إسرائيل - سوريا: لا.. القواعد لم تتغير

لم يُعتبر يوماً أن قيام إسرائيل بعشرات من الغارات على أهداف داخل سوريا خلال السنوات الأخيرة يمثل حدثا استثنائياً لافتاً. أُدرج الأمر دائما بصفته طقساً روتينياً قلما تمّ التوقف عنده لدى كافة فرقاء الصراع في سوريا، نظاما ومعارضة، كما جهاديي السنة والشيعة. وحين "ترتكب" دفاعات النظام السوري ما هو من البديهيات الأخلاقية، يصبح الأمر حدثاً مزلزلاً "يغير قواعد اللعب" في المنطقة برمتها.

لا يُعتبر حدث إسقاط المقاتلة الإسرائيلية في يوم العاشر من الشهر الجاري حدثاً مفصلياً جسوراً إذا ما قورن بحرب الـ 33 يوماً التي شهدها لبنان في صيف عام 2006. أمطر حزب الله إسرائيل بمئات من الصواريخ، بما مثّل سابقة لم تعرفها إسرائيل في حروبها السابقة. ومع ذلك تحوّل ما يفترض أن يكون "إنتصارا" إلى ما كاد يقود إلى حرب أهلية في لبنان، فيما تحوّل ما يفترض أنه "هزيمة" لإسرائيل إلى تأكيد هيمنتها العسكرية على الحدود، بحيث انتشرت القوات الدولية كما الجيش اللبناني داخل الشق اللبناني من الحدود مع إسرائيل بما أسكت مذاك تلك الجبهة ضد إسرائيل.

قد تكون تغيرت قواعد اللعبة. لكنها تغيرت أيضا منذ الإغارة الجماعية لطائرات الدرون على قواعد روسيا في شمال غرب سوريا كما حين أسقطت دفاعات مجهولة مقاتلة روسية فوق إدلب كما حين أسقطت دفاعات أرضية مروحية تركية وباتت تهدد سلاح الجو التركي فوق عفرين. وإذا ما أردنا الانخراط جدياً في عملية تقييم لما تغير في قواعد الاشتباك بين إسرائيل وجبهتها الشمالية، فإنه لا بد من الاستناد على تراكم لا يكتفي بحدث واحد تمّ على منوال مختلف عما هو مألوف في قصف مئات الأهداف الثابتة والمتحركة داخل سوريا دون أي رد مضاد في السنوات الأخيرة.

وبغضّ النظر عن المناسبة التي تطلق العنان لمحور الممانعة للتبشير بسقوط أسطورة إسرائيل واستشراف اندثارها، فإن الحدث، كما "حرب تموز"، يمثل معادلة جديدة مفادها أنه بات على إسرائيل أن تدفع أثماناً لمغامراتها العسكرية فوق الأجواء السورية، وهو أمر منطقي في حسابات جيوش العالم، وأن قصف سوريا المجاني خلال السنوات الأخيرة هو الذي يمثل الفضيحة التي برع نظام دمشق وحلفاؤه في تبريرها.

أن يحسب سلاح الجو الإسرائيلي حساباً حين يقوم بغاراته الروتينية ضد أهداف سورية فذلك من البديهيات العسكرية. لكن أن يقوم النظام السوري بما يفترض أنه واجب الدولة في الدفاع عن البلد لا يمنح هذا النظام صك براءة مما يرتكبه ضد هذا البلد منذ سبع سنين. والحدث في حد ذاته يمثل قطيعة داخل معادلة سورية إسرائيلية نظمت العلاقة بين دمشق وتل أبيب، خصوصاً منذ اندلاع الصراع السوري. لم تتردد منابر النفوذ الإسرائيلي، لاسيما داخل الولايات المتحدة، في الدعوة إلى حماية نظام دمشق "المعروف"، من خطر قيام نظام، أولا نظام، آخر "مجهول". ولم تخجل دمشق حين أرسلت إلى تل أبيب في أبريل 2011، على لسان رامي مخلوف، ومن خلال النيويورك تايمز، رسالتها الشهيرة: "لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا"، بما فهم حينها أنه نصيحة لتل أبيب بأن بقاء نظام الأسد واستقراره مصلحة لاستقرار إسرائيل.

اختصرت دمشق أزمتها منذ اندلاع الصراع بأنه مؤامرة صهيونية أميركية، ثم تكفيرية ظلامية، ضد نظام الصمود والممانعة، ثم العلمانية والاعتدال، في سوريا. وصفت دمشق الثوار بأنهم عملاء لتل أبيب وواشنطن والغرب، وأنهم إرهابيون قذف بهم داعش بعد القاعدة وأخواتهما. لكن دمشق نفسها، ومنذ الانقلاب الذي أتى بحافظ الأسد إلى السلطة، أفرطت في تبرير شرعية قيام نظامها السياسي من النهل من خطاب مواجهة إسرائيل ورد احتلالها للأراضي السورية والعربية.

