الدول ليست من حراس الحقيقة

عندما اتهم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الصحافة بأنها تغذي القصص الإخبارية الحساسة من أجل الحصول على المزيد منها. وعندما لا يكف الرئيس الحالي دونالد ترامب عن وصم الصحافة بالكاذبة والملفقة، فهذا لا يعني أن الحكومة الأميركية مثلها مثل كل حكومات العالم محب وضامن للحقيقة. أو وفق تعبير آلن روسبريدغر رئيس تحرير صحيفة الغارديان السابق بأن “الرئيس لم يعمل أبدا في غرفة الأخبار كي يعرف ذلك. وعندما يطوق الصحافة، أو يتهمها بتغذية تداعيات القصص الإخبارية الحساسة ويطالبنا بتقنينها، فإنه بالتأكيد يسيء فهم طبيعة الأخبار وهدفها”.

سبق وأن رفض جاك غولدسميث وتيم وو مؤلفا كتاب “من يحكم الإنترنت؟ أوهام عالم بلا حدود” التعاطف مع الرومانسية المجردة في النظر إلى السلطة والعولمة تجاه الفضاء الإلكتروني. ولم يكتفيا بعرض الجانب اللطيف للحكومة، عندما يقولان إن الحكومة ليست ضامنا محبا وعطوفا كبيرا يعمل للصالح العام، وتقوم بالأمر الصحيح دائما، بل تعمل من أجل أن تتمكن من فرض سيطرتها على الإنترنت، وإن أي حكومة تمارس القمع يمكنها السيطرة على الإنترنت، بالطبع الأمور تكون أفضل في ظل نظام ديمقراطي يتمتع بحرية الصحافة والتعبير وقضاء مستقل وانتخابات نزيهة.

هذا يعني ببساطة أن زمن مصطلح “ما بعد الحقيقة” لم يولد اليوم أو في عصر ترامب أو زمن الأخبار الملفقة المتصاعدة على المنصات الاجتماعية. الحكومات على مر تاريخها كانت مصدرا لما بعد الحقيقة. ولدى الدول تاريخ طويل في التلاعب بالحقائق وفرضها على وسائل الإعلام.

فكذبة نيرة ابنة سعود الناصر الصباح سفير الكويت لدى الولايات المتحدة إبان حرب الكويت عام 1991 تمثل شهادة مريعة للتلاعب الانتهازي بالأخبار، وبإشراف شركات دعاية كبرى، استثمرها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب ومنظمات دولية كدليل إدانة ضد العراق. لكنها في حقيقة الأمر كانت كذبة مرتبة ومتفق عليها صاغتها شركة دعاية أميركية مع السلطات الكويتية، عندما قدمت الفتاة البالغة من العمر آنذاك 15 عاما شهادة زور زعمت أنها شاهدت جنودا عراقيين يسحبون الحاضنات ويتركون الأطفال يموتون في مستشفى كويتي، بينما الواقع أنها لم تكن في الكويت إبان دخول القوات العراقية لها، ودربت الفتاة على الكذب كجزء من مشروع دعائي دفعت إليه الكويت آنذاك مع شركة العلاقات العامة الأميركية “هيل ونولتون”.

“كذبة نيرة” شهادة قريبة من مسلسل الأكاذيب المتورطة فيها الدول والمنظمات الدولية للتلاعب بالحقائق من أجل احتكارها وحصرها بالسلطات، على أنها الحقيقة الوحيدة، بينما هي في واقع الحال أكاذيب متصاعدة ومستمرة.

حرب احتلال العراق عام 2003 استندت على كذبة كبيرة شاركت فيها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والأمم المتحدة، بزعم امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، لكن الكذبة التي أخذت مساحات هائلة في وسائل الإعلام لم تصمد بعد احتلال العراق، بينما الدمار مستمر، أن تزعم بجلب الحرية لبلاد عبر الحرب وتأسيسا على الأكاذيب ذلك ما حدث منذ عام 2003. فالحرب لم تجلب الحرية، والدول الكاذبة لم توطّئ جبينها خجلا، ووسائل الإعلام أدرجت سلسلة الأكاذيب ضمن أرشيف التاريخ، لأنه وحده من سيحكم في النهاية!

لم تكن تلك الأكاذيب من صناعة “المواطن الصحافي” آنذاك بل نتاج سلطة دولة نجحت في تمريرها بقوة إلى وسائل الإعلام، فكيف لنا أن نقبل اليوم مزاعم تلك السلطة التي تلاعبت بالحقائق بحرصها على محاصرة الأكاذيب!

لهذا السبب يجب أن نكون حذرين في التعامل مع العديد من الحلول المقترحة من قبل السياسيين لمعالجة الأخبار الوهمية، لأنها لا تفعل شيئا يذكر لتحدي ثقافة الحقائق المجزأة، فمثلما يتهم مستشارو ترامب صحيفة “نيويورك تايمز” برمتها أنها كذبة كبيرة، من السهولة بمكان العودة إلى سلسلة أكاذيب البيت الأبيض وليس آخرها أسلحة الدمار الشامل في العراق.

يتساءل الكاتب البريطاني كنان مالك في لغة تهكمية عما إذا كنا نريد تخليص عالمنا من الأخبار المزيفة اليوم عن طريق العودة إلى الأيام التي كانت الأخبار الوهمية الوحيدة هي الأخبار الرسمية؟

إنه “غرض خبيث وخطير” عندما يستجوب الصحافيون من أجل فكرة السيطرة التي تنشدها الدول، هكذا يرى كارل بيرنشتاين الصحافي والكاتب الأميركي الذي ساهم في كشف تداعيات فضيحة “ووترغيت” لأن حتى الديمقراطيات الكبرى ليست حارسا أمينا للحقيقة التي ينشدها الناس.

ويقول بيرنشتاين “يبدو أن واشنطن ولندن عازمتان على إقامة حواجز خطيرة ضد مشروعية نشر الأخبار من أجل خدمة مصالح ذاتية، وتسويغ ذلك تحت بند السرية لنشاطات الحكومة. فالتوتر قائم حول دور الصحافة، وهو جزء من أهداف الديمقراطية. ولكن كما تعلمنا في الولايات المتحدة خلال تجربتنا مع فضيحة ووترغيت، من الضروري ألا تضع أي حكومة قيودا من الترهيب أمام الصحافة الحرة، وإلا فستبقيها في الظلام، ونحن علينا أن نقاوم خطر وقوع الديمقراطية فريسة للاستبداد والديماغوجية وحتى الإجرام من قبل القادة المنتخبين والمسؤولين الحكوميين”.