الطريق ‬السالكة‬.. ‬عودة ‬الإرهاب ‬لأفغانستان

المطلوب الحرب على الجذور قبل الفروع

ظاهرة ‬الإرهاب ‬المعاصر، ‬واحدة ‬من ‬أخطر ‬الظواهر ‬في ‬تاريخ ‬البشرية، ‬ذلك ‬أنها ‬تجمع ‬كل ‬معاداة ‬البشر ‬ضمن ‬إيديولوجيا ‬حية ‬تحميها ‬دولٌ ‬قائمةٌ ‬ومعترفٌ ‬بها ‬مثل ‬قطر ‬وإحدى ‬الدول ‬الإقليمية، ‬فضلاً ‬عن ‬الرعاية ‬الكاملة ‬لنظام ‬ولاية ‬الفقيه ‬في ‬إيران، ‬وتستمد ‬وجودها ‬وتبريرها ‬من ‬جماعة ‬«الإخوان» ‬الإرهابية ‬وجماعات ‬الإسلام ‬السياسي. تشهد ‬المرحلة ‬الحالية ‬اشتداد ‬عمليات ‬الإرهاب ‬التي ‬تحدث ‬في ‬أفغانستان، ‬الدولة ‬التي ‬ظلت ‬هادئةً ‬لسنواتٍ ‬إلا ‬من ‬أحداثٍ ‬صغيرةٍ ‬هنا ‬وهناك، ‬ولكنها ‬تعود ‬اليوم ‬للمشهد ‬بقوةٍ ‬تعبر ‬عنها ‬تفجيرات ‬متوالية ‬ونوعية ‬تستهدف ‬ضرب ‬الدولة ‬الأفغانية ‬والشعب ‬الأفغاني ‬واستقرار ‬أفغانستان، ‬وهو ‬ما ‬يثير ‬قلق ‬العالم ‬أجمع. كأي ‬متغيرٍ ‬جديدٍ ‬يستحضر ‬اهتمام ‬العالم، ‬تثور ‬الأسئلة، ‬فهل ‬كانت ‬مصادفة ‬محضة ‬أن ‬يكون ‬اشتعال ‬الإرهاب ‬في ‬أفغانستان ‬متزامناً ‬مع ‬القضاء ‬على ‬تنظيم «‬داعش» ‬الإرهابي ‬في ‬العراق ‬وسوريا؟ ‬وهل ‬سيكون ‬غريباً ‬أن ‬الطريق ‬التي ‬وصل ‬منها ‬الزرقاوي ‬وأتباعه ‬إلى ‬العراق ‬ما ‬بعد ‬2003 ‬ذهاباً ‬هي ‬نفسها ‬التي ‬قد ‬يسلكها ‬البغدادي ‬وأتباعه ‬إياباً ‬في ‬2018؟

وهل ‬سيكون ‬غريباً ‬أكثر ‬أن ‬تكون ‬هذه ‬الطريق ‬تمر ‬ذهاباً ‬وإياباً ‬من ‬أرض ‬الدولة ‬الإيرانية ‬وتحت ‬رعاية ‬وعناية ‬الولي ‬الفقيه؟ ‬والنظام ‬الإيراني؟

ليس ‬من ‬الجيد ‬الانسياق ‬خلف ‬تحليلاتٍ ‬مستعجلة، ‬ولكن ‬من ‬الجيد ‬أخذ ‬الحيطة ‬والحذر ‬واستحضار ‬التاريخ ‬وأحداثه، ‬والواقع ‬ومآلاته ‬لمعرفة ‬كيف ‬يتحرك ‬العدو ‬الإيراني ‬و«القاعدي» ‬و«الداعشي»؟ ‬وكيف ‬يمكنه ‬الخروج ‬من ‬أزمته ‬الكبرى ‬بخلق ‬أزماتٍ ‬صغرى ‬هنا ‬وهناك. فرضت ‬دول ‬المنطقة، ‬وعلى ‬رأسها ‬المملكة ‬العربية ‬السعودية ‬ودولة ‬الإمارات ‬العربية ‬المتحدة، ‬على ‬العالم ‬أن ‬يتعامل ‬مع ‬ظاهرة ‬الإرهاب ‬بشكل ‬عملي، ‬فقامت ‬بتعرية ‬النظام ‬الإيراني ‬الداعم ‬الأكبر ‬عملياً ‬للإرهاب ‬حول ‬العالم، ‬وقامت ‬بمقاطعة ‬النظام ‬القطري ‬الداعم ‬المالي ‬الأكبر ‬لتمويل ‬الإرهاب، ‬وهي ‬في ‬مواجهةٍ ‬مستقبليةٍ ‬مع ‬إحدى ‬الدول ‬الإقليمية ‬الداعمة ‬للإرهاب، ‬والتي ‬هي ‬في ‬بعض ‬الجوانب ‬أخطر ‬من ‬إيران ‬وقطر، ‬وبدا ‬ذلك ‬في ‬مقدمته ‬بالموقف ‬الصارم ‬تجاه ‬جماعة ‬«الإخوان» الإرهابية ‬وجماعات ‬الإسلام ‬السياسي، ‬وتصنيفها ‬جماعات ‬إرهابية.

