كيف تعاملت دول المغرب العربي مع الملف الليبي

انخراط محدود في الأزمة الليبية

يقول دبلوماسيون عرب وأجانب إن غالبية دول المنطقة، باستثناء المملكة المغربية، لم تتعاط مع الملف الليبي كما يجب على الرغم من التصريحات السياسية التي لا تستبطن سوى المخاوف من تداعيات هشاشة اوضاع الجارة عليها خاصة على المستوى الأمني.

ويرجع الدبلوماسيون تدني دعم الملف الليبي سياسيا وأمنيا إلى عاملين إثنين أولهما أن غالبة الأنظمة الحاكمة في بلدان المغرب العربي هي في حد ذاتها أنظمة هشة لا تتمتع بالشرعية الشعبية الكافية وتعتمد على أجهزة الدولة لفرض الاستقرار.

أما العامل الثاني فهو يتمثل في تعقيدات الملف الليبي حيث تتوجس الأنظمة من الاقتراب منه بشكل مباشرة إما لحسابات سياسية أو احتراما لإرادة الليبيين في تسوية ملفهم.

ولا يجاهر المسؤولون الليبيون بغياب الدعم الكافي لغالبية بلدان المنطقة غير أن تصريحات فائز السراج الأخيرة التي ضمنها أسفه لجمد اتحاد المغرب العربي رأى فيها مراقبون رسالة مفادها أن الملف الليبي لم يحظ بالاهتمام اللازم.

ويرى دبلوماسيون أن "غالبية أنظمة الحكم في بدان المغرب العربي، باستثناء المملكة المغربية، هي أنظمة مهزوزة وضعيفة غارقة في تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والسياسي والأمني".

يقول عبد الواحد نور الدين الأخصائي في علم الاستراتيجيات "إذا ما استثنيا المملكة المغربية، لا يمكن الحديث عن السياسات التي انتهجتها بلدان المنطقة تجاه الملف الليبي بمعزل "عن دول نخرها الوهن وباتت تراهن على أجهزة الدولة لتنفيس الاحتقان".

ويضيف الرياحي لميدل ايست أونلاين يقول "طيلة السنوات السبع الماضية بدت غالبية بلدان المنطقة وكأنها تقف على رمال انتفاضات ما دفعها إلى تركيز جهودها على الشأن الداخلي على حساب الملف الليبي رغم أنه يعنيها مباشرة.

غير أن ذلك لا يمنع، وفق الدبلوماسيين العرب والأجانب، من التأكيد على أن الملف الليبي شكل خلال السنوات السبع الماضية أحد أهم الملفات التي تتصدر اهتمامات دول المغرب العربي ولكن من زوايا مختلفة لا تخل من الحسابات السياسية.

تظهر القراءة الموضوعية أن دول منطقة المغرب العربي لم تنتهج سياسات استراتيجية واضحة بشأن الملف الليبي حيث تشترك جميعها في النظر إلى ليبيا على أنها خزان للجماعات الإرهابية ويجب التعامل معها على هذا الأساس.

انتهجت تونس في علاقتها بالملف الليبي مسارين إثنين أولهما سياسي وثانيهما أمني لا يخلوان من التوجس من ملف شائك يستوجب الكثير من الحذر الدبلوماسي والأمني.

تمثل المسار السياسي الرسمي في دعم عملية التسوية السياسية السلمية والإقرار بأن الشأن الليبي هو شأن كل الليبيين دون سواهم وبدت تونس حازمة في رفض التدخل العسكري الأجنبي باعتباره يمس من سيادة ليبيا ومن سيادة المنطقة بأسرها.

ووفق دبلوماسي عربي"تعاملت تونس مع الملف الليبي بشيء من التعقل خاصة وأنها على يقين بأن أي تداعيات سلبية أو إيجابية ستلقي بضلالها على شأنها الداخلي نتيجة القرب وأيضا نتيجة نسيج العلاقات الاجتماعية بين البلدين".

غير أن هذا الموقف السياسي السليم بقدر ما يستبطن انتصارا للسيادة الليبية وحق الليبيين في نحت مستقبلهم بكفاءاتهم بقدر ما يستبطن في نفس الوقت انتصاراللاستقرار السياسي والأمني في تونس باعتبار أن استقرار تونس من استقرار ليبيا.

وطيلة السنوات السبع الماضية لازمت تونس موقفا سياسيا عاما وعيا منها بتعقيدات الملف الليبي خاصة بشأن الإخوان وحاولت أن تقف على المستوى الرسمي على نفس المسافة من جميع الفرقاء الليبيين، دون أن يمنع ذلك من اندلاع أزمات مع حكومة طرابلس التي كانت تحت سيطرة "فجرليبيا".

لكن الدعم السياسي على أهميته وعلى حساباته لم يترافق مع دعم أمني ولوجستي إما لمحدودية إمكانيات تونس التي تصارع هي نفسها هجمات الإرهابيين أو نتيجة موقف مفاده أنه من الصعب توفير هكذا دعم في ظل غياب دولة تمثل كل الليبيين.

