عن 'العودة' السعودية إلى لبنان

أثارت زيارة الموفد السعودي، المستشار في الديوان الملكي، نزار العلولا إلى لبنان ضجيجا لافتاً استدرج كثيراً من الاجتهادات والتأويلات. جاء الرجل لينهي حقبة ضبابية شابت علاقة السعودية بلبنان منذ ما رافق استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري وإعلانها من الرياض في 4 نوفمبر الماضي من لبس ولغط، خصوصاً أن صمتاً رسمياً ثقيلاً في بيروت والرياض وأد بعد ذلك فصل وتفاصيل عودة الحريري عن استقالته.

كان سهلاً على اللبنانيين أن يستنتجوا أن إرسال الرياض للموفد الملكي هو إعلان رسمي بأن ملف العلاقة مع لبنان قد سحب من الوزير ثامر السبهان. وكان يسيراً ملاحظة أن مقاربة رجل السعودية الجديد إلى لبنان تختلف في الشكل والأسلوب والمضمون عن سلفه، بما يعني أن المقاربة السعودية برمتها ذاهبة باتجاه آليات مختلفة ومتقدمة في التعامل مع لبنان، لمح إليها العلولا في ما نقل عنه من قوله للرئيس اللبناني ميشال عون "ستشاهدون جواً سعودياً جديداً".

ولئن جال الموفد السعودي على الرئاسات الثلاث وزار بيوتاً والتقى بشخوص، فإن عنوان الزيارة الرئيسي هو "استعادة" سعد الحريري وفق منهج يغلق ملف ما رافق إقامته الأخيرة في المملكة من تصدّع لم يخف على أحد. وبهذا المعنى أعطت الرياض لزيارة موفدها بعداً مركزياً يتمحور حول دعوة رسمية من المملكة لرئيس وزراء لبنان، على أن تتموضع لقاءات العلولا مع كافة القيادات اللبنانية الأخرى حول هذا المعطى وقواعده. وفي زيارة العلولا لضريح الرئيس الراحل رفيق الحريري ما يؤكد استمرار الرياض في التعويل على الحريرية السياسية عنوانا أساسيا في علاقاتها مع لبنان.

قد يفهم اللبنانيون من جولة العلولا معاملة خاصة تريدها الرياض في علاقاتها مع زعيم القوات اللبنانية سمير جعجع، لكنهم أيضا فهموا من خلال لقاء موفدها مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، "القامة الوطنية" حسب تعبير العلولا، توجه المملكة إلى توسيع مروحة تماسها مع قادة البلد على نحو يجعل من الرياض أكثر انفتاحاً على التعامل مع لبنان وفق خصوصياته وملامحه، حتى أن عدم لقاء العلولا مع وليد جنبلاط أدرج في خانة شكلية داخل مسار علاقة قديمة بين الرياض والمختارة.

والظاهر أن السعودية التي لا تخفي موقفها ضد إيران وسلوكها في كل المنطقة، بما في ذلك لبنان، باتت تعتبر أن حضورها في لبنان هو جزء أساسي من خططها الاستراتيجية لمواجهة النفوذ الإيراني في العالم العربي وأن انفتاحها اللافت على العراق كما مواجهتها للحوثيين في اليمن كما حيوية دبلوماسيتها وتحالفاتها الدولية في مواجهة طهران، بات يتطلب أيضا عدم الانكفاء عن لبنان وتثبيت وجود لطالما كان تاريخيا وعريقاً وسابقا على قيام الجمهورية الإسلامية.

وقد يجوز التذكير أن الولايات المتحدة، وفي معرض ورشتها ضد إيران عامة وحزب الله خاصة، دأبت على تطوير علاقاتها بلبنان والاستمرار في تقديم الدعم العسكري للجيش اللبناني على الرغم من التقارير الإسرائيلية التي لطالما تحدثت عن إختراق حزب الله للمؤسسة العسكرية. وفي هذا أن المقاربة الأميركية في مواجهة إيران استندت، وكما شرح قائد القوات المركزية جوزيف فوتيل أمام إحدى لجان الكونغرس قبل أيام، يستوجب "تعزيز التحالفات مع شركاء أميركا". وقد يجوز الاعتقاد أيضا أن إطلالة العلولا ونهج السعودية الجديد يستند على رؤية إقليمية دولية تحصن لبنان وتدعمه على ما توحي مؤتمرات باريس وبروكسل وروما المقبلة.

