مغردون من دون أجر

يطالب الكاتب جون ثورنهيل بظهور نقابات البيانات للدفاع عن حقوقنا الجماعية، لأننا في حقيقة الأمر نعمل من دون أجور ونحن نمارس ما كان يطلق عليه هواية!

لم تعد الهوايات تكمن في البستنة والطبخ وجمع الطوابع والطيور، الهواية هي النقر على الأجهزة الذكية المستقرة على راحة أيادينا.

علينا البحث عن أرسطو معاصر من أجل أن يعيد فلسفة ما نقوم به من عمل من قبيل وقت فراغ، والكثير من وقت الفراغ الذي نتمتع به على أنه عمل.

هكذا يرى الفيلسوف التشيكي توماس سيدلاسك مدافعا عن فكرة افترضها بأن أفلاطون لو كان معنا لنظر بشك إلى الآخرين الذين يستمتعون بالصيد والبستنة، بكونهما مهنا شاقة.

إلا أن ثورنهيل الكاتب في صحيفة فايننشيال تايمز يعتبر مثل هذا التنظير بمنزلة استفزاز فكري، لتسليط الضوء كيف أن طريقة تعريفنا للعمل ووقت الفراغ، تعتمد على السياق الثقافي وليس قوانين المجتمع الثابتة.

علينا أن نتفق مع سيدلاسك وثورنهيل بأن العصر الرقمي قلب المفاهيم رأسا على عقب، فلم يكن متاحا كما هو الآن أن يعمل الإنسان وهو يمشي في الطريق أو جالس في مقهى على قارعة الطريق يتأمل الناس.

ثمة عمل يقوم به الإنسان اليوم، لكنه بلا أجر! قد يعتقد مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي بأنهم يمارسون التسلية أو التعبير عن أنفسهم على مناصتهم الخاصة، لكنهم في حقيقة الأمر يعملون عند فيسبوك وتويتر من دون أجر.

تلك المفاهيم التي انقلبت وجعلت ممن يمارس النقر طوال اليوم على سطوح الهواتف الذكية، سواء كان في الحافلة أو على سرير النوم، يعمل ولا ينتظر أجرا!

عبقرية الشركات التكنولوجية الكبرى نجحت بتشغيلنا من دون مقابل ونحن على قناعة تامة بأننا نمارس هواية تعبر عن أنفسنا ورغباتنا، ولأن هذه الشركات تشغلنا من دون مقابل، سمحت لنا أيضا بالتعبير عن غضبنا وكراهيتنا والنيل من الآخر والحط من كرامته! في النهاية هي تجمع كم هائل من البيانات توسع سيرفرات غوغل الموزعة في أنحاء العالم، حيث تم إغراؤنا جميعا بـ”الخوادم الفاتنة”، كما يسميها جارون لانيير، الباحث في شركة مايكروسوفت وبالطبع تحصد الشركات المزيد من الأموال لا ينزل منها فلس واحد في جيوبنا مكافأة على عرق أفكارنا!

لا يبدو أن ملياري مستخدم على فيسبوك وحده، أو عشرين مليون متابع لحساب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دراية بدورهم كعاملين رقميين، لهذا طالب الكاتب البارع جون ثورنهيل بوجود نقابات البيانات للدفاع عن حقوقنا الجماعية. ويقول “قد نعرف أن حركة البيانات كعمل، جادة بالفعل، عندما نبدأ بالاحتجاج رقميا على مجموعات وسائل الإعلام الاجتماعية، تحت شعار: لا منشورات دون أجر!”.