محمد فاضل: الدراما التليفزيونية تحمل قنابل مسمومة للمواطن في بيته

تخلي الدولة عن الإنتاج أدى إلى فوضى

رأى المخرج محمد فاضل أن المشهد الفني المصري ليس بحال طيب، حيث كان من المفترض في ظل المعارك والتحديات التي تخوضها مصر والمنطقة العربية أن يكون مشاركا بشكل أفضل من ذلك بكثير، مثلا فن الغناء في معظمه هناك نوع من الركاكة في الشعر والموسيقى والأداء الغنائي، وفيما يتعلق بالأفلام السينمائية فحدث ولا حرج، وهكذا. وأعتقد أن ذلك بدأ يحدث منذ 2011.

وأضاف بالنسبة للدراما التليفزيونية "هناك مشكلة في الدراما بدأت تتعافي منها ببطء شديد جدا، فعندما ننتج في العام 40 مسلسلا من بينها 3 مسلسلات يمكن الفرجة عليها، وحتى هذه المسلسلات بعيدة عن المعارك التي تدور في مصر سواء مكافحة الإرهاب أو تنمية اقتصادية أو تطوير وتغيير داخل المجتمع، للأسف ذلك غير مترجم في أعمال درامية، إنني لا أطلب بأعمال فنية مباشرة، ولكن أقول إن ذلك كان يحصل في أوقات سابقة مثلا استعرض الأغاني والأفلام السينمائية التي واكبت ثورة 23 يوليو 1952 عبرت المرحلة ومطالبها وطموحاتها، وهذا غير موجود تماما منذ 2011 حتى اليوم.

وقال فاضل إن المشكلة ترتبط بالعملية الإنتاجية لأن الابداع في الدراما غير إبداع الشعر أو والقصة والفنون التشكيلية، الإبداع في الدراما فن وصناعة، ودون توفر آليات صناعة لهذا الفن بشكل جيد لن يخرج فن جيد، قد يكون هناك سيناريو أو قصة جيدة لكن لا يوجد منتج، السيناريو لا تصبح له قيمة لو أنه في كتاب، السيناريو لا بد أن يعرضا دراميا أو سينمائيا وهذا يحتاج إلى صناعة، وهذه الصناعة انقلبت معادلاتها، دخل عليها أناس يهدفون إلى تحقيق الربح التجاري الفاحش، وبالتالي هو يبحث ـ خاصة في السينما ـ عن فئة معينة من الصبية ولا أقول الجماهير، المهم أن يحقق الربح المطلوب.

ولفت فاضل إلى أن هناك جزءا من المؤامرة داخل في إنتاج الدراما التليفزيونية في السنوات الأخيرة، يعني عندما تصل تكلفة مسلسل لـ 150 مليون جنيه، أعتقد أن الأمر مبالغ فيه، وأيضا عندما تكون هناك مضاربة في أسعار النجوم واحتكار في الإنتاج، هكذا لم يعد الأمر عملا تجاريا بل عملا تآمريا، وجزءا من حروب الجيل الرابع هي غزو عقول المتفرجين.

ورأى فاضل أن تخلي الدولة عن الإنتاج لعب دورا في ذلك، فمع فوضى عامي 2011 و2012 تخلت الدولة تماما عن الإنتاج ولازالت حتى اليوم، رغم أنه أصبح لدينا دستور ورئيس جمهورية ومجلس نواب، لكن الدولة لازالت متخلية عن الإنتاج، لأسباب لا أعرفها، ربما بحجة أن هناك ديونا على ماسبيرو، لكن هذه حجة واهية، فهناك مؤسسات أخرى حققت خسائر ومع ذلك الدولة وقفت بجوارها مثل إعادة تشغيل المصانع التي توقفت، فلماذا لم يعد تشغيل الإنتاج الدرامي المتوقف. حتى 2010 كان هناك توازن، كان هناك ثلاث أنواع من الانتاج: إنتاج القطاع الخاص وإنتاج الدولة والإنتاج المشترك، هذه الانتاجات كانت تقدم نوعا من التنافس والتوازن فيما بينها، لذا فإن تخلي الدولة هو السبب الرئيسي لتراجع الدراما.

