الاستفراق: دراسة في توجيه السياسيات الثقافية لمصر

عودة مثقف وكاتب وناقد جاد

سعدت مؤخرا بتقديم كتاب: "الاستفراق: دعوة للتأسيس" الصادر مؤخرا عن مؤسسة المعبر الثقافي بالقاهرة، للكاتب والناقد الثمانيني محمد ناجي المنشاوي، والكتاب في مجمله دعوة للاهتمام المصري بأفريقيا وأن يكون هناك مجال معرفي مصري جديد وناشىء يرتبط بالمشروع النهضوي والحضاري المصري ينشط فيه الباحثون تحت اسم "الاستفراق"، وفي لبه يدعو إلى إعادة توظيف السياسيات الثقافية المصرية وتوجيه القوى الناعمة المصرية نحو أفريقيا القارة البكر السمراء.

لقد تحمست للكتاب لسببين لأكتب مقدمته، الأول سبب شخصي هو فرحي الشديد بعودة مؤلفه محمد ناجي المنشاوي للمشهد، فهو – في نظري - من أهم المثقفين والنقاد الذين ظهروا في ثمانينيات القرن الماضي، وتميز بالحيوية والنشاط والقدرة على التوحد والتفاعل مع ما يكتب عنه، واتسم أسلوبه اللغوي في الكتابة بالتدفق والحيوية والتماسك، إلا أنه كان من الذين اختاروا الابتعاد مبكرا عن المشهد الثقافي حينما اختلت المعايير، وتاه دور الأدب والثقافة في بنية المجتمع المصري. لكنه يعود الآن لجمهوره بأطروحة آملة عن تفعيل دور الثقافة والقوة الناعمة المصرية، في حاضنتها الرحبة الأفريقية.

أما السبب الثاني فهو سبب موضوعي يرجع لأن الكتاب عرض عليّ بعد عودتي مباشرة من مؤتمر الحفاظ على التراث الثقافي اللا مادي في الصين، والذي طرحت فيه مقاربة ثقافية مهمة تقوم على إعادة إحياء طريق "رأس الرجاء الصالح" حول أفريقيا والبحث عن العناصر الثقافية المشتركة في موانيه، على أن يمر هذه المرة بالبحر المتوسط ويعبر قناة السويس والبحر المتوسط ليدور حقا حول إفريقيا كلها، وعلى ضفاف مقاربتي طُرح على استحياء وبصوت هامس إحياء الطريق النهري الثقافي بين بلدان حوض النيل، وكذلك طُرح مشروع قطار القاهرة/ كيب تاون.

كانت فكرتي هي توظيف الفكرة الصينية عن طريق الحرير في الربط الثقافي/ الجغرافي/ الاقتصادي في طرح موازٍ داخل القارة السمراء، والبدء بالبحث عن العناصر الثقافية المشتركة على طول الطريق القديم لرأس الرجاء الصالح بالإضافة لقناة السويس والطريق البري من البحر الأحمر للمتوسط قديما. فجاء كتب محمد ناجي المنشاوي بفصوله الخمسة عن إعادة توجيه السياسات الثقافية المصرية نحو إفريقيا، متوافقا لحد بعيد مع ورقتي التي طرحتها في مؤتمر الحفاظ على التراث الثقافي اللا مادي بالصين.

وجاءت عناوين الفصول كالتالي: الفصل الأول: "إشكالية المصطلح والمنهج "، الفصل الثاني: "لماذا علم الاستفراق؟ "، الفصل الثالث: "الوعي المصري الأفريقي"، الفصل الرابع" مصر وأفريقيا: أشواك وتحديات مستقبلية"، الفصل الخامس: "توظيف القوى الناعمة المصرية".

وكنت أفضل أن يكون عنوان الكتاب: "الاستفراق: دراسة في توجيه السياسات الثقافية"، لكن رأى المؤلف ميلا نحو التعميم والتبشير بطبعه – كمثقف قديم يميل للحلم وللتنظير نوعا - فاختار له عنوان: "الاستفراق: دعوة للتأسيس".

يركز المؤلف في عرضه على العلاقة المصرية بدول حوض النيل، كمدخل مهم لاختبار القوى الناعمة المصرية رغم صعوبة هذا الملف وتعقده مؤخرا، مؤكدا على فكرة التكامل الاقتصادي وتفعيل كافة موارد دول الحوض كآلية لبناء الثقة والمحبة على أرض الواقع.

ثم يعود ليعدد المؤسسات المصرية التي يجب أن تضطلع بمهمة القوي الناعمة في رسم وتوشيج العلاقة الثقافية في أفريقيا ومنها: " الهيئة العامة لقصور الثقافة- مراكز الشباب والرياضة- المساجد والكنائس- الجامعات والمدارس- النوادي الاجتماعية والرياضية – كافة المؤسسات الحكومية ذاتها التابعة للوزارات المختلفة- هيئة محو الأمية وسلاح الدفاع الشعبي بالقوات المسلحة ".

