حرب غزة الجديدة لن تكون خلاصا

تقف غزة على أبواب حرب جديدة. هذا ما تقوله حركة حماس. ما يعني أن الكارثة قادمة. فغزة التي "ستنتصر" هذه المرة أيضا مثلما انتصرت في الحروب السابقة ستُسلم إلى خراب جديد.

متى كان الخراب الأخير؟

لم تمح آثار العدوان الإسرائيلي الأخير لكي يبدأ عدوان جديد. الحقائق تقول "إن ميزان القوى لم يتبدل". ذهبت حماس إلى المصالحة أم لم تذهب لا يزال أهل غزة عالقين في الدروب التي لا تؤدي إلى الفرج.

هناك خطة أميركية لحل نهائي للقضية الفلسطينية. المطلوب من الجانب الفلسطيني اما أن يقبل بتلك الخطة أو يرفضها. لا وقت للتفاوض ولا رغبة لدى الجانب الأميركي في أن يقول الفلسطينيون كلمتهم.

أما لماذا الحرب على غزة، حسب ما تشير إليه حالة الطوارئ التي يعيشها القطاع فجواب ذلك السؤال مرتبط بفشل تلك الخطة.

ربما تتمنى حركة حماس أن يحث وقوع تلك الحرب الإدارة الأميركية على تليين موقفها، وهو أمر مستبعد ـ ذلك لأن الرهان على الأوضاع الإنسانية صار عبارة عن وصفة رثة، ثمنها الإنسان مقابل لا شيء.

فشلت كل الحروب السابقة بنتائجها الكارثية من أن تغير شيئا. بل كان هناك دائما ما هو أسوأ. غير أن حماس لا تملك خيارا آخر بعد أن تورطت في تمثيل شعب، لا أحد يمكنه أن يؤكد أن في إمكانه أن يختار الجهة التي تمثله، فهو شعب أعزل يعيش منبوذا عن العالم بعد أن تم اختطافه.

ولأن السلطة الفلسطينية في رام الله غير قادرة على تفسير ما يجري من حولها من وقائع تنتمي إلى عالم الخيال الأميركي القافز على كل الحقائق التاريخية والجغرافية فإنه قد تفضل وقوع كارثة جديدة في غزة، تعفيها من الاستمرار في موقفها الحائر.

ومن جهة إسرائيل فإن منطق الحروب السابقة لا يمكن استعادته هذه المرة، إلا إذا قررت حماس ذلك من خلال إطلاق صواريخها غير الفاعلة على داخل الأراضي المحتلة، وهو ما سيعيدنا إلى السيناريوهات الكئيبة.

ربما سيكون ذلك حلا مريحا بالنسبة لإسرائيل التي تفضل أن يتخلى الأميركان عن استمرارهم في لعب دور وسيط، تخلى عن وساطته علنا وانضم إليها في طريقة تعاملها غير المكترث مع المطالب الفلسطينية التي لم تعد ضاغطة عليها عالميا.

الخطة الأميركية هي صورة طبق الأصل لما تريده إسرائيل. حل الدولتين من غير القدس لضمان اعتراف أميركي ــ إسرائيلي بدولة فلسطينية تقوم على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.

أهذا ما تبقى من اتفاق أوسلو؟

وكما هو متوقع فإن الأميركيين لن يسحبوا خطتهم ولن يجبروا السلطة الفلسطينية على القبول بها غير انهم سيصرون على الإبقاء على تلك الخطة باعتبارها الحل الأخير الذي في جعبتهم. بعدها ستكون هناك منطقة مفرغة من الهواء. بالمعنى الذي يتضمن عقوبات، بعضها علني مثل الموقف من وكالة غوث اللاجئين والبعض الآخر سري سيؤدي بالضرورة إلى تقييد السلطة الفلسطينية بشكل مطلق بما يعلن عن افلاسها النهائي.

وهو ما صار يخشاه الفلسطينيون، مَن تحمس منهم للتفاوض طويل الأمد ومَن رفضه جملة وتفصيلا. فالعقاب المتوقع سيكون أكبر من أن تدفع ثمنه سلطة رام الله وحدها.

لذلك تفكر حماس بالحرب باعتبارها حلا وسطا.

يومها لن تتخذ السلطة الفلسطينية قرارا بحل نفسها وستعطي الولايات المتحدة أولوية لإنهاء تلك الحرب والتخلي عن خطتها التي أدى طرحها إلى وقوع كارثة إنسانية جديدة.

وهو كما أرى تفكير ساذج إضافة إلى أنه غير مسؤول بطريقة رثة.

لقد وصلت الولايات المتحدة إلى قناعة مطلقة بأن تطابق موقفها مع الموقف الإسرائيلي هو واقع ينبغي الاعتراف به علنا، من غير لف ودوران. وهو واقع ليس للفلسطينيين مكان فيه.

لذلك فإن كارثة جديدة تضرب بأعاصيرها الشعب الفلسطيني لن تغير شيئا ولن تعود بالأمور إلى ما قبل الخطة الأميركية. تلك أزمنة انتهت وعلى الفلسطينيين أن يفكروا في ما يمكن أن يخرجهم من اللعبة.