'للقضبان رواية أيضا' .. نص أفكار ومواقف أكثر منه نص أحداث

كشف الممارسات اللا إنسانية للكيان الصهيوني

عمّان ـ ينتقل الكاتب الفلسطيني حسين حلمي شاكر في كتاباته الإبداعية من القصة القصيرة جدا إلى الرواية القصيرة جدا، ولا نعرف إن كان يسير مع مقتضيات المرحلة أم عكسها، نعم، نحن نعيش في عصر السرعة، الذي فرض أشكالا جديدة في الكتابة، كلها تتجه نحو التكثيف، تماشيا مع احتياجات العصر، إذ لم يعد بمقدور القارئ التعامل مع النصوص الطويلة، من وجهة نظر البعض، فظهرت القصة القصيرة جدا، التي قد لا يتجاوز عدد مفرداتها الخمسين مفردة، وظهرت التوقيعات، والتغريدات، والأخبار، والخواطر...

وها هو كاتبنا يقدّم رواية "للقضبان رواية أيضاً" الصادرة عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، لا يتجاوز عدد صفحاتها السبعين صفحة، رغم أننا نشهد اتجاها آخر في كتابة الروايات يتمثل في الرواية الطويلة.

تبدأ الرواية بمشهد ميلاد البطل/ السارد بضمير الأنا، وهي بدايةٌ تنطوي على أمرَين مهمَّين ستدور الأحداث اللاحقة في نطاقهما؛ الأول هو خروج الطفل من رحم أمه مبكراً وقبل موعد ولادته، والثاني أن الولادة تمّت في الحقل الذي يشير إلى فضاء مفتوح على الحرية؛ هذا المفتتح يؤكد فكرة أن الإنسان يولَد طليقـاً ومفطـوراً على الحـرية، ولهذا تظل حريته أغلى ما لديه، وتصبح - إنْ فقدَها - أثمن ما يطلبه.

يستمر السرد الذي يلقي الضوء على طفولة البطل في الفصول الأولى للنص، مع عنايةٍ واضحةٍ بوعي السارد الذي يتجه إلى البساطة في طرح الأفكار، حيث يختلف إدراك الطفل ووعيه لما يجري حوله من أحداث كبرى عن إدراك الكبيرِ ووعيه، ومثال ذلك فرحة الطفل بتجمُّع الناس في بيت عمّه خلال حرب 1967 والتفافهم حول المذياع ليستمعوا إلى «صوت العرب» وخطابات عبدالناصر.

إنه لم يكن يعي ما يَحدث، لكنه سعيد بوجود الآخرين الذين تفيض ملامحهم بالحماسة، وهذا ما يتكرر في الأحداث التي صاغها الكاتب برؤيةٍ ناضجة ترسم لوعي الطفل حدودَه المنطقية، وذلك قبل أن يتغيّر هذا الوعي عندما يكبر الطفل ويختبر الحياة ويخوض تجاربها، ولا سيما «الوقوع» في الحب.

ولأنّ الحب من أسمى المشاعر الإنسانية وأكثرها صدقاً وتعبيراً عن الحياة، فإنّ نار الحرب والعدوان تستهدفه وتحاول القضاء عليه، حيث تُستشهَد «نور» التي أحبَّها البطل بينما كان يقضي فترة الاعتقال في السجون الإسرائيلية، وتبقى ذكراها تُوجعه، كيف لا والعاطفة التي ظلّلت علاقتهما تشكّلت منذ اجتازا أولى عتبات الطفولة!

يعيش البطل تجربةَ المعتقل وهو يقاسي عذاباتٍ لا تُحتمَل، ويرزح تحت وطأة المعاناة اليومية، وبالتوازي كان وعيُه يتبلور في السجن أكثر فأكثر، فيدرك حقيقة جلّاده وادّعائه القوة والبطولة الزائفة، كما يدرك أن معاناة الاعتقال لن تنتهي حتى بعد خروجه من السجن؛ إذ لا يمكن للمعتقل أن يعود حراً كما يشتهي، أو أن يستأنف ممارسة حياته العادية دون عقبات.

ويكشف الكاتب، من خلال أحداث نصّه السردي هذا، حجمَ التضييق الذي يمارسه الكيان المُعتدِي على الناس أصحاب الحق والأرض، ومطاردته لهم، لا لأنه يمتلك القوة وإن زعمَ ذلك وتبجّح به، بل لأنه يحاول التغطية على ما يسيطر عليه من جبن وخوف وعجز وضعف.

ويقول الكاتب جعفر العقيلي في تقديمه لرواية حسين حلمي شاكر، إن نصه يتميّز بصدق التجربة التي ترتبط على نحوٍ ما بما اختبره الكاتب نفسه؛ لذا جاء السرد سلِساً وعفوياً وبسيط التركيب، فيما مالت الصور إلى الإيحائية والرمز، بمعنى أن التركيز الأكبر كان على الأفكار لكشف الممارسات اللا إنسانية للكيان الصهيوني، الذي يتبنى سياسات الترهيب والحصار والتفريغ الثقافي، وفي سبيل ذلك يزجّ بعشرات المثقفين والمفكرين والأحرار في سجونه ومعتقلاته، أو يفرض عليهم الإقامة الجبرية.

ويضيف، أن الرواية ورغم أنها تتناول تجربةً خاصة بالبطل السارد، إلّا أن هذه التجربة الذاتية يسهل أن تتحول إلى تجربة عامة، حيث يُطارَد كلّ فلسطيني حُرّ وملتزم ومدافع عن وطنه وعن حقّه فيه، بهدف القضاء عليه، أو على الأقل كسْر قلمه وتكميم صوته.

ويبدو أن الكاتب العقيلي وقف حائرا أما تصنيف العمل وتجنسيه، فقد راح يتحدث عنه بوصفه نصا سرديا دون أن يحسم أمر تصنيفه، يقول "يمكن وصف هذا العمل بأنه نَصّ أفكار ومواقف أكثر منه نَصّ أحداث"، لكن ومهما اختُلف على تصنيف العمل، إلا أنه يبقى نصا أدبيا سرديا يعكس تجربة حياتية ذات قيمة وهو يستحق القراءة.

يذكر أن الكاتب من مواليد 1963، في بلدة عرابة/ شماليّ الضفة الغربية – فلسطين، حاصل على درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية من جامعة القدس المفتوحة/ فلسطين، وعمل مديرا لدائرة التفتيش وحماية العمل في وزارة العمل الفلسطينية. اعتُقل من قِبل قوات الاحتلال الإسرائيلي عام1983، وحُكِم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات أمضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

بدأ بكتابة القصة والخاطرة والمقال في المُعتقل، وأشرف على مجلات وكراريس كانت تصدر في المعتقل بخط اليد.

صدر له مجموعتان قصصيتان:«فصول»، 2015، و«قناديل»، 2016، وشارك في كتب: «فلسطين في قلب ستين قاصّاً»، 2016، و«الوهم الجميل» 2017.

نشر العديد من المقالات وومضات وقصص وقصص قصيرة جدّاً في بعض المجلات والجرائد الفلسطينية والعربية، وأسهم في فن الومضة المتدحرجة «فن القص من الومض» كجنس أدبي ناشئ، وله عدة ومضات منشورة، واشترك في عضوية لجان تحكيم القصة القصيرة جدّاً لدى بعض المجموعات على صفحات التواصل الاجتماعي.