وحين تستقبل الرياض سعد الحريري، بشكل رسمي، بصفته رئيسا لحكومة كل لبنان، فذلك أن المملكة تجاوزت زمن التعامل مع الرجل بصفته "ابننا" على حد تعبير العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، بل إلى ذلك أيضا، بصفته زعيماً لبنانيا بات دوره مطلوباً من قبل الخصوم قبل الحلفاء من أجل صيانة مناعة البلد واستقراره. الحريري الذي أخبر أطفالا، انهالوا عليه بالأسئلة في برنامج تلفزيوني قبل أيام، أن الناس في انتخابات 2018 ينتخبون سعد الحريري وليس إبن رفيق الحريري كما فعلوا قبل ذلك، يلبي دعوة المملكة هذه المرة بصفته هذه وبكونه بات رقماً أساسيا في المعادلة اللبنانية متحصناً برصيد محلي داخلي، حتى لو أن الانتخابات المقبلة قد تنال من حجم تياره داخل البرلمان، ومن رصيد دولي رفيع ظهر جلياً أثناء أزمة الاستقالة الشهيرة.

تستقبل السعودية سعد الحريري الذي أصبح "وضعه في لبنان أقوى من وضع حزب الله"، وفق ما أخبر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان صحيفة الواشنطن بوست الأميركية. ووفق هذه المعطيات تعيد المملكة نسج حضورها اللبناني وتبني عليها استراتيجياتها الجديدة. وقد لا يكون صدفة أن توقيت التحرك السعودي باتجاه الحريري يأتي قبل الإعلان النهائي عن طبيعة التحالفات التي يرسمها تيار المستقبل لخوض الانتخابات التشريعية في 6 مايو المقبل. كما أن طبيعة الجولة التي قام بها الموفد السعودي في لبنان تفضي إلى أن للرياض هواجس تتعلق بهذا الاستحقاق في ظل تشرذم من مفترض أنهم كانوا حلفاء داخل 14 آذار، ومن مفترض أنهم أصدقاء للمملكة. على أن توقيت التحرك السعودي وظروفه قد يكون متأخراً عن القدرة على إحداث تحوّلات جذرية في خريطة التحالفات، لكنه قد يكون قادراً على تثبيت بوصلة كانت مفقودة ستؤثر على خيارات الكتل السياسية والناخبة الصديقة للسعودية.

يندرج التحرك السعودي باتجاه لبنان داخل مشهد دولي عام يفصح عن تبدل في مزاج العواصم الكبرى إزاء إيران. وقد يكون لافتاً أن ضغوطا دولية كبرى مورست لإصدار قرار مجلس الأمن الأخير حول الهدنة في سوريا، وأن الاتحاد الأوروبي يتحرك باتجاه روسيا وتركيا لوقف إطلاق النار في هذا البلد، كما أن واشنطن بدأت تلوح بخيارات أخرى غير تلك في مجلس الأمن لوقف الهجوم على الغوطة الشرقية. ووفق ذلك المزاج تعتبر الرياض أن العالم أصبح أكثر جدية لوقف المأساة السورية كما وقف النفوذ الإيراني في سوريا، وتلاحظ أن ما صدر عن باريس وبرلين ولندن من انتقادات للسلوك الإيراني، لاسيما في حرب اليمن، يعكس تحوّلا أوروبيا لصالح ذلك الذي تعبر عنه إدارة الرئيس دونالد ترامب في واشنطن.

على أن إعادة الوصل بين الرياض والحريري يأتي متأسّسا على تاريخ طويل من العلاقة بين السعودية والحريرية السياسية بما يسهل معه تجاوز أي انتكاسات حديثة. وإذا ما عبّرت استقالة الحريري من الرياض عن رغبة سعودية في سحب رعاية الحريري لحكومة يستظل حزب الله تحتها، فإن إعلان الحريري نفسه في خطابه الأخير في ذكرى اغتيال والده عن رفضه للتحالف مع حزب الله في الانتخابات المقبلة، شكل، بغض النظر عن موسمية ذلك الإعلان داخل الكتلة الناخبة لتيار المستقبل، عنواناً أصيلاً في علاقة الحريري مع الرياض. كما أن إفراط الرجل في الحديث عن عروبة لبنان وعلاقات البلد مع محيطه العربي يوفّر الأرضية التي تستند عليها المملكة داخل كل ميادين المواجهة الإقليمية مع إيران.

ما زالت الرياض تعتبر أن موقعها في لبنان أقوى بكثير ولا يمكن أن يقارن مع موقعها في العراق. فإذا ما أبدت انفتاحاً مع بغداد وأحيت آليات تنسيق وتعاون بين السعودية والعراق وفتحت الحدود بين البلدين على الرغم من أنها لا تمتلك حلفاء تاريخيين لها في الحكم، فإنها في لبنان تحظى بود وصداقة، ناهيك عن تحالفات، داخل كافة الأحزاب والتيارات اللبنانية على نحو يجعل من الحضور السعودي "طبيعيا" حتى من قبل حزب الله نفسه.

"ستروني كثيرا". هكذا ردد نزار العلولا في لبنان. وربما أن الرياض أيضا سترى الحريري كثيرا، ذلك أن موقع ودور لبنان المقبلين، في شأني سوريا وإيران باتا حاجة دولية تحتاجها التحولات القادمة في المنطقة. فهمت بيروت ذلك وأدركت أن في "العودة" السعودية عبق أولي لتلك التحولات.