحكومة، لأنه كان يعتقد بأن الصحافة ليست مجرد مهنة من أجل الصالح العام وفق التشريعات الديمقراطية. ويرى أن الصحافي طالما يقول الحقيقة بضمير وإنصاف، فعليه ألا يقلق من شأن العواقب، كما كتب في رسالة قبل أكثر من أربعين عاما. فالحقيقة بالنسبة إلى الصحافي الذي يكمن في داخله هي ليست خطرة كما يشاع دائما، وإنما هي من تصنع الرجال الحقيقيين دون مقابل.

ما الذي على مارتن بارون أن يفعله اليوم، لقد سبق وأن اعترف “إن هناك حرباً شعواء ضد الصحافة، وضد مبادئ التحقق نفسها”.

لكن الكاتب فرانسيس ويلكنسون اتهم المؤسسات الصحافية الرائدة بالتصرف أحياناً كما لو كانت تترفع كثيراً عن ألاعيب مهرجي الأحزاب السياسية، متسائلا عما إذا كان هذا يعد نوعاً من أنواع أفلام التجسس الرخيصة؟ إنه أمر لا يكاد يستحق النظر أو الاعتراف بوجوده، فضلاً عن سبر غور أساليبه وتكتيكاته.

منذ دخول الصحافة إلى السوق المريضة، كانت التحليلات تجمع على أن الإنترنت قد هزم وسائل الإعلام التقليدية، لكن مثل هذا التحليل سرعان ما تغير إزاء تفوق وسائل التواصل الاجتماعي، فبدت المعركة مع المواطن الصحافي وجمهورية ملياري مستخدم. الصحافة تنظر بعين الرهبة إلى فيسبوك وتويتر بوصفهما المايكرفون الأعلى في العالم، مقابل صوت وسائل الإعلام التقليدية.

لكن مثل هذا الأمر بدأ يفقد جاذبيته أيضا مع صعود مصطلح “ما بعد الحقيقة” والأخبار الملفقة، وثمة ردة عكسية تكنولوجية لدى الجمهور، لم تعد الغالبية منه مهتمة بأخبار وسائل التواصل.

عدم الثقة في وسائل الإعلام الاجتماعية هو عودة غير متأخرة للصحافة بوصفها المصدر الأوثق لاستقاء الأخبار والمعلومات منها.

فقد كشفت دراسة استقصائية عالمية جديدة أن الغالبية من الناس يثقون بالصحافيين أكثر من ثقتهم بمنصات فيسبوك وتويتر، وأظهرت الدراسة تضاعف ثقة الناس بوسائل الإعلام مع أنهم يطالعون الأخبار أقل مما كانوا عليه.

مثل هذه النتائج خبر سار بلا شك لوسائل الإعلام، لكنه لا يكفي لطمأنة المنافذ الإخبارية الرئيسية، فالردة العكسية التكنولوجية تعود إلى تأثير الأخبار المزيفة التي شاعت في وسائل التواصل، وليس إلى تطوير محتوى وسائل الإعلام التقليدية.

وهذا ما يصفه جيمس بال مؤلف كتاب “ما بعد الحقيقة: كيف غزا الهراء العالم” بالخطر الذي شتت وسائل الإعلام عندما اعتبرت معركتها مع جيل الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

هناك حرب خاطئة تخوضها وسائل الإعلام التقليدية مع وسائل التواصل الاجتماعي، لأن انخفاض ثقة الجمهور بفيسبوك ليس مفاجئا في عصر الأخبار الوهمية ولا يعني انتصارا للصحافة التقليدية.

من المفيد أن يتواصل الصحافيون مع المواطن الصحافي الناشط بطريقة مطمئنة، لكنه من غير المفيد للصحافي أن يفقد الثقة بمستقبل صناعته.

إن فقدان الثقة في وسائل الإعلام الاجتماعي ليس أفضل الأخبار التي كشف عنها الاستطلاع بالنسبة لوسائل الإعلام التقليدية. لأن هناك نسبة كبيرة من الجمهور تقلل أو تتخلى عن متابعة الأخبار كليا.

دعونا نتفق على أن الأخبار ليست أمرا مسليا للجمهور كمشاهدة برنامج كوميدي أو فيلم، وهو أمر مثير للقلق أكثر من المعركة الخطأ التي تديرها وسائل الإعلام مع فيسبوك وتويتر.

معركة الصحافة الحقيقية كيف تصنع من الأخبار قصة متفاعلة بين الجمهور، وليس التخطيط لمعركة مستمرة مع فيسبوك العملاق؟

أزمة الثقة بالأخبار يمكن أن تتسبب بمفارقة انتشار لوسائط الإعلام الأقل ثقة على حساب المصادر الإخبارية الراسخة. وتلك المعركة التي يجب أن تواجهها الصحافة اليوم. لأن المجتمع والحكومات الديمقراطية يستفيدان في نهاية المطاف من وسائل الإعلام الإخبارية الحرة وعالية الجودة، كان نعوم كوهين، مؤلف كتاب “المعرفة للجميع: صعود وادي السليكون” يقول إن اعتبار الهاتف الذكي يجعل الإنسان أبكمَ أمر لا يتفق مع فكرة الديمقراطية كقوة سياسية وكرامة اجتماعية.

بينما عاد المخرج الأميركي تشارلز فيرغيسون إلى التاريخ من أجل تأكيد فكرة أن الصحف لا تستطيع كشف مواضع الفساد والتزوير ونهب المال العام، إن لم تكن قوية ماليا ورابحة تجاريا.

ويذكّر فيرغيسون أن واشنطن بوست ونيويورك تايمز وصحفا أخرى وقفت في وجه الرئيس ريتشارد نيكسون بشأن الغارات السرية على كمبوديا وكشفت فضيحة ووترغيت، لأنها كانت صحفا قوية ماليا ورابحة تجاريا، أما اليوم فقد أصبحت الصحف تقلص من عدد صحافييها، خاصة الصحافيين الاستقصائيين، وبيعت واشنطن بوست لشركة أمازون، بينما تعد لوس أنجلوس تايمز وشيكاغو تريبيون في عداد الصحف المفلسة، فيما تتعرض الشبكات التلفزيونية لضغوط مالية كبيرة، ولا توجد الآن في الولايات المتحدة أي شبكة تلفزيونية مستقلة. لسبب بسيط مفاده أن الصحافة تخوض المعركة الخطأ وتتجاهل معركتها الحقيقية مع صناعة الحقيقة بمحتوى متميز.