أسقط النظام السوري بزعامة الأسد الأب ثم الإبن أي عملية ديمقراطية وأي مدخل للتعددية وأي إطلاق للحريات باسم "التصدي للعدو الصهيوني". لم تعتبر دمشق يوما أن هناك معترضين، ذلك أن للعدو طوابيره داخل الوطن وأن فتح السجون والزنازين هو استراتيجية وطنية لبناء بلد قوي خال من التشويش المشبوه الذي تبثه المعارضة أيا كان شكلها وهويتها ومقاصدها. وعليه استطاع النظام السوري محاصرة السوريين بفكرة العداء لإسرائيل، بحيث باتت الخصومة مع نظام "قلب العروبة النابض" شكلاً من أشكال التماهي مع الأعداء وربما العمالة لهم.

لم تتخلص المعارضة السورية كما كل الخط الإقليمي المعارض للنفوذ الإيراني من تلك العقائد التي تشبه العِقَد في مقاربة نظم الاستبداد كما نظام الاحتلال الذي تمثله إسرائيل. بدا أن إسقاط مقاتلة سورية احتاج إلى جهد موجع للخروج بخلاصة أن تصدي جيش النظام لمقاتلات إسرائيلية لا يطهر دمشق من خطاياها ولا يمحض نظامها أي مبررات تخفف من غلوائه منذ عقود.

لا يمثل حدث العاشر من هذا الشهر إلا تفصيلا هامشيا داخل مداولات كبرى تجري بين العواصم الكبرى تُستخدم داخلها أدوات متعددة. لم تطلق منظومة S200 صواريخها إلا وفق أجندة روسية الإيقاع. أرسلت موسكو رسالتها عبر صندوق بريد سوري رداً على رسائل مجهولة يشتبه أنها أميركية أرسلت إلى حميميم وطرطوس وفوق إدلب. وصلت الرسالة إلى تل أبيب وواشنطن ويجري التعامل معها.

لا يمتلك نظام دمشق أي هامش يمكنه من تحديد استراتيجيات جديدة تتعلق بالصراع الكبير مع إسرائيل وهو الذي لا يحظى بهامش إرسال قوات رديفة له صوب شرق الفرات. والأصح أن النظام السوري يختصر عدوه في من يسيطر على الغوطة الشرقية ولا يرى في هجمات إسرائيل ضد أهداف، غالباً تعمل في خدمة العمليات الإيرانية، أي خطر حقيقي يتهدد البلد وما تبقى من نظامه. والأرجح أن من أطلق الصواريخ ضد المقاتلات الإسرائيلية كان ينفذ أوامر تخضع لأجندة موسكو وطهران ولا علاقة لأجندة دمشق بها.

لا تعتبر إسرائيل أن اسقاط مقاتلتها هو حدث سوري وهي لذلك لم تعتبر الأمر انقلابا في قواعد الاشتباك ولا في موازين القوى. فهم نتنياهو رسائل بوتين وهي رسائل عتاب بين أصدقاء ما انفكوا عما هم عليه من تنسيق وتواصل. لا تنسى تل أبيب أن ما قامت به من مئات الغارات في الداخل السوري جرى وفق تفاهمات تامة مع موسكو. ولا تنسى تل أبيب أن لروسيا نفوذاً راجحاً إلى درجة أن دمشق وطهران وحزب الله ابتلعوا خسائرهم دون أن يصدر عن أي منهم ما يُفهم منه امتعاض من الشريك الروسي الكبير.

لن يكون اسقاط المقاتلة الإسرائيلية إلا تفصيلاً لن يفضي إلى ما يتجاوزه. لن تندلع حروب كبرى بسبب رسائل عرضية ترسلها هذه العاصمة أو تلك. وقد تسقط مقاتلات أخرى ذات هويات أخرى داخل سياق الرسائل الجراحية أو الجانبية العرضية التي تواكب الورشة الكبرى الجارية لانتاج التسوية السورية المنتظرة. وفي تماس المصالح بين واشنطن وأنقرة كما بين موسكو وواشنطن كما بين الجميع وطهران ما سيفصح عن رسائل ملغومة لا يبدو أنها، في السياق الحالي على الأقل، تخرج عن قواعد المألوف في تعامل الدول في ما بينها.

قواعد اللعبة في سوريا هي منذ سبتمبر 2015 روسية، وما حدث السبت الماضي يعيد تأهيل تلك القواعد وتأكيدها. غاب رجال واشنطن الكبار في جولتهم في الشرق الأوسط عن إسرائيل، وفي ذلك من يرى أن واشنطن تعيد الاعتبار للتفاهمات مع موسكو وتحيل تل أبيب إلى موسكو عنوانا وحيدا لـ "إشكالها" في سوريا.