ومن المفارقات أن الدعم السياسي تحول على المستوى الأمني إلى نوع من الوقاية والمواجهة على الأرض، حيث ركزت تونس منظومة أمنية وقائية تتمثل في عازل ترابي على الشريط الحدودي وتجهيزات عسكرية وأمنية وطائرات دون طيار وكاميرا مراقبة لكشف تحركات الخلايا الإرهابية.

وأثارت تلك المنظومة غضب الليبيين حيث رؤوا فيها مؤشرا على أن تونس لا ترى في دعم العملية السياسية الوفاقية إلا من خلال حماية ترابها والحال أنه كان يفترض ان تحمي التراب الليبي من تسلل الإرهابيين التونسيين.

ورغم كل المؤاخذات بدا الموقف التونسي خلال السنوات السبع الماضية الأكثر وضوحا والأكثر انتصارا لشرعية الليبيين في إدارة أزمتهم بعيدا عن أي تدخل عربي أو أجنبي قد ينال من سيادة ليبيا واستقلالية قرارها الوطني.

وتظهر المقارنة أن الموقف الجزائري بشأن الملف الليبي كان موقفا ملتبسا لا يخلو من الغموض حيث تبدو المعلومات والمواقف الصريحة شحيحة.

اكتفت الجزائر بدعم سياسي حذر فاضل الصمت على المجاهرة سواء على مستوى وسائل الإعلام المحلية أو على مستوى توضيح الموقف إقليميا ودوليا.

ووفق دبلوماسي أجنبي"فضلت الجزائر التعامل مع الملف الليبي عن بعد وبنوع من التكتم على أن تقود جهودا سياسية أو دعما عسكريا لدفع عملية التسوية السياسية الوفاقية نتيجة هشاشة أوضاعها الأمنية ولكن أيضا نتيجة رؤية لا تخل من الإجحاف في حق الليبيين ترى في ليبيا خزانا للإرهابيين ومفرخة لهم".

ورغم قدراتها المالية ومعداتها الأمنية والعسكرية فقد استنكفت الجزائر من دعم مسار التسوية الوفاقية الوطنية التي تستوجب دعما ماديا ولوجستيا يساعد الليبيين على تركيز دولة قوية ومهابة قادرة على فرض سيادتها على كامل التراب الليبي.

يبدو أن استنكاف الجزائر تقف وراءه خلفية تتمثل في عدم الزج بنفسها في تعقيدات الملف ولكن الحقائق تؤكد أن أي دعم هو في نهاية الأمر هو واجب باعتبار ان الفوضى الأمنية ساهم فيها المئات من الإرهابيين الجزائريين غالبيتهم من القيادات الشرسة.

ويرى الدبلوماسيون العرب والأجانب أن تعاطي المملكة المغربية مع الملف الليبي يتميز بخصوصية سياسية هي من هوية المؤسسة الملكية نفسها التي يراهن على المسار السياسي وتسوية الملف بناء على مفهوم الشرعية لا بناء على موازين القوى.

خلال السنوات السبع الماضية لم يتردد المغرب في مساندة الشعب الليبي سياسيا منتهجا سياسة واضحة التي تراقب الأحداث واتجاهاتها لتصوغ بناء عليها الموقف الرسمي.

ولما توضحت الأوضاع في ليبيا بتشكيل نواة الوفاق الوطني لم تتردد المغرب في احتضان أشغال الاجتماعات ومن أبرزها "اتفاق الصخيرات" الذي مهد لمسار التسوية السياسية ومهد من وراءه لبناء دولة ليبية تحظى بالشرعية السياسية والشعبية.

وبرأي الدبلوماسيين نقل الإخوة الليبيون اجتماعاتهم من تونس إلى المغرب بعد أن استشعروا نوعا من الضغوط كان يحاول ممارستها راشد الغنوشي عليهم من أجل دعم الإخوان على حساب القوى الوطنية الأخرى رغم أن الليبيين لم يجاهروا بذلك.

اليوم وبعد سنوات سبع سنوات صعاب باتت دول المغرب العربي تراجع نفسها خاصة بشأن ملف الإرهاب حيث تراجع اتهام ليبيا بانها خزان للإرهابيين وهم يتابعون الجهود التي تبذلها البلاد في ملاحقة الارهابيين بمختلف جنسياتهم.

ووعيا منها بان استقرار وأمن بلدانهم هو من استقرار وأمن ليبيا تجاهر دول المغرب العربي بانها تراهن على مسار التسوية السياسية وعلى توصل الليبيين إلى بناء دولة وطنية حرة مستقلة ذات سيادة تحظى بالشرعية السياسية والشعبية.

ويقول عبد الواحد نور الدين لميدل ايست أونلاين "على دول بلدان المغرب العربي أن تتحمل مسؤولية تاريخية لا مفر منها في دعم جهود الليبيين لتركيز مؤسسات دولة مدنية وأجهزة قوية تقود مشروعا سياسيا وتنمويا يساعد على استقرار المنطقة".

وطالب دبلوماسي أجنبي دول المنطقة بـ"وضع تجارب دولهم وخبراتها على ذمة حكومة الوفاق" لافتا إلى أنه "على دول البلدان الثلاث، تونس والجزائر والمغرب، أن تكون على وعي بأن استقرار وأمن وبلدانهم من استقرار وأمن دولة ليبية قوية ذات سيادة".