الصحافة أكبر الخاسرين في حرب المراسلين

عندما كان يقال في زمن الحروب الكبرى “إن الصحافة أول من يدخل الميدان وآخر من يغادره” لم يكن الحديث ينصب على فكرة المنتصر والمهزوم، بقدر ما كان يعبر عن القدرة في إيصال الحقيقة إلى الجمهور، فعند كلا الطرفين كانت الصحافة منتصرة.

لكنها لم تعد كذلك بعد أن انتهكت قوانين الحروب، فلم يعد بمقدور المراسل الحربي ممارسة دوره التاريخي المجازف، أو في حقيقة الأمر لم يعد ما يستحق المخاطرة، بعد أن صنف المتحاربون المراسل الصحافي مع وضد وليس بكونه شاهدا على ما يحدث.

سبق وأن ارتكب مارك نيكول مراسل صحيفة ميل أون صنداي البريطانية في شمال العراق أشنع ما يمكن أن يرتكبه صحافي أثناء المعركة مع تنظيم داعش، عندما وقف متباهيا بحمل بندقية عنصر من داعش بعد مقتله. كانت تلك الصورة المثيرة للجدل شاهدة على تقريره المنشور “الإرهاب على نهر دجلة” مثلما كانت شاهدة على هزيمة الفكرة المخلصة التي وجد من أجلها المراسل الحربي الشجاع، الأمر الذي دفع جيريمي بوين مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في الشرق الأوسط، إلى اعتبار أن الحماس قد يفسد أو يصيب، ومثلَ فِعل مراسل صحيفة ميل أون صنداي، أفسد لأنه نتاج بيئة سياسية فاسدة تنتج بالضرورة مشهدا إعلاميا فاسدا في العراق.

ويقول بوين إن تهديدات تنظيم داعش تجعل “حتى الصحافيين الأكثر ميلا للمغامرة والأكثر جرأة” يفكرون بجدية حول ما إذا كان العمل هناك يستحق المخاطرة.

ربما يريد بوين وهو المراسل الشجاع المتنقل بين نيران منطقتنا العربية، التقليل من دور المراسل الحربي في زمن المواطن الصحافي الأقل تعرضا للخطر عندما لا يكشف هويته، لكن هوية المراسل مازالت تصفه بالشاهد على ما يجري، تماما مثل متطوعي الصليب الأحمر، إلا إذا سقط في فخ الانحياز والتواطؤ في تشويه الحقائق.

المراسل الحربي الشجاع كان من بين ضحايا الحرب في سوريا والعراق، لقد قتل بيد العناصر المتطرفة فقط لأنه كان شجاعا وتجول في الميدان الملتبس من أجل نقل الحقيقة وحدها، بينما بعض المراسلين سقط من أعين الجمهور لأن رسالته كانت على هامش الحقيقة، وبطبيعة الحال لا أحد يريد أو يفكر بمقتله، لكن لا أحد أيضا يرغب بمشاهدة أنصاف الحقائق في حرب عبثية مستمرة.

وبصرف النظر عن الطريقة التي ننظر بها إلى الأمور، من الصعب أن يرى ديفيد غاردنر الكاتب في صحيفة فايننشيال تايمز أي فائز في هذا الكابوس الجهنمي في سوريا، في ظل كل تلك البرك العميقة من اليأس والتشرد التي تعم البلاد والعباد، وهو ما يتيح فرصا لا تقدر بثمن لكل تجار الحرب، من كل حدب وصوب، للاصطياد بغزارة فيها.

لكن مراسل “متخرفن” حسب وصف صحيفة الغارديان لجون سيمسون كبير مراسلي هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، لأنه في لجة القتل على الهويّة في العراق يقدم لنا صورة منزهة عن رجال الدين.

ففي الوقت الذي اجتاح تنظيم داعش مدينة الموصل، قدمت عدسة كبير المراسلين استعراضا للميليشيات الطائفية في بغداد، وانتقل سيمسون بعدها إلى النجف الأبعد عن الموصل مكان الحدث آنذاك ليحاور ممثل المرجعية الدينية بصفتها مصدر الحل السياسي.

ذلك ما يعني بوضوح أن أكبر الخاسرين في الحرب المستمرة هو المراسل الصحافي، ليس لأن تهديدات المتطرفين تجعل الأمر لا يستحق المجازفة وفق جيريمي بوين، بل لأن بعض المراسلين في الحروب الملتبسة لم يعودوا مجرد شهود وناقلين للحقيقة وحدها.

يعترف مراسل مخضرم في دول الشرق الأوسط مثل باتريك كوكبيرن، بأن الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقد الماضي، والمتصاعدة اليوم، أسهمت بطريقة ما في صناعة المفاهيم الخاطئة عن هوية المنتصر والمهزوم.

ويعزو كوكبيرن الذي عمل مراسلا في دول عربية لصحيفتي فايننشيال تايمز، ثم الأندبندت، منذ عام 1979، سبب صناعة “المفاهيم الخاطئة” إلى الصحف والتلفزيون والراديو، حيث لعب الصحافيون دورا مركزيا في ذلك، وهو في كل الأحوال يدرك أنه كان جزءا من هذه الصناعة.

لم تعد وسائل الإعلام الكبرى قادرة على إيفاد المراسلين إلى المناطق الملتهبة، بسبب الأزمات المالية التي تعاني منها، وعدم وجود ما يضمن سلامة هؤلاء المراسلين، الأمر الذي دفعها إلى الاعتماد على مراسلين محليين، وهم في الغالبية ووفق التقويم المفرط بالتفاؤل، يفكرون بمصيرهم وسط التهديدات المتقاطعة، أكثر من أن يكونوا شهودا على حقيقة غائبة.

عندما سئل أبيه سيييس، وهو منظر سياسي بارز للثورة الفرنسية، عما فعله خلال فترة الإرهاب 1794/1793، أجاب “بقيتُ على قيد الحياة”. وعندما يعيد مثل هذه الإجابة اليوم أي مراسل صحافي خارج من ميدان المعركة فإن الجمهور سيكون سعيدا بذلك لنجاته، لكنه لن يقبل بإجابة ناقصة عما جرى في الميدان لأنه سيسأله لاحقا ماذا بشأن الحقيقة أيها المراسل؟

ولأن القول المتفائل بشأن الصحافة على أنها أول من يدخل ميدان المعركة وآخر من يغادره، لم يعد قائما، فإن المراسلين لم يكشفوا حقيقة الانتهاكات التي ارتكبت في معركة الموصل لتخليصها من تنظيم داعش، خاف المراسلون فشهدت الموصل معركة قذرة ارتكبت فيها الفظائع وبغياب شهود الحقيقة أو تخاذلهم عن قولها.