البنفسج .. وصوم لا يتبعه فطر

سلام على الراوية والرواية

{إلى السائرين والسائرات على دروب الصعب، لكم في كل خطو حكاية، ولنا منكم إلهام}.

هكذا تبدأ سعدية عبد الحليم خليفة سطورها الأولى، فتقدم إهداءها إلى المُتعَبين، المكابدين في الحياة، وتقرن إهداءها بنسب الفضل لهم في إلهام الكاتب بمداد قلمه، وبما تمتليء به الصفحات وتدور به الآلات في المطابع، ليتشكل عملًا فنيًا بين يدي القاريء، أي منه وإليه.

وكأنما تؤكد على مقولة سارتر "أنا أحتاج إلى الآخرين لكي أقبض بامتلاء على بنيات وجودي"، وتنظر في عيني القاريء، تشير بإصبعها للآخر وقد آمنت بمقولة وليم جيمس "لم يعد الكون بالنسبة لنا مجرد ذات، بل أصبح أنت"، بل إنها تزيد في نهاية روايتها وفي فقرتها الأخيرة المعنونة "أنا ورفاق السطور"، تقول:

{لسوف أتخيل أن عالمي وشخوص رواياتي وقصصي، وحتى الرصيف والشارع والباعة والمارة المتشردين والصعاليك المهمومين والفرحين بلا سبب، الكهول والذين كبروا خارج الزمن، العاشقين والمتستهترين بالعواطف، المؤمنين والفاسقين، كلهم شركاء عمل، نعم.. هم زملاء مهنة وأنا معهم نشكل عالمًا متكاملًا}.

وهي - أي الكاتبة - لا تكتفي بالوقوف خلف السارد أو الراوي، بل تحضر بشخصها وصفتها ككاتبة لتصبح إحدى شخصيات الكتاب، تكاد تشتبك وشخوصها، تتفاعل معهم، تشارك القاريء في تعثرات الكتابة وطقوسها الخاصة، تتناول قطعة من الشيكولاتة تدلل بها نفسها أو تمنحها بعض الدفء النفسي، لتعاود إكمال روايتها ومحاولة فك التشابكات التي تلوم نفسها أحيانًا أنها هي التي أوقعت أبطالها في حبائلها. إنك لا تتعاطف مع شخوص الرواية فقط، بل تتعاطف مع الراوية التي أصبحت جزءًا من الأحداث لا ينفصم عن شخوصها.

وكأنما الكاتب المهموم برسالته، تظل قضاياه تلح على عقله وروحه وتشكل عالمًا خاصًا يحيط به، تنقر قلبه المكابِد، وتشكل روحه المبدعة، فيعاود الكتابة في ذات القضايا؛ هكذا تعاود سعدية خليفة في روايتها "صوم البنفسج" طرح قضاياها الأنبل بعد مجموعتيها "وشم الهناجر" و"أيقونة العشوائي" اللتين احتفتا بالقضايا الإجتماعية، آلام البسطاء وأحزان الفقراء وأنين المهمشين.

• صوم البنفسج.. أحلام لا تتحقق، وأشواق لا تنتهي

تطرح الرواية مشكلة من أهم مشكلات الواقع المصري، السفر والغربة كبديل مؤلم لعدم تحقق الإنسان معنويًا وماديًا في وطنه، طقوس الحياة في الغربة وبرودة الأيام والوحدة بعيدًا عن الأهل. حرية الاختيار المفتقدة والتي لم تقصرها على المرأة فقط، بل إن الرجل باعتباره كائنا يتفاعل مع بيئته؛ لا يمكنه الارتباط بمن أحب لضيق ذات اليد، أو لاختلاف ديانته عمن أحبها، أو لوجود تاريخ مسبق بين أمه ووالد الفتاة التي يرغب في الارتباط بها، فتمنعه الأم من هذه الزيجة وكأنما تحقق المثل {الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون}.

تتناول الكاتبة قضايا المرأة، المغلوبة على أمرها وتتوق للحرية، والعاشقة التي تعيش على ذكرى الحبيب المسافر، والتي تزوجت هذا المسافر فكان بالنسبة لها مجرد مصدر للمال، والتي قام أهلها بتزويجها من أحدهم دون أن تتعرف إليه، وسافرت إليه بفستان الزفاف لتلاقي هذا الغريب وتعاشره كزوجة بعيدًا عن الوطن؛ تلك الحالة التي تكررت كثيرًا في مجتمعنا، والتي تعيش بمفردها تفتقد رعاية أخيها المتخلي عن مسؤوليته، كل هذه القضايا في غير تحيز، لا تعلو نبرتها صاخبة لتدين أحدًا، رجلًا كان او امرأة، فالكل في الهم سواء.

