الإرهاب الانتقائي

ربما يحمل العنوان التباسا أو خلطا لدى البعض، لكنه يعبر بدقة عما يريده هذا المقال، فهناك دول يحلو لها تعريف الإرهاب بالطريقة التي تخدم مصالحها وتكافحه عندما يحقق أغراضها فقط، وأصبحت أحيانا ضالعة في دعم عناصره، بالتأييد والايواء والتحريض، وغض الطرف عن تصرفاتهم في حق مواطني دول أخرى.

بلا مبالغة أو مجاملة، مصر الدولة الوحيدة التي لها تعريف وفهم ورؤية محددة للإرهاب وتصنيف واحد لعناصره، وقدمت مبكرا روشتة للتعامل معه برؤية شاملة، وتكافح روافده في الداخل بكل السبل، وتتعقب حركتهم في الخارج، وهي الوحيدة أيضا التي لم تلجأ لأي ازدواجية أو يظهر عليها تناقض في مكافحتها لهؤلاء.

الخطاب الرسمي لم يتغير منذ تصاعد حدة الإرهاب وانتشار كوادره في المنطقة، وتخوض حربها بشرف وعزيمة وحسم، ولم تضبط يوما أن تدخلت في شئون دولة أخرى، ولم تلجأ لأساليب قذرة مع أي من خصومها، مع أنهم لم يتورعوا عن ايذاء سكانها ومؤسساتها.

هذه السياسة تؤكد الثقة والقوة والصرامة في آن، وقد استطاعت امتصاص تداعيات الكثير من العمليات الاجرامية الموجهة من الخارج، وفوتت فرصا عديدة على من حاولوا الاحتكاك بها عبر أذرعهم المختلفة، وأجبرت رؤيتها الصائبة البعض على تغيير سياساتهم وتوجهاتهم، لكنهم لم يغيروا ممارساتهم، نعم قد تكون اختلفت الأساليب، لكن تظل الأهداف واحدة.

الامعان في المرامي التي تقف خلف العمليات الإرهابية المتنوعة في المنطقة والتي ترتكب باسم الدين، يلخص الكثير مما تريده الدول التي تدعمها بطرق متباينة، فهناك قوى عديدة، مثل تركيا وقطر والولايات المتحدة، تتصرف بازدواجية لافتة، فهي تزعم محاربة الإرهاب وتلتف عليه في الوقت نفسه، تحتضن عناصره وتقدم لهم الدعم المادي والغطاء السياسين، وعندما يلحق بها الأذى من عناصر إرهابية شاردة تصرخ وتستنهض قواها ولا تتورع عن الملاحقة الفردية لمن ترى فيهم خطرا عليها.

الطائرات بدون طيار الأميركية، تنتقي أهدافها بعناية في سوريا والعراق وليبيا واليمن والصومال، وتترك جماعات تمرح في هذه الدول، لأنها تحقق لها مكاسب مختلفة، ولو لم يظهر تنظيم داعش الإرهابي في سوريا كانت اختلقته.

تركيا تخوض حربا وعرة في شمال سوريا، بذريعة مكافحة إرهاب الأكراد ومنعهم بالقوة المفرطة من تكوين دولة أو الحصول على حكم ذاتي، كانت أراضيها، وما زالت، معبرا لمرور الآلاف من العناصر الإرهابية، من وإلى سوريا، وضج منها بعض حلفائها في أوروبا الذين وقفوا صامتين أو مؤيدين في أوقات سابقة.

هي تركيا التي تحدث رئيسها رجب طيب أردوغان، قبل نحو ثلاثة أشهر، عن هروب عناصر داعشية من سوريا والعراق إلى سيناء، وهي أيضا التي كانت تعتزم ارسال سفينة محملة بالأسلحة والمعدات والذخيرة إلى ميناء مصراته في ليبيا لمد الإرهابيين بمزيد من المساعدات التي تبقيهم أحياء ومؤثرين في الخريطة السياسية الليبية، وهو ما كشفته السلطات اليونانية التي فضحت واحدة من الجرائم الكبيرة، ومع ذلك لم يتحرك المجتمع الدولي حيال ما تقوم به أنقرة.

