عين ثالثة للمدينة

كان مفاجئا لمئات المسافرين في قطار لندن، أن يكون السائق على درجة عالية من اللطافة وهو يخاطب الجميع عبر المايكروفون الداخلي بأربع لغات إضافة إلى الإنكليزية، “سيداتي وساداتي” قالها أيضا بالإسبانية والفرنسية والإيطالية والألمانية، حيث علت الابتساماتُ وجوهَ الركاب، وهم يستمعون إلى ملاحظته بوصول القطار إلى محطته الأخيرة في منطقة ريتشموند.

لا أحد من المسافرين يرى سائق القطار، فهو دائما في المقدمة، ولا أحد يبالي إن رآه أم لا، لكن هذا السائق الذي بث مسحة تفاؤل جميلة في مساء لندني بارد، كان محط اهتمام كل من يتقن واحدة من هذه اللغات للتكلم معه، نوع من استعراض معرفة اللغة الثانية عند الإنكليز.

كانت ملامح الرجل في المقعد المجاور لي بدت وكأنها لم تصلها الرغبة في الابتسام بعد سماع مجموعة جمل بعدة لغات، وعندما شعر بنظراتي، بادرني بالكلام قبل أن أساله، قائلا “الأمر جميل حقا إن كان السائق يتقن كل هذه اللغات، لكن سائق القطار في الواقع لا يقوم بجهد غير تحريك العتلة والمناداة قبل وصول المحطات".

بدا الرجل من جيل إنكليزي محافظ معتد بنفسه وأناقته وكياسته، حتى وإن تحدث بوجهة نظر مختلفة، وهو يقول “لا يوجد سبب يجعل مرتبات سائق القطار أكثر مما يحصل عليه سائق الباص، مع أنه يقوم بجهد متعب أكثر”.

قلت له: هل سبق وأن عملت سائق باص؟

استغربت ملامحه من سؤالي، ولم أنتظر إجابته وقلت يمكن أن تقول نفس هذا الكلام عن سائق الباص، بأنه لا يفعل أكثر من النظر في المرايا، لأن الحافلات تكاد تمشي بشكل تلقائي وليس كالسيارات الشخصية التي تتطلب مهارة سياقة مضاعفة.

حافلات لندن تكاد تكون عينا ثالثة للمدينة، أو أنها ذاكرة متجددة تترك قصة في الأثر التخيّلي أو المكتوب، لندن بلا حافلات حمراء لا تعني لندن، هذا ما يتفق عليه الجميع، ربما تمضي شؤون العاصمة كما المعتاد ونحن نتحدث عن سبعة ملايين شخص يدخلونها يوميا ويغادرونها في المساء، القطارات رئة لندن وعصبها الرابط بين الجهات المتباعدة، ومن دونها تتوقف الحياة في المتحف الكبير المسمى لندن.

النقل المريح في المدن جزء من صيانة كرامة الإنسان، أن تنتظر في مدننا العربية امرأة مع أطفالها وسيلة نقل لساعات أمر يتلف أعصابها ويثير قلقها، ويرفع صوتها في التذمر، لهذا يبدو أهالي لندن محظوظين بوسائل النقل المعاصرة في مدينتهم.

عندما انتخب صادق خان عمدة لندن شاع الخبر في وسائل الإعلام العربية، لأنه مسلم أولا وابن سائق حافلة متقاعد ثانيا، وللأسف لا أحد من المتهكمين أو السعداء، عمل مقارنة بين سائق حافلة في عاصمة عربية وبين ما عاشه والد عمدة لندن!