زياد العناني .. الشهاب الساطع الذي يحترق

هو طيب وعلى هذا أكلته العتمة

ليس لي بلد

ليس لي قبر

وليست لي حتى امرأة

إذا مت

تركض في الفراغ

مبددةً

نعيها."

هذا ما جاءنا به الشاعر زياد العناني (مواليد ناعور – عمّان- -1962 ندعو له بالصحة) في ديوانه السادس بعنوان "شمس قليلة" وهو يشعرنا أنه يعيش في بلد لا يحنو عليه، ولا يفهمه، أو يتفاهم معه. يشعر أنه لا يجد نفسه قادراً ولو حتى على تأمين قبر له في بلده. (حارة كل من إيده إله - حسب غوار الطوشة)، تجده في هذه القصيدة، وكأنه، بلا امرأة يحتاجها ولو لسبب واحد فقط، أنه، إذا مات، فسيجد من تركض خلفه في الفراغ، تولول وتبكي لتبدد نعيها".

يبدو أن الذي أضعف البنيان الذهني والجسدي للشاعر زياد العناني، الذي كان يعمل صحفياً نوعياً في جريدة "الغد" الأردنية، هو شدة حساسيته للظروف الصعبة التي يكابدها الإنسان العربي الذي يريد أن يكون صادقا مع نفسه ومع الآخرين، حيث يجد نفسه يحلم بكابوس أنه؛ يجر العالم نحو رأسه الذي يشبه الصندوق، حيث تستهلك أحلامَهُ فجائعُ كثيرة. تصوروا قوة الجهد الذي يحتاجه إنسان، ليجر الكرة الأرضية وما عليها. إذ يقول في قصيدته "شمس قليلة" صفحة 20:

"لا شيء يمنعه حين ينام

من جر العالم

نحو صندوق الرأس

بفجيعة مخمّرة"

ها هي الفجائع تتكالب عليه وهو يحاول النوم، للخروج من عذابات الحياة وهو البريء الصادق المخلص للإنسانية. إذ يقول إنه كان يفكر بالندى على العشب، ولكنه إذ لم يحصد سوى غبار الحياة، وجد نفسه لا يألو سوى على الاستمتاع بجمع ما حلم به من نساء. إنه لا يلتقي النساء في الحقيقة، بل يلتقيهن في الحلم. فكما قال نجيب محفوظ في إحدى رواياته: "المرأة نفعية بطبعها" وحيث إن العناني – وكان يومها ما يزال شاباً قوياً، إلا أنه - لا يملك المبادرة، التي عادة ما تتسلح بمواصفات كثيرة كي تجتذب النساء، أهمها المال، فإنه يجد نفسه يحلم بكونه ثرياً بنقوده، في لقاء جميل، يسبح في الحلم مع الحور العين. إنه (هرمون التستستيرون) الذي يغلي في مخ الرجل، فيجعله يحلم بالنساء، مجرد حلم، حيث لا يستطيع توفير الثروة للإنفاق عليهن. ولكنه إذ يصحو في عز الليل، لا يجد أمامه مالا ولا نساء، فيعود لينام قابضاً على دمعة واحدة. وهو يكرر قول المتنبي:

"لا خيل عندك تهديها ولا مال ** فليسعد النطق إن لم تسعد الحال"

ولهذا نجده يسعدنا بما يعبر عن مشاعر الشباب الفقراء الحالمين بصبرهم؛ كقوله:

كان مهتماً بالندى.. والآن

صار مستمعاً فقط

يجمع ما حلم به

من نساء ونقود

تحت دمعة واحدة

وينام."

إنه يرى الإنسان الصادق الأمين لا يحقق السعادة، بل تأكله العتمة. والدليل الذي يقدمه الشاعر هو كثرة المقابر في بلدنا الصغير العدد والعدة، إذ يقول:

هو لم يُلق القبض على أي سعادة

هو طيب

وعلى هذا

أكلته العتمة

فالعتمة تأكل أمثاله

والدليل على ذلك

كثرة المقابر في بلاده التي

يستطيع المرء

أن يعد بيوتها

وأشجارها بالنظر."

هكذا هو الإنسان الحساس الذي لا يستطيع مد يده سواء بالسرقة أو بالتحايل أو بالقوة إلى جيوب الآخرين، فإنه مضطر لتقديم بيت جميل إلى محبوبته، بيت غير حقيقي، بل بيت مرسوم على الورق، خاصة في هذا العصر الرأسمالي المتوحش، إذ كان الحب من طرف واحد، كما قلت لصبية جميلة كانت تزورني أيام الصبا:

"ولكنك لم تقولي لي أنك تحبيني." فقالت لي: "نحن الجميلات نُحَبُّ، لا نُحِبّ". وهذا ما عبر عنه زياد العناني الذي فهم أن الرجل يحب من طرف واحد، وأن المحبوبة تريد منه أشياء كثيرة، وليس شيئا واحداً، بقوله:

"كان وحيداً

وحين أحب

من طرف واحد

قال: سأشتري لها بيتاً

وإن عجزت

سأرسمه على الورق."

