أزمة الصحافة العربية تكمن مع نفسها

أن ينتهي حوار صحافي مطول مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من دون أن يقول شيئا، هذا يعني أن الأزمة التي نعيشها ليست سياسية فحسب، ثمة أزمة تعيشها الصحافة مع نفسها!

وأن يتحدث رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي أسبوعيا بما يشاء من دون أن يجيب عن الأسئلة المتراكمة والمتصاعدة في الشارع العراقي، بينما يمارس العشرات من الصحافيين أمامه دورا لم يوجد لهم، هذا يعني أن الصحافة أصبحت خارج الخدمة.

الرئيس المصري ورئيس الحكومة العراقية، هما الأكثر طلبا في المادة الصحافية اليوم، لكننا كصحافيين نبدو الأكثر عجزا في استنطاقهما أو إرغامهما على الكلام لاستحصال الأجوبة المنتظرة من الجمهور، ولسوء حظ الجمهور، لقد عجزنا عن ذلك، لأننا ببساطة نعيش أزمتنا كصحافيين، مثلما تعيش الدول أزماتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية، بينما لم نعد شهودا على هذه الأزمات.

تبدو لي علاقة الصحافيين الغربيين مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يكتنفها العجز كما حال صحافتنا العربية، وإلا لِمَ وصف ترامب الصحافة بـ”النبت الشيطاني” واعتبر كل ما يصدر عنها مجرد أكاذيب مختلقة.

ثمة إجابة شائعة عند القراء المخلصين للصحف في العالم العربي، إن لم يهمسوا بها للآخر، فإنهم يرددونها مع أنفسهم على الأقل، بعد لحظة استرخاء تلي المطالعة وإعادة الجريدة إلى الطاولة: لم أجد شيئا يستحق الانتباه، أو على الأقل ليس ثمة إجابات لأسئلة الناس.

أن ينتهي الحال بصحفنا العربية من دون أن تحمل الإجابات المنتظرة، هذا أمر جدي وخطير يهدد الصحافة برمتها ويقطع صلتها بالقراء.

علينا ألا نتذرع بسطوة الحكومات على الصحافة، نعم هو أمر قائم وقبضتها لم تتراخ حتى بعد مقتل حارس البوابة، لكن الصحافة العربية فشلت أصلا في استقطاب القراء بصناعة أفكار حرة ومعالجات تعيد ثقة المجتمع بنفسه، وهي خطوط لا تمس المحرمات التي ترفعها السلطات العربية في وجه الصحف.

لم تعد مشكلة الصحافة مع الحكومات وحدها، بل تكمن في عجزها عن إعادة ابتكار مهمتها وتقديم محتوى مرضي للقراء وقادر على إدامة الصحف وتمويلها، بدلا من أن تستمر في تقديم الخدمات الصحافية مدفوعة الثمن للحكومات ولرجال الأعمال والدين!

الصحافة العربية فشلت أصلا في استقطاب القراء بصناعة أفكار حرة ومعالجات تعيد ثقة المجتمع بنفسه

دعونا نعود خطوة إلى الوراء ونسأل عما إذا كانت الصحافة فقدت دورها في مشهد سياسي واجتماعي مرتبك ومخيف تعيشه المجتمعات العربية؟ لماذا لم يدق جرس إنذار عزوف القراء عن الصحف في آذان كبار الناشرين؟ ألا تجدر بنا إعادة حساب الوقت الذي يقضيه أكثر القراء الأوفياء مع صحيفته المفضلة يوميا؟

بمجرد أن نعرف مساحة ذلك الوقت الضئيل، أعتقد أننا سنصاب بخيبة أكبر من الخيبة التي أصابت القراء العرب بالصحافة؟

الصحافيون بحاجة إلى إعادة ذلك الوقت “موضع فخر الصحف” إلى حياة القراء، وليس العيش على الوقت المستقطع الذي يأخذه القارئ بعجالة ولامبالاة لمطالعة الصحيفة إن وجدت أمامه، ولا يكلف نفسه الذهاب لشرائها.

الصحافيون بحاجة إلى إعادة متعة الاسترخاء والشغف إلى قراء الصحف في المقاهي، تلك المتعة المغمورة بالمعرفة لم تفقد بعد مواصفاتها الثمينة، وثمة أمل يجب أن يتمسك به الصحافيون المخلصون بإعادة مسرة قراءة الجريدة من أجل تحفيز الناس على التفكير والمعرفة أكثر.

الصحيفة ليست كفيسبوك مصدرا للاكتئاب عندما يتعلق الأمر بالمقارنة الاجتماعية، فقد أظهرت إحدى الدراسات حول استخدام فيسبوك، أنه حين يقارن الناس أنفسهم بحياة أصدقائهم على المنصة الرقمية التي تبدو مثالية، فهم يشعرون بالاكتئاب.

لم يسبق أن انتاب القراء مثل هذا الشعور عند قراءة الجريدة، صحيح أن القارئ يشعر بالانزعاج يصل أحيانا إلى حد الاستياء من أكاذيب ومزاعم بعض الكتاب، لكن في النهاية تبقى الجريدة مصدرا لإعادة التفكير والتحفيز على نقد الآخر، وليست مصدرا للاكتئاب كما فيسبوك!

لقد تغيرت الأجواء السياسية في العالم العربي وولد جيل شرس في الجدال على المنصات الإلكترونية، وسادت مفاهيم طائفية وقومية وعرقية وعشائرية مدمرة، ولم يكن دور الصحافة العربية إلا المراقبة المتوجسة والمندهشة حيال ما يحدث، فيما أدرجت كل أدوارها باقتراح العلاج في الهامش، على الأقل لجيل الهواتف الذكية.

صدمة الصحافة العربية مستمرة، لكنها لم تبد لحد الآن ما يظهر أنها مستوعبة ما يدور حولها، وإلا لماذا تبقى متأخرة في وقت حرج يتطلب ممارسة دورها الحقيقي الذي وجدت من أجله.

الصحافة لم تُنتخب من قِبل أي منظمات ومجموعات حقوق الإنسان ولم تُنتخب قط من قِبل أي أحد، لكن من الواضح أنها تُشارك في تحديد كيف ينبغي مساعدة المجتمع على تسيير وضعه ووضع الحكومات أمام حقيقة قراراتها، وعندما تفقد بنفسها مثل هذا الحق التاريخي المعطى لها بتفويض مجتمعي وسياسي، فإنها قد حكمت على نفسها بالتلاشي، لتصبح أوراق الجرائد كأوراق الأشجار الميتة تذروها الرياح.

عندما تساءلت جين توينج، مؤلفة كتاب “جيل الإنترنت”: لماذا يصبح أطفال اليوم المتصلون دائما بالإنترنت أقل تمردا وأكثر تقبلا وأقل سعادة، وغير مستعدين نهائيا للبلوغ؟

لم يخطر ببالها وهي تجيب على سؤالها أن السبب يكمن في الصحف التي لم تعد تلفت انتباههم كما كانت تشد الأجداد إلى قراءتها؟