مصر وخطورة تفكيك 'الكتلة الجامعة'

هناك عدة مشاهد منفلتة ومقلقة للغاية بالمجتمع المصري في كل نطاقاته الرسمية وغير الرسمية، على المستوى المؤسسي والمستوى الشعبي على السواء، لم تكن هذه المشاهد غائبة من قبل. لكن في مقابل وجودها كان يوجد مشهد آخر، و"كتلة جامعة" أخرى تعمل على ضبطها وردعها ودفعها للوراء لتحافظ على تماسك المجتمع واتزانه مؤسسيا وشعبيا، بحيث يكون هناك نوع من المعادلة المتوازنة الطبيعية باستمرار في المجتمع المصري (مثله مثل أي مجتمع يحتوي بشكل فطري على دعاة الدافع الفردي والمصلحة الشخصية، ودعاة الدافع الجماعي والمصلحة الكلية).

تشوه الفرز الطبيعي للمجتمع

إنما اختلت هذه المعادلة بشدة بعد 25 يناير لأنه بطبيعة الحال تحول ذلك المشهد الآخر الضابط (وكتلته) في المجتمع المصري، للترحيب بفكرة التغيير القيمي والمزيد من العدل والحرية والضبط الأخلاقي للمجتمع المصري، مما جعل هذه الكتلة "الضابطة" التي تحافظ على قيم المجتمع ولحمته، وتتصدى لذلك في كل مكان.. تتعرض للتهميش والتفكيك رغم انها كتلة غير حزبية أو منظمة إنما أساسها هو الفرز الفطري والاختيار الطبيعي لمنظومة القيم تلك.

كتلة صغيرة تضبط كتلة أكبر

إنما هي تعبر عن الفرز الطبيعي الفطري داخل أي مجتمع؛ الذي يتكون بطبيعته من كتلتين: كتلة صغيرة جامعة للنسيج المجتمعي ومحافظة عليه أو ضابطة لمنظومة القيم ومدافعة عليها؛ في مقابل وجود كتلة أو كتل أخرى (أكبر حجما) تتبني الفردية ومبدأ الصراع لحد قد يصل للاحتراب، وهو ما سمعته مؤخرا من أحد المواطنين المشتغلين على ضفاف مؤسسة رسمية ما، واصفا ما يحدث من صراع منفلت على المصالح المادية داخل بر مصر بأنه "حرب أهلية". تذكرت ساعتها قصيدة كتبتها في تسعينيات القرن الماضي عن حرب أهلية باردة في المجتمع، لكن يبدو مؤخرا أن تلك الحرب الباردة تعرضت لعملية الإحماء والتسخين.

مفهوم "الكتلة الجامعة"

في الحقيقة كان هذا المقال يراودني منذ فترة؛ لكنني لم أستطع الوصول لصيغة مقنعة ليّ للتعبير عن وصف ناجز لتلك "الكتلة"، حتى وصلت إلى مفهوم "الكتلة الجامعة" باعتبارها تحافظ على قيم الجماعة والضبط العام لسلوك الكتل التي تسعى للمصلحة الفردية المادية البحتة، ودارت في ذهني قبلا عدة مسميات مثل "الكتلة اللاصقة"، "الكتلة الماسكة"، "الكتلة الرابطة"، ولم أقتنع بأي منهم حتى جاءني مصطلح "الكتلة الجامعة".

خلاصة الفكرة هنا ان كل مجتمع يتكون من معادلة طبيعية تشمل خليطا من القيم يمثله مزيجا من البشر، ولكن لا بد من وجود كتلة ما تتصف ببعض السمات القيمية والأخلاقية تحقق نوعا ما من التوازن والترابط داخل المجتمع ومزيجه البشري، مهما أطلق البعض العنان فيه للفردية والذاتية ودعاة المصلحة الشخصية المادية ومن بعدها الطوفان وخراب العالم.