وعلى جمر المال، كان الشاعر يتقلب مُعذّباً، وهو يشاهد من اغتنوا وهم يغنون مبتهجين، تحرسهم أرتال من الأظافر والسلاح. وفي هذا يقول:

"مال يميناً/ مال يسارا/ فتقلب الوطن/ في حبر أوراقه/ وتعالت بعض الأصوات/ الجهيرة وهي تمر إلى جنة المال/ محروسة/ بالأظافر والسلاح".

كم يتعذب الإنسان الإنساني المشاعر والتصرفات، وهو يخاف إذا نطق بكلمة لا تعجب، فإنه معرض لأن يفقد (رقمه الوطني) ويصير بلا رقم. أي تسحب منه الجنسية. وفي هذا كتبتُ ذات مرة أقول:

"من هو الذي له الحق في سحب جنسية مواطن؟ وهل يحق للمواطن المسحوبة جنسيته أن يسحب جنسية الساحب لجنسيته؟ وإذا سحبت جنسية المواطن، فبأي جنسية سيكون؟ وإذا لم يقبله وطنه، فهل تقبله دولة أخرى؟ ولكن كثيراً من العرب يسمونهم (البدون) وهي قضية عربية عامة، وليست أردنية فحسب..".

ولهذا يقول زياد العناني:

"تذكّر مأساة الرقم الوطني

ثم همس:

إشارة ما

وأصير بلا رقم

وتصبح الحياة

بدون دفتر عائلة."

وفي هذا الصدد..حول من له الحق في فعل الحق، يتساءل العناني:

"هل كان الحق على حق

في دولة الشمس القليلة؟"

وقبل نهاية الطريق ونظراً لشدة المكابدة الإنسانية التي تكاد تقتله، ينفجر شريان في رأس الشاعر زياد العناني، فيصاب بشلل، يقعده عن كتابة القصيدة، ولكن جمهور محبيه لا يزال يتكاثر وهم يعيدون قراءة ما كتب. نرجو له أن يشفى، وقد كان يقول وكأنه يصف مشاعر حاله بطريقة تصور شعري:

"يعود إلى باب المصحة

كما لو كان معروفاً

يُطبِّل الأطفال خلفه

فيتركهم لكي يحلم

ويقرأ قصة الكرسي

فتضحك النسوة

من ملابسه المغبرة"

لينتهي بقوله:

"لا غول سوى غول الكرسي.."

بعد ديوانه الأول "خزانة الأسف" الذي صدر عام عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر– بيروت، فوجئ برقابة المطبوعات الأردنية تحظر توزيعه. وهو المعروف بعدم معرفته للدبلوماسية، إذ يقول كلمة الحق فيثير زوابع معرفية خارج الجريدة التي يعمل فيها صحفياً. أصدر ديوانه الثاني بعنوان؛ "في الماء دائماً، وأرسم الصور". وكان بعدها ديوانه الثالث؛ "كمائن طويلة الأجل" وكلها صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر– بيروت. ثم أصدر ديوان الرابع بعنوان؛ "مرضى بطول البال"، وبعده ديوانه الخامس بعنوان "تسميه الدموع"، وكان ديوانه السادس بعنوان "زهو الفاعل"، ثم أصدر هذا الديوان السابع بعنوان؛ "شمس قليلة"، إلى أن أصدر حديثاً ديوانه الثامن والأخير بعنوان؛ "جهة لا بأس بعريها" عن "الدار الأهلية" في عمّان بعنوان؛ إذ تجده فيه يضحك كثيرا بقهقهات باكية، تنم عن اعتصار ألم دفين.

وهكذا توقف زياد العناني عن إفصاح الكلام المباح.. ذلك الشهاب الساطع، الذي لا يجهله أحد من الكتاب ولا من المثقفين العرب. ذلك الشاعر الذي يحبه الجميع، والذي يكاد ينفذ شعرُه في صم جندلِ، ولكن (عُمْرْ الزين ما كمل) قول مأثور، نفهم منه أن الأرض ليست مكاناً للسعادة الدائمة. فكثيراً ما نستنير بنور شهاب ساطع لا يلبث أن يخبو تألقه.