• نبض الشعر في قلب الواقع المأزوم

تملأ الكاتبة قلمها من قلب الشارع المصري ليختلط بمدادها الشعري الشفيف فتصنع روايتها، وبهدوء تعبر المسافة من سلوكيات الناس، ولغة الشارع، وحرمانهم، إلى حالة العشق والوله واحتياجاتهم النفسية، تترك لقلمها الشعري الحرية فينساب بين الحكايات.

تقول في وصف مشهد الزوجة "منال" التي سافرت لاستلام جثة زوجها الذي عاش سنواته الطوال وحيدًا، مكتفيًا بإرسال المال إليهم:

{الممر المؤدي إلى بوابة خزانة الموت يقف ساكنًا، تاركًا لتفاصيل المشهد القيام بدورها، حيث تميل على جانبيه أشجار طويلة تمد ظلالها أشباحًا على الأرض، وتهيم غربان نواعق بين الحين والحين، وهسيس الريح ترنيمة حزن تسري، الورود التي أزهرت على استحياء بنفسجي شجي تبدو كأنثى منكسرة، دقات نبض القلب تعلو كلما قارب الخطو الوصول، رجفة تسري في الذراعين، في ارتباك الساقين، في رعشة الشفتين، وعيون تتوشح الزجاج الأسود فلا تفصح، زم المرافق شفتيه، ضم ذراعيه حول صدره، يدفيء برد اللحظة، أما هي فسارت كتمثال شمع جمدته البرودة فتصلب، بعد لحظات يكونان أمام المشهد}.

وفي الجزء المعنون "عاشق ومعشوق"، تصف حالة "عزيز"، الذي أحب "جنات" ونذر لها صندوقا يحتوي على مكملات الزينة ليساعدها في إضافتها إلى فستان زفافها، وها هو الآن يساعدها في تفصيله بينما ذهبت لتعد له القهوة.

{سكر قهوتها الذي ذاب في مزاج البن فتعطر، نقش الفنجان الذي يراقص وجه القهوة، وحفاوة الماء العذب البارد تلامس جسد الكوب كما ندى الصبح على أوراق الزهر }. هو الآن في بيتها؛ يقص قماش فستان زفاف حبيبته:

{انسدل حرير البنفسج على حواف الطاولة، وتعانق التل مع شرائط الساتان، وومضت نجيمات كامنة في علبة تنتظر البزوغ، كل التفاصيل في انتظار يد خبير، في هيام مريد أمام ضريح العارف يقف متمعنًا، يلمس بكفيه القماش ثم يرفعهما كما يتبارك الناس بالمسح على الشال والقبة والجدار}.

• لوحات تشكيلية تنتحل صفة عناوين

اهتمت الكاتبة باقتناء عناوين قوية وموحية ومضيئة، بعضها أسماء شخصيات الرواية "جنات" "عزيز" "فتحية"..إلخ، وبعضها كلمة واحدة "تنازلات"، "الرهان"، "استقواء""الشروق"، "الشوق"، "انعتاق"، "الفصح"، والبعض الآخر يحمل مقابلة "أبيض وأسود"، "الصمت الناطق"، وقد يأتي في كلمتين تلزمان بعضهما "فاعل ومفعول"، "عاشق ومعشوق"، تبدو كلوحات تشكيلية ذات شكل ولون وأبعاد... وهكذا.

• مفارقات عند باب التحولات

إنها رواية المفارقات، فـ "منال" ترتدي الأسود في المطار في طريقها لاستلام جثة زوجها بينما "هتاف" ترتدي فستان الزفاف الأبيض في طريقها لبدء الرحلة المجهولة مع الزوج الغريب. ويوسف الذي حصل أخيرًا على عقد عمل في الخارج بعد أن أعياه الانتظار يقف في انتظار موعد طائرته في الوقت الذي تهبط فيه الطائرة تحمل جثة العائد الذي قضى العمر كله في حياة باردة يجمع المال، ثم "هتاف" وقد عادت إلى وطنها تاركة الزوج الذي لم يربطها به سوى ورقة وقعها من وكله للزواج بها بعد أن خذلها عدم اهتمامه بها ورعايته لها.