النتيجة الوحيدة التي يمكن التوصل إليها، تؤكد أن ما تقوم به تركيا من تصرفات، في سوريا أو ليبيا أو ما تريد القيام به في عرض البحر المتوسط، يحظى بتأييد، إن لم يكن مدعوما من قوى دولية تريد أن تحصر أنقرة في دور شرطي المنطقة، وهو ما يتلاقى مع جملة من أهداف أنقرة الجديد ومن رسموا لها هذا الدور.

التدخل التركي السافر في سوريا مسألة معقدة، ما كان يحدث أبدا لو أن الولايات المتحدة معترضة عليه، على أمل أن يفضي إلى ابعاد أنقرة عن موسكو، والأخيرة صمتت أو قبلت رغبة في جني مكاسب من بينها جر أنقرة إليها تماما وابعادها عن واشنطن، والحفاظ على مصالحها المتنامية معها.

اللعبة معقدة ومن الصعب وضع كل النقاط أعلى حروفها أو أسفلها، لكن التطورات التي حدثت في بنية النظام الدولي خلال السنوات الماضية، تؤدي إلى نتيجة مهمة يمكن أن تفسر ما يعتقده البعض أنه يمثل تناقضا في سياسات الدول الكبرى، وهي أن بعض القوى تؤيد دولة في موقف وتقف ضدها في موقف آخر وهكذا، وحالة الإرهاب الانتقائي شاهدة على ذلك.

لم تعد هناك مواقف ثابتة واحدة، ولا توجد ممارسات حاسمة نهائيا يمكن من خلالها القول أن الدولة س حليفة للدولة ص وعدو للدولة ع، فقد تكون كل هؤلاء معا، وإذا مددنا الخيط على استقامته وأمعنا النظر في تصرفات كثير من القوى سنجدها تمارس اللعبة ذاتها تقريبا، بحجة الدفاع عن المصالح.

المشكلة أن الهواية تحولت إلى احتراف ثم ادمان، فمن الطبيعي أن نتفهم التغير الحاصل في تقديرات بعض الدول، لأن معرفة من مع من، ومن ضد من، عملية شائكة ومتداخلة، ومن يقف معك اليوم قد يكون عليك غدا، بسبب السيولة الزائدة التي تخيم على قضايا كثيرة في المنطقة والعالم، لكن أن تصل الأمور إلى درجة تكريس الانتقائية في ملف الإرهاب، تلك طامة كبرى.

العالم لم ير إرهابا ينتصر، مهما بلغ حجم آلته العسكرية، وتضخمت قدراته البشرية، وتوافر له من الدعم ما يؤدي إلى تقدم نسبي، فلا بد من خاتمة مأساوية، والتجارب تؤكد صعوبة أن ينتصر تنظيم على دولة.

انظر أين ذهب تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام؟ وأين انتهى مصير الإرهابيين في سيناء؟ وكيف ينظر العالم لدولة مثل تركيا أو قطر؟ وما هو حجم التحولات في النظرة الكلية إلى جماعة الإخوان وذيولها؟ وهل العالم لا زال مقتنعا أنها تمثل التيار المعتدل وهي تنشئ وتدير كتائب مسلحة؟

كلها أسئلة تفضي إلى إجابة واحدة، هي أن التطرف والإرهاب، وجهان لعملة واحدة، ومن يدعمون أصحاب الميول المتشددة، مهما كانت نواياهم، سوف يقطفون ثمارا مرة جراء أفعالهم.

كما أن التعامل الانتقائي وتوزيع الصكوك التي تتبناها أنقرة، هذا إرهابي وذاك معارض سياسي، طريقة لم تعد تنطلي على كثيرين، والعالم بات يعلم جيدا من هم الإرهابيون الحقيقيون، هم من ساهموا في صناعة عناصر متطرفة وتوظيفها في مآرب سياسية.