هذه الكتلة التي ترتبط وتهتم بالشكل العام لحالة المجتمع؛ تكون من أهم سماتها قدرتها على تحقيق التماسك والضبط المستمر للصراع الفردي، وإلا تحول المجتمع لما يشبه الشيع والطوائف المتحاربة بلا هوادة أو مبدأ سوى المصلحة التي لا بد سيتنازع حولها الجميع، من هنا تأتي أهمية تلك "الكتلة الجامعة" التي تعمل على وجود نوع من الأخلاق والقيم سواء بحد أقصى أو أدنى داخل المجتمع.

علاقة "الكتلة الجامعة" بالسلطة الشعبية

يجب التفرقة بين دور ووجود هذه الكتلة داخل المؤسسات، ودورها ووجودها داخل النطاق الشعبي الواسع، حيث في كلا الحالتين تواجه هذه الكتلة السلطة الموجودة في كل نطاق منهما بطريقة مختلفة. فعلى المستوى الشعبي توجد سلطة أيضا، حيث سائق عربة الأجرة هو مصدر للسلطة الشعبية في موقف العربات الذي قد يرفع الأجرة أو يقسم الطريق لمحطات ويفرض أجرة مضاعفة فهو سلطة في نطاقه. وبائع الخضروات أو الأسماك هو سلطة في السوق الخالي من الضبط يتحكم في الأسعار وفق هواه. والمحامي الذي يمسك معرفته ويُجهل الناس هو سلطة في نطاقه أيضا. والجار الذي يستقوي على جاره بغير حق يتحول لسلطة في نطاقه. ورب الأسرة حين يقدم منظومة قيم مختلة لأفراد أسرته الصغيرة دون ضبط العائلة أو المجتمع المحيط يتحول لسلطة صنع القيم كذلك. وهكذا دواليك.

يتضح هنا مفهوم السلطة على المستوى الشعبي، وتتجسد الأزمة بوضوح في انحسار دور وصوت تلك "الكتلة الجامعة" على الضبط والوجود في مستويات النطاق الشعبي، وتراجع صوتها أمام فتح الطريق للبلطجة وغياب المنطق وتغييب روح الأخلاق، وليس فقط دور المؤسسات السلبي بالغياب.

علاقة "الكتلة الجامعة" بالسلطة الرسمية

وفي النطاق الرسمي والمؤسسي المصري تكون السلطة هي مصدر توزيع أنماط العمل وعوائده، في ظل مرتبات متدنية تعتمد على أجور متغيرة، وتكون أزمة "الكتلة الجامعة" هنا في موضوعيتها ومهنيتها ومطالبتها بأن تعتمد الأعمال وتوزيعها على معيار الكفاءة والمهارة الفعلية لا على معيار الولاء والمداهنة، وهو المعيار الذي أصبح له الصوت الحاكم مع دخول البلاد لمرحلة الاستقطاب السياسي الشديد. وهو ما جعل "الكتلة الجامعة" داخل نطاق المؤسسات تتعرض للتآكل والتهميش الشديد في مصر. فحالة الاستقطاب المتطرف التي تسود البلاد الآن جعلت معظم المؤسسات تفرز وفق عامل الولاء وليس وفق عامل الكفاءة والمهارة؛ فجذبت أصحاب الصوت العالي ودعاة الفرقة والمزايدة، والذين للأسف لا يتصفون عادة بوجود مواهب طبيعية أو ملكات فردية مهارية مهنية، بالإضافة أيضا لاستعدادهم الطبيعي للتوحد مع قيم الفردية والانتهازية والصعود الشخصي على حساب مصالح الجماعة الغائبة بشدة.

ضرورة الفصل بين السياسي والمهني للصالح العام للبلاد

ويكون الشاهد هنا داخل المؤسسات، أنه على مستوى ما من المستويات وبقدر متزن يجب الضبط والفصل بين ما هو سياسي استقطابي، وما هو مهني وموضوعي وحرفي. فحاليا تتعرض البلاد لحالة من الاستقطاب الشديد تدفع بكل من لم يختر جانبا ويزايد من أجله لخلفية المشهد، وللتهميش الشديد في مقابل صعود أصحاب الصوت العالي والمزايدة وفق تغير الحالة المزاجية للاستقطاب السائد (التلون وفق كل مرحلة)، حيث من أهم سمات تلك "الكتلة الجامعة" هى الموضوعية وعدم الاندفاع وراء الاستقطابات المرحلية؛ واتسامها بالمهنية والاحترافية.