دولٌ ‬كبرى ‬في ‬العالم ‬لم ‬تبد ‬نفس ‬العزم ‬والحزم ‬الذي ‬أبدته ‬دول ‬المنطقة ‬في ‬محاربة ‬الإرهاب، ‬ولذلك ‬أسباب ‬تاريخية ‬وسياسية ‬واقتصادية ‬يمكن ‬فهمها، ‬ولكنها ‬جميعاً ‬تبقى ‬لعباً ‬بالنار، ‬فلا ‬يكفي ‬أبداً ‬إغلاق ‬الحدود ‬أو ‬تنظيم ‬قوانين ‬الهجرة ‬لمنع ‬تفشي ‬الإرهاب ‬ووصوله ‬لكل ‬دول ‬العالم، ‬دون ‬استثناء، ‬وكلما ‬استطاع ‬الإرهاب ‬إيجاد ‬مخارج ‬له ‬من ‬أزماته ‬الخانقة، ‬كلما ‬كان ‬سهلاً ‬عليه ‬الاستمرار ‬وتطوير ‬العمليات ‬وتهديد ‬السلم ‬الدولي.

تحسب ‬بعض ‬الدول ‬الكبرى ‬في ‬العالم ‬أنها ‬بتحالفها ‬مع ‬إيران ‬أو ‬مع ‬إحدى ‬الدول ‬الإقليمية ‬الأخرى ‬أو ‬مع ‬قطر ‬قادرة ‬على ‬خلق ‬حلولٍ ‬تفرضها ‬على ‬بعض ‬أزمات ‬المنطقة، ‬مثل ‬الأزمة ‬السورية، ‬ولكنها ‬تغفل ‬كثيراً ‬أنها ‬لن ‬تكون ‬بمنأى ‬من ‬ضربات ‬الإرهاب ‬بمجرد ‬أن ‬توجد ‬موطئ ‬قدمٍ ‬لها ‬في ‬المنطقة ‬في ‬صراعٍ ‬دوليٍ ‬يهمها ‬وتريد ‬أن ‬توجد ‬لها ‬انتصاراً ‬فيه.

الدول ‬المسلمة ‬هي ‬الأولى ‬بحرب ‬الإرهاب، ‬ومن ‬هنا ‬قام ‬تحالف ‬الدول ‬المسلمة ‬لمحاربة ‬الإرهاب ‬الذي ‬تقوده ‬السعودية، ‬وهو ‬خيارٌ ‬استراتيجي ‬للسعودية ‬وحلفائها ‬لا ‬يمكن ‬المساومة ‬عليه، ‬بأي ‬حالٍ ‬من ‬الأحوال، ‬ولكن ‬أي ‬تخاذلٍ ‬دوليٍ، ‬عن ‬دعمه ‬والوقوف ‬معه ‬ومحاربة ‬الجذور ‬وليس ‬الفروع ‬فقط، ‬سيمنح ‬الإرهاب ‬فرصاً ‬كبرى ‬لإعادة ‬ترتيب ‬صفوفه ‬والخروج ‬ثانيةً ‬بطرقٍ ‬وأساليب ‬غير ‬معروفةٍ ‬وغير ‬معهودةٍ ‬بعد.

أخيراً، ‬فلم ‬تزل ‬ظاهرة ‬الإرهاب ‬تأخذ ‬حيزاً ‬مهماً ‬من ‬اهتمام ‬العالم، ‬وستظل ‬هذه ‬الظاهرة ‬لسنواتٍ ‬ليست ‬بالقصيرة ‬في ‬المستقبل، ‬وأي ‬تراخٍ ‬في ‬المواجهة ‬سيمنح ‬فرصاً ‬كبرى ‬لهذه ‬الجماعات ‬والتنظيمات ‬لإعادة ‬الكّرّة ‬مرةً ‬بعد ‬مرةٍ.

عبد الله بن بجاد العتيبي

كاتب سعودي