تلتقي في المطار بفتاة ترتدي فستان زفاف في طريقها لمعايشة نفس التجربة التي آلامتها، فلا تقوى حتى على النظر تجاهها، في المطار كل الحكايات، مزيج من مشاعر متناقضة، الذهاب والإياب والانتظار، الحياة والموت، اللقاء والفراق، الفرحة والألم، التوترات والأحلام والحيرة، في المطار حياة، إنه "باب التحولات" على حد تعبير الكاتبة في أحد عناوين الفصول.

• ثراء الواقع ورقي التناول

لا تذهب الكاتبة في تناولها للشارع المصري بأماكنه وعاداته وأشيائه إلى واقعية فجة، بل تتناولها برقي من يمسك بريشة وبالتة ألوان، لتجد أمامك في النهاية لوحة كاملة لا ينقصها شيء، إن الظواهر اجتماعية التي ترصدها الكاتبة لا تمثل في الرواية مجرد رصد، بل تعبر عن التغيرات التي حدثت في نسيج المجتمع وظهرت في شكل ظواهر مادية، فمحل عزيز الذي يبيع مكملات الملابس من الزينة والأزرار والساتان والدانتيل، ما عاد أحد يهتم به، حيث أصبحت النساء يرتدين العباءة السوداء التي غزت الأسواق المصرية من الخليج، فذهبت الألوان المبهجة وأصبح الكل يشبه بعضه بعضًا، وكأنما ضاعت الهوية المصرية في ظل غزو ثقافي، لا يمثل مجرد زي يتم ارتداؤه وإنما فكر يتغلغل في العقول وأفكار يتم تصديرها لخدمة أيدلوجيات معينة.

وزواج الفتيات بمن لا تعرف ومباركة الأهل لهذه الزيجات بما تحمل من مخاطر هي واجهة لحالة البلد الاقتصادية وعدم توفر وظائف وعدم قدرة الشباب على تحقيق حلم الزواج.

أما امتزاج أصحاب الديانات المختلفة في نسيج واحد، كالجيران في السكن والصداقات القوية بينهم، لم تأتِ بها كتوجه سياسي كما نراه في كل عمل درامي وكأنه واجب مدرسي أو شعار، على الكاتب أن يمرره وهو يكتب، بل تم طرحه بذكاء وحقيقة في القضية الشائكة التي تناولتها، فـ "أريج" المسلمة قد أحبت "عماد" المسيحي، وعلى العكس فإن "استير" أحبت مسلمًا رغم أنها عرَّفت نفسها على موقع التواصل الاجتماعي بديانتها حتى تتجنب أي مشكلات، لكن العواطف لا تعرف الديانة، إنها الإنسانية فضاءً واحدًا يضم الجميع، يتفاعلون ويختلطون كما تقتضي الطبيعة.

تقع أحداث الرواية ما بين "قطر" ومدينة "الإسكندرية" في مصر، حيث الشوارع، والمقاهي بحالتها وروادها ولهجتهم، يتحرك أمامك "التوكتوك" وعربات الكارو، وتجوب الشوارع عربة، بداخلها رجل ممسك بميكرفون ليذيع نبأ وفاة أحد الأفراد، تصرح ببعض القضايا وتَعْبُر بعضها، تاركة للقاريء مساحة التخيل، فـ "أريج" ترتدي النقاب للتخفي، والكنيسة تقبع خلف الدشم الرملية وجنود الأمن، إشارة لحالة الفوضى وغيرها بعد أحداث يناير 2011، تصف حالة الشارع المصري في مناسبات كـ "حد الزعف" حيث صانعو السعف وباقات عيدان الحنطة الغضة، الصلبان والأكاليل والتيجان، أسبوع الآلام وعيد الفصح وطقوس الاحتفالات، تذكر أماكن في الإسكندرية بأسمائها كمحل الحلوى الشهير "ديليس" أمام موقف الأتوبيسات وخلفه البحر، وشارع "45".

• النهاية.. عتق غير سعيد

هل أرادت الكاتبة حين عتقت كل أبطالها أن تعتذر لهم عن صراعاتهم والتشابكات التي عقدتها لهم، أم أنها أمنياتها النبيلة أن تنتهي كل آلام البشر، وقد جاء العتق بحالتين الأولى "عتق القدر" أتت به في حالات العشق التي لم يستطع أبطالها إشباعها أو تجاوزها، فجاء القدر ليضع النهاية ويحررهم. مات "سعيد" لتنعتق "جنات" وتصنع فستانها البنفسجي الذي نذرته ليوم عودته، ولينعتق عزيز ويُخرج صندوقه ويساعدها في صنع الفستان، وأتت بـ "عتق النفس" في طلب الحرية، حيث أصرت "أريج" على عدم العودة إلى بيتها، وكذلك "هتاف" وبدءا حياة جديدة، وكأنما تشير الكاتبة إلى أن الحرية لا بد أن تنتزع، ولم تأتِ الكاتبة لتضع نهاية ساذجة في فيلم يسعد المشاهدين، فجاء العتق غير سعيد ممثلًا واقع الحياة.