في الفصل الأول "إشكالية المصطلح والمنهج "يؤسس المؤلف لموضوعه من الناحية الاصطلاحية، ليعطي للموضوع أهميته حين يعتبر أن الكتاب بيان منه لتأسيس علم جديد أو مجال علمي جديد في السياسات الثقافية المصرية، حيث تجدر الإشارة هنا للربط بين الحاجة الاجتماعية وبين تطور المجالات العلمية، فكأن المؤلف يقول بأن حاجة مصر الواقعية لإفريقيا تدعوها لتعديد الدراسات وإفراد النظريات في كيفية بناء العلاقة مع أفريقيا.

وفي الفصل الثاني "لماذا علم الاستفراق؟" يدق المؤلف ناقوس اليقظة ويدعو القارة الإفريقية للانتباه لما تعرضت له من مؤامرات تستهدف إضعافها وتشتيت جهودها، فيري أنه ينبغي أن يعي الأفارقة عدداً من الحقائق التاريخية والاجتماعية والعلمية، ويجب أن تمثل لهم دستور عمل إيجابي لتحقيق الأحلام الأفريقية المشروعة والمرجوة في هذا السياق، ومن هذه الحقائق: ضرورة البحث عن جذور تاريخ القارة الأفريقية وإعادة كتابة تاريخ الشعوب الأفريقية دون تزييف لتأصيل جذور شعوب القارة - إحياء الفلولكلور بجمعه ودراسته ونشره وبثه عبر وسائل التعليم والتربية والاتصال - التعامل بندية مع دول القارة الأوربية باعتبار أنها هي الأكثر احتياجاً لثروات القارة الأفريقية - السعي الدائب لبناء كيانات اقتصادية أفريقية كطريق لتوحيدها في كيان اقتصادي واحد كبير كسوق أفريقية لمصلحة أبناء القارة - تفعيل العلاقات الثقافية بين دول القارة ليتحقق التعارف بين أبنائها تعارفاً عميقاً - تنقية مناهج ومقررات التعليم الأفريقي من المؤثرات الأوروبية الفاعلة في عقول أبناء القارة - ضرورة أن تلعب الفنون الأفريقية (الغناء والموسيقى – المسرح – السينما – الفنون التشكيلية) دوراً أساسياً في التقارب بين شعوب القارة.

وفي الفصل الثالث" الوعي المصري الأفريقي" يؤسس لتاريخ العلاقة بين الحضارة المصرية القديمة وبالبلاد الأفريقية، وذلك في عصور الحضارة المصرية الرائدة والعلاقات العسكرية والاقتصادية بشتي بلدان القارة، ثم يركز في الجزء الأخير من الفصل على العلاقة مع السودان، وبلدان حوض النيل، وأثيوبيا، مشيرا لما اعتراها من خلافات ونزاعات، ومؤكدا على أهمية استعادة الجسور والمحبة التاريخية بين دول حوض النيل.

وفي الفصل الرابع "مصر وأفريقيا: أشواك وتحديات مستقبلية "ينتقل للمخاطر والتحديات السياسية التي قد تواجه مصر في استعادة وجودها الأفريقي في ظل حضور معظم القوى الدولية في القارة وتجذرها في ظل انسحاب الوجود المصري في الآونة الأخيرة من القارة، ويركز على الأهمية السياسية والجغرافية لبعض الدول الأفريقية وسيطرتها على المعابر البحرية الرئيسية في انتقال التجارة بين الشرق والغرب، ويستعرض هنا البنية الاقتصادية والزراعية والصناعية لدول القارة وكيف يمكن لها ان تتكامل وتتعاون ماديا.

وفي الفصل الخامس" توظيف القوى الناعمة المصرية" يصل المؤلف إلى لب مشروعه في مقاربة مصر للقارة السمراء، حين يرى في الثقافة وعناصر التراث الثقافي المادي واللامادي حجر الأساس في بناء جسور الثقة مع أفريقيا.

ويختتم المؤلف كتابه بالإشارة للمقومات الخام للقوة الناعمة المصرية التي يمكن استثمارها في هذا المجال مقترحا مجموعة من الخطوات التطبيقية لتفعيل القوى الناعمة والسياسة الثقافية المصرية في أفريقيا.

وعلى الرغم من أهمية ما يقدمه الكتاب وما يبشر به ويتمناه للسياسة الثقافية المصرية، فإنه يبشر أكثر ما يبشر بعودة مثقف وكاتب وناقد جاد ومخلص للغاية مع ما يكتبه وما يطرحه للناس، على أمل أن تصل الدعوة للقائمين على الثقافة المصرية الآن، ويلتفتون للقارة السمراء الطيبة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وبناء الجسور ومد الأيادي بالفهم، والمشاركة القائمة على الاحترام المتبادل والبحث عن المشترك.