كرة القدم تواسي سوريين حرمتهم الحرب من أطرافهم

'الحياة لم تتوقف عند الاصابة'

إدلب (سوريا) - مع اطلاق الحكم صفارته، يبادر شاب بترت احدى ساقيه وهو يتكىء على عكازه الى دفع الكرة لتبدأ مباراة حماسية في ملعب بمدينة ادلب في شمال غرب سوريا، يتنافس فيها لاعبون حرمتهم الحرب من أحد أطرافهم.

تتواصل المنافسة خلال المباراة بحركات ماهرة يؤديها اللاعبون، يقومون بتمرير الكرة وهم مستندون على عكازاتهم، قبل أن يسدد أحد لاعبي الهجوم بحماس.

ولدى محاولة حارس المرمى الذي بترت ذراعه صد الكرة، يقع أرضاً ويسجل خصمه هدفه الأول بينما يحاول جاهداً الوقوف وسط هتافات الجمهور.

ويجمع كافة اللاعبين، سواء كانوا مدنيين أم مقاتلين، المعاناة جراء الحرب التي حرمتهم ساقاً أو يداً، وتسببت منذ اندلاعها في العام 2011 بمقتل أكثر من 340 ألف شخص في سوريا.

ويروي صلاح أبوعلي (23 عاماً) بهدوء أثناء استراحته على طرف الملعب "يحدث أحياناً أن تمر الكرة أمامي فأهم لأشوطها بقدمي اليسرى لكنني أتذكر أن رجلي مبتورة".

ويقر بمواجهته وزملائه "الكثير من الصعوبات متل الركض والسرعة".

قبل عشرة أشهر، كان صلاح يقف أمام منزله حين سقطت قذيفة أدت الى بتر ساقه في مدينة الرقة (شمال)، التي كانت تعد أبرز معقل لتنظيم الدولة الاسلامية قبل ان تتمكن فصائل كردية وعربية من طرده منها في تشرين الأول/أكتوبر.

ومنذ مطلع كانون الأول/ديسمبر، باشر هذا الفريق الذي يضم حتى الآن 19 لاعباً تدريباته بمبادرة من مركز المعالجة الفيزيائية في مستشفى ادلب التخصصي. وتتراوح أعمار لاعبيه بين 13 و40 عاماً يتدربون لساعتين ثلاث مرات أسبوعياً.

- "حياة ثانية" -

ويتذكر صلاح،النحيل البنية، يومياته قبل الانضمام للفريق. ويروي "كنت أمكث في المنزل، لم أكن أرغب بالخروج وأتذكر أياماً خلت" لكنه يقول اليوم "بدأت حياة ثانية".

ويضع اللاعبون أمامهم هدفين، التقدم في علاجهم الفيزيائي من جهة ورفع معنوياتهم من جهة ثانية.

وتغير أسلوب حياة صلاح كلياً وبات يخرج من منزله. ويوضح "لا تشعر بأن حياتك توقفت لأنك فقدت عضواً من جسدك".

منذ تأسيسه قبل أكثر من عام، عالج مركز المعالجة الفيزيائية 900 شخص، من نساء ورجال من مختلف الأعمار، يعانون بشكل خاص من بتر أحد الأطراف أو من كسور.

ويوضح أحد المعالجين الفيزيائيين في المركز محمد مرعي أن "الشباب استجابوا بسرعة" لفكرة التدريب وتكوين فريق كرة قدم، لافتاً الى ملاحظته خلال اسابيع قليلة تطوراً كبيراً على الصعيد الجسدي و"النفسي والمعنوي" لدى اللاعبين.

ولن تتوقف نشاطات المركز عند هذا الحد، وستتضمن المرحلة المقبلة التدريب على رفع الأثقال والسباحة.

واستضاف المركز مؤخراً مباراة كرة قدم ودية في إطار مسابقة رياضية بمبادرة من جمعية شفق الخيرية المحلية. فانقسم اللاعبون الى فريقين، ارتدى الأول قمصاناً برتقالية والثاني خضراء اللون.

قبل بداية الشوط الأول، شكل لاعبو كل فريق حلقة مستديرة، وهتفوا "أوليه، أوليه، أوليه"، وهم يحركون أذرعهم بحركة حماسية وقفزوا على قدم واحدة.

-"جلسنا لسنوات"-

يقف عبدالقادر اليوسف (24 عاماً) إلى جانب الملعب، يراقص الكرة على عكازه، معتزاً بهذا الانجاز الذي يقوم به.

انضم مصفف الشعر السابق المتحدر من حمص (وسط) إلى صفوف حركة أحرار الشام الإسلامية بعد تحول حركة الاحتجاج ضد النظام في العام 2011 إلى نزاع مسلح، وفقد ساقه خلال احدى المعارك ضد قوات النظام في العام 2015.

واثر انتهاء المباراة، غادر جميع اللاعبين بعدما حازوا على ميداليات وملابس رياضية وأحذية جديدة.

لدى وصول عبدالقادر الى منزله، يهرع ابنه ليعانقه طويلاً. يضع الوالد الفخور الميدالية حول عنقه، ويخاطب ابنه مبتسماً "انظر ماذا ربح والدك اليوم، هل تريد ان تلعب بالكرة؟".

ويروي عبدالقادر الذي جلس متربعاً على فراش وسط غرفة جدرانها بيضاء عارية، أن خسارته لرجله اليسرى "كانت صدمة كبيرة" خصوصاً أنه كان قبل اندلاع النزاع لاعباً ضمن فريق الناشئين في نادي الكرامة ومقره مدينة حمص.

ويروي عبدالقادر ذو اللحية الخفيفة بتهكم "واجهنا بعض الصعوبات في البداية، إذ مرّ وقت طويل علينا من دون أن نركض (...) وبقينا جالسين لسنوات".

وسرعان ما تغير الأمر بعد بدء عبد القادر للتمارين الرياضية مع زملائه. باتوا يشعرون بتحسن أجسادهم وقادرين على التحرك أكثر.

ويقول "بعد التدريب شعرت أن جسمي أقوى وأصبحت قادراً على القيام بأمور كثيرة داخل البيت وخارجه (...) لم أكن اقوى على فعلها من قبل كحمل أسطوانة الغاز".

ويضيف الشاب الذي يعمل حالياً سائقاً لدى احدى الجمعيات الخيرية، "الحياة لم تتوقف عند الاصابة (...) يجب أن نمتلك الثقة بالنفس".

ورغم تكيفهم مع واقعهم الجديد، لكن معاناة لاعبي الفريق لم تتوقف، اذ قتل أحد رفاقهم السبت جراء تفجير عبوة ناسفة أثناء عمله بائعاً على عربة متوقفة في وسط ساحة عامة في مدينة ادلب.