• الصورة والصوت .. كاميرا وقلم في يد واحدة

إن الكلمات الساردة في هذه الرواية، تُتَرْجم مباشرة إلى صور متلاحقة في خيال القاريء، سواء التعبيرات الشعرية التي استخدمتها الكاتبة بمجازاتها الفريدة، أو المواقف المعبرة عن الحدث، كأنما هي مشاهد سنيمائية حية بألوان صريحة لا تعترف بظلال، في لوحة رسمها "هنري ماتيس"، وهي – أي الكاتبة - لا تعترف بامتزاج الألوان، اللهم إلا في حالة عنوان الرواية حيث يطل البنفسجي، من امتزاج الأزرق والأحمر.

الصورة في الألبوم، في يد "فتحية" أم البنين، المرأة القوية المسيطرة في الواقع المصري، التي وهبت نفسها لأولادها، وأصبحوا لا يملكون حريتهم إلا بقدر ما تمنحهم، لكنها الآن في مرض الموت، في يدها صورة لأولاد المدرسة حيث كانت تعمل مدرسة، وقد نظمت وقفتهم بنفسها، صورة تستخدمها الكاتبة لتسرد جانبا من روايتها.

في الصورة "جنات" وقد التصقت بـ "سعيد"، ابن فتحية، في تحدٍ لها بل أنها قد زادت ووضعت يدها على كتفه، رغم أنها أبعدتها عنه، لكنها غافلتها وأطلت من الصورة لتؤكد لها أنها قد نجحت فيما رفضته فتحية، وأن ابنها غاب وكأنه يعاقبها على حرمانها إياه، وفي الصورة المدرس الذي دخل دون إذن منها، وكان في نظرها الرجل غير المناسب في الوقت غير المناسب، الصورة تخبرها وتخبرنا أنها ما استطاعت التحكم بكل شيء كما أرادت، وأنه لا يستطيع الإنسان فرض قوانينه، وعليه أن يتحمل عواقب أفعاله، هي الآن تقابل الموت وحيدة وسعيد ضاعت حياته في صقيع الغربة، وهذا الطبيب الذي يعالجها كان تلميذًا يخافها بشدة حد أنه بال في بنطاله في إحدى المرات من شدة الخوف، ها هي ضعيفة أمامه الآن، تودع حياتها وحيدة وفي يدها صورة المسافر الذي عبر الطريق أمامها في اتجاه الأتوبيس يلوح للشاطيء تاركًا اياها تواجه مصيرها أمام المجتمع الذي لن يرحم خطيئتها.

لا يمكنك أن تنسى محل "عزيز" الذي يبيع لوازم الحياكة، تستحضر صورة الفاترينات الزجاحية الخاشعة لعرض شرائط الزينة وومض بريق الخرز وعيون الأزرار الشاخصة في صمت تطالع السكون الذي يغلف المكان (والكلمات للكاتبة)، ما كل هذا الجمال في صورة ليست بريئة، إن عيون الأزرار الشاخصة للسكون كأنما هي تنتظر كصاحبها العميلات اللائي يشترين، وكأنما في نظرتها للسكون تمثل حالته وقد تراجع البيع وذهبت أيام البهجة والحركة والرواج وباتت الحياة باردة، وقد استسلم الناس للملابس الجاهزة التي تشبه بعضها، ففقدت أيامهم بهاءها كما فقدتها ملابسهم، وأطلت الأزرار للسكون والملل.

إن عناوين الفصول نفسها صورًا حقيقية أو مجازية، أبيض وأسود، عاشق ومعشوق، الغروب، والشروق، وباب التحولات.