وأكد فاضل أن انحراف مجمل الأعمال الدرامية عن الأهداف الفنية والإنسانية والوطنية انحراف متعمد مقصود به أولا هدم دولة القانون، حيث كل بطل يمكنه الحصول على حقه بيديه، ثانيا هدم الأسرة حيث أصبحت الأم للسخرية والشتم والسب بأقذع السباب تقريبا في معظم المسلسلات، وثالثا استخدام الألفاظ السوقية والتصرفات السوقية، كل ذلك يستهدف هدم كيان المجتمع، لأن الدراما التليفزيونية هي الوجبة الرئيسية اليومية للمواطن المصري بعد ارتفاع تذاكر السينما وزحمة الموصلات التي تعوق نزول المواطن للذهاب للسينما، وبعد إلغاء سينما الحي حيث أصبحت دور العرض السينمائية في المولات، أما دور العرض في وسط المدينة، فالوصول لها أصبح صعبا نتيجة ازدحام المرور وارتفاع أسعار التذاكر، لذا فالمواطن المصري وأسرته في بيته يتلقى هذه القنابل المسمومة من الإنتاج الدرامي بالتحديد.

وشدد فاضل على أن المشهد السياسي لا علاقة له بما يجري في عالم الفن، فهو مشهد واضح، دولة تحارب الإرهاب وتكافح من أجل البناء والتعمير والتنمية وتغيير المجتمع نحو الأفضل، دولة تبني المساكن لسكان العشوائيات وتسعى لإصلاح التعليم، إذن المشهد السياسي واضح، لكن هناك نوعا من الابتعاد عن تناول مشكلة الفن بالذات أو الإنتاج الفني، بحجة حرية الإبداع.

مصر منذ عام 1960 عندما بدأ التليفزيون وحتى عام 2010 لم توجه لصناعة فيلم أو مسلسل أو أغنية. لم يقل لنا أحد ماذا نعمل أو فرض علينا عمل بعينه أو تدخل في عمل أو اختيار قصة أو سيناريو، ولم يشك أحد من وجود مسلسل مسف، قد نشكو من ضعف هذا المسلسل أو ملل ذاك، أو تكرار قصته، لكن أبدا لم يشر أحد إلى لفظ خارج، لذا فإن حجة حرية الإبداع غير واردة، والدولة مترددة في هذا الأمر بحجة حرية الإبداع أو حجة الاقتصاد الحر، وأضرب لك مثلا أننا دولة تريد جذب الاستثمار، أعتقد لو جاءني مستثمر وقال إنه سيدفع عشرة مليار دولار، وأعطوني مائة فدان أزرعها مخدرات، هل هيئة الاستثمار ستوافق على ذلك، قطعا لا، إذن ليس هناك شيء اسمه حرية مطلقة، كل بلد لها ظروفها، ممكن في بلد آخر تتم الموافقة، لكن مصر لن توافق قطعيا، فكيف يأتيني أناس يفعلون أكثر من المخدرات فنيا وفكريا وأقول حرية استثمار، أعتقد أن هذا مثل واضح وفج لكنه يوضح الأمر، من حق أي دولة في العالم أن تتدخل ليس لتوجيه عقول مواطنيها ولكن لحماية عقول مواطنيها.

وأشار فاضل إلى أن الممثل ليس الركيزة الأساسية للعمل الدرامي، واستدرك قائلا "كانت هناك محاولات بالفعل لجعله الركيزة الأساسية وللأسف شكل ذلك أحد عوامل انهيار صناعة الدراما. الممثل عندما يتحكم في العمل ويبحث عن دوره فقط دون بقية الأدوار، ومن ثم لا يهمه رسالة العمل، وهنا تنقلب المعادلة. زمان كان العمل يبدأ بالمؤلف والمخرج اللذين يتوجهان إلى المنتج المناسب لإنتاجه، ثم يأتي دور اختيار فريق العمل من الممثلين، الآن الأمور انقلبت لتبدأ بالممثل الذي يأتي ومعه ورشة عمل، وكلمة "ورشة" كلمة مستفزة بالنسبة للعمل الفني، شخصيا لا أتصور لوحة أمامها ثلاثة رسامين يرسمونها، أو قصيدة شعر يشارك فيها عدد من الشعراء، الإبداع فردي في كل مهنة وفن، يعني السيناريست إبداع فردي وكذا المخرج ومدير التصوير.. إلخ، كل منهم لا بد أن يضع بصمته الإبداعية الفردية دون أن يمنع ذلك وجود تنسيق مشترك بينهم، لكن لا يوجد شيء اسمه ورشة كتابة لعمل فني، هذا اختراع جديد، أشبه أيضا باختراع الوحدة الأولى والوحدة الثانية في الإخراج، هذا أمر كان يستخدم عندما تكون هناك مشاهد تحتاج مجموعات أو أماكن بعيدة وهنا يتم الاستعانة بمساعد مخرج، لكن لا بد للعمل من مخرج واحد، الآن هناك مخرج يخرج جزءا من العمل ليأتي آخر ليستكمل تحت مسمى "الوحدة الثانية"، وذلك لسرعة الانتهاء من العمل، هذا ليس إبداعا إطلاقا ولا يتماشى مع آليات الإبداع".