وللأسف تتعرض هذه "الكتلة الجامعة" الأن للحصار والتفكيك في النطاق الشعبي أيضا، حيث تعتريها حالة من الإحباط والشعور بفقدان الأمل واللاجدوى في ظل غياب المنطق وشيوع فكرة البلطجة وتغييب القانون (كعامل مساعد للحراك الشعبي)، مما يجعلها تنسحب شيئا فشيئا من دورها الفطري بفعل فاعل، لا يدرك خطورة مثل هذه التشوهات الاجتماعية وحتمية ارتدادها في وجه المجتمع إن لم تُصحح.

هذا قد يجعل المجتمع المصري أن يصل لحافة الخطر في مستويات الأمن والسلامة المجتمعية الطبيعية شعبيا ورسميا، ويجعل علماء الاجتماع والمهتمين بدراسة الظاهرة الإنسانية ككل في الحالة المصرية يدقون ناقوس الخطر.

العلاقة بين المؤسسي والشعبي

"الكتلة الجامعة" على المستوي الشعبي تتأثر بحضور دور المؤسسة واختيارتها القيمية في الشارع والمجتمع. فالمؤسسة عامل مساعد للكتلة الجامعة في النطاق الشعبي، وتساهم في تحول قيم "الكتلة الجامعة" لـ "نمط سائد"، أو تحوله لنمط هامشي يشعر بالعجز والإحباط والحسرة والتراجع إلى حد التفكك، وهذه الحالة تبدو أقرب للأزمة المصرية الراهنة في المجتمع الآن. حيث إن الحق (أو القيم) لا بد أن تدعمه قوة ما (السلطة أو المؤسسة)، وإلا تحول إلى حالة دعوية تبشيرية آملة يشبه الوجود التاريخي لـ "النخبة القيمية" ودورها في المجتمع المصري عبر التاريخ كما وصفته في كتابي "المصريون بين التكيف والثورة".

"الكتلة الجامعة" و"النخبة القيمية"

إن علم اجتماع الأزمات أو فترات التحول التاريخية هو المجال الذي يجب أن ينشط فيه العلماء والباحثون المصريون، ولقد أشرت للعديد من هذه العلاقات وتحولها في الفترات البينية التي يمر بها المجتمع المصري في كتابي المذكور. وتبدو العلاقة بين مفهوم "الكتلة الجامعة" الذي أطرحه اليوم، وبين مفهوم "النخبة القيمية" الذي قدمته في الكتاب، من حيث الدور والأهمية ومن حيث اعتمادهما على معيار "الدمج والتسكين" الاجتماعي، أو فكرة التهميش و"الاستبعاد والحرمان" منه.

الحد الأدنى في المراحل الانتقالية

وكل الأمنيات في مثل هذه المراحل الحرجة أن يكون البعض من الموضوعية للوعي بأهمية الحفاظ على نسبة ما من الاتزان في المجتمع المصري، عن طريق "الكتلة الجامعة" مؤسسيا وشعبيا، والسعي للحفاظ على سمة المؤسساتية والمهنية والموضوعية بما يكفل فعالية من الأداء أو الحد الأدنى منه داخليا وخارجيا، شعبيا ورسميا، وضرورة التوقف عن الفرز المشوه وفق الولاء الاستقطابي لمراحل الأزمة (والمراحل الانتقالية عموما) كالتي يمر بها المجتمع المصري والبلاد العربية.

وفي الختام كلمة لرجال "الكتلة الجامعة" (ذلك الفرز الطبيعي الذي وضعه الخالق سبحانه الخبير) بمصر والعالم العربي في هذه المراحل الانتقالية الصعبة.. يحضر القول: بالمزيد من الصمود؛ فالبلاد في أشد الحاجة إليكم ولا يأخذنكم الظن بغير ذلك، وإنه على قدر أهل العزم تأتي العزائم.