ويأتي صوت الراوي الذي تؤكد الكاتبة أنه هي المؤلفة الحاضرة بذاتها داخل الكتاب والتي تشير إلى نفسها في أربعة أجزاء من النص بالعناوين "أنا"، و"عصف الأنا" و"كما هم أنا"، و"أنا ورفاق السطور"، حيث تقطع الحكي بصوتها الشخصي كمؤلفة للنص، أو تسلم "استير" إحدى شخصيات الرواية مهمة الحكي عن نفسها بعد أن تعلم القاريء أنها آثرت أن تتركها بصوتها رافضة أن تتدخل فيما تقول، تقديرًا أو إعجابًا، أو في مونولوج تحوله إلى ديالوج وهمي، كموقف "منال" الزوجة التي أتت لاستلام جثة زوجها، تحدث نفسها بينما تسير في طريقها إلى خزانة الموت لاستلام الجثة مع صديق زوجها الذي جاء ليعاونهاز

وعلى الجانب الآخر يحدث صديق الزوج المتوفي نفسه في ذات اللحظة، لتلتقي الحكايات وتشتبك الأسئلة بالإجابات، تشكل نتيجة واحدة، أن {بياض نهاية الرحلة يسخر من كل الألوان}، ويأتي الصوت في حوار واضح لإحدى المصريات التي تعيش في الغربة، تحكي كيف تتحول سنوات السفر القصيرة إلى عمر بأكمله، وكيف يتبدل الحال في علاقات المسافرين مع ذويهم، وماذا يتبقى في نفوسهم، ثم هناك صوت الراوي من خلال عين "فتحية" المطلة على الصور الساردة لأحداث الماضي والذكريات، عين تنتصر لنفسها، مبررة لقسوة صاحبتها.

وهكذا تطل الصور من صفحات الرواية، كاميرا في يد الكاتبة وقلمًا في ذات اليد.

وبعد.. فإنني أستعير عنوان هذه الفقرة الأخيرة لسطوري من داخل الرواية..

"كما هم أنا".

إن سعدية خليفة بحضورها داخل النص إنما تقول: أيها العزيز "دريدا"، إذا كنت تقول بأنه "لا شيء خارج النص"، فها أنا قد فتحت أول صفحة، فاتحة سردي معنونة بـ "أنا"، وقد أتيت بنفسي داخل النص حيث لا يمكنك أن تخطئني.

وهي إذ تأتي من بين صفوف شخوصها وبيئتهم تتفاعل معهم وتتألم لهم إنما تعلن لـ "لودج" أنها أبدًا لم تكن "المؤلف الفضولي" الذي أتي ساخرًا داخل النص وكان من الأفضل عدم وجوده، بل إن وجودها حق لها كأبطال روايتها.

وأنها تشير إلى "بارت"، بأنه ليس هناك من موت للكاتب، لا بما تم تداوله للمصطلح بفهم لمعناه الذي قصده "بارت" أو بما تم التعامل به برؤية خاطئة، وأن المؤلف هو الكاتب لا يمكن الفصل بينهما، فالكاتب ليس مؤرخًا محايدًا، ولم يكن عدم تحيز الكاتبة للمرأة أو الرجل، هي الموضوعية الكاذبة التي تدعي الهروب من ذات المؤلف، وإنما هي في حقيقة الأمر موقف ورؤية الكاتبة، فالفاعل مفعول، والعاشق معشوق، وكما هم أنا، هذه كلمات الكاتبة وعناوينها التي تعني أن العلاقة بين النص والكاتب لا تنفصم أبدًا وأن الحوائل بينهما إنما هي وهم.

وإذا كانت هذه رؤية الكاتبة التي فرضتها بفاعلية، فهل يمكن قراءة النص على أساس القيم الجمالية كنص معلق في فراغ النقد الشكلاني الروسي أو البنيوي أم على أساس السياقات الثقافية التي أنتجته والتي تحدد توقعات القاريء فيتحول إلى وثيقة وشاهد على العصر كما في النقد الماركسي.

إن المؤلفة ومنذ السطر الأول قد رفضت منهج {غسل سرد الراوي من آثار المؤلف} كما "باختين"، فإذن النص قد فرض علينا بما يحمله من قيم جمالية ولغته الشاعرية ورشاقة الحركة بين الأحداث لتصنع الكاتبة حبكتها بنعومة، وأيضًا أنه قد تم انتاجه من رحم المعاناة والواقع المكابَد وتغيرات المجتمع الاقتصادية والثقافية، أحسبه قد فرض علينا تناوله بقراءة تجمع ما بين رؤى متعددة ولا تركن لمفاهيم جاهزة أو تتبنى فكرًا يفرض نفسه على نص يسجل بثقة حريته وتفرده.

وأجد نفسي أستعير نهاية سطور الرواية كما كتبتها سعدية خليفة:

"سلام على الراوية والرواية وعليكم السلام والمحبة وشغف السطور بحكاياتكم".