ما ينتظر الصحافة أكبر من إعادة تأهيل الصحافيين

بالنسبة إلى السياسيين المتسقين مع قناعاتهم، نقطة ضعفهم هي الصحافيون البارعون، يكرهونهم لأنهم لا يتذللون، يطلقون الأسئلة التي تبحث عن إجابات حقيقية، ولا تعنيهم مطلقا تلك الأسئلة التي سبق وأن أطلقت عشرات المرات وتكررت الإجابة نفسها.

وبالنسبة إلى الصحافة، فإن الأفكار المكررة والتي بلا روح هي نقطة ضعفها، عندها لن تكره الصحافة نفسها لأنها تكرر الشائع والسائد والمقال والمعروف، بل ستكون مكروهة من الجمهور، تماما كما تكره المرأة الرجل بسبب رائحة فمه!

يفترض الصحافي تيم هارفورد من صحيفة فايننشيال تايمز أن الثوم نقطة ضعف مصاصي الدماء. وهي تماما نفس نقطة ضعف الصحف عندما تعجز عن صناعة الأفكار الجديدة، لأن الأفكار المكررة لها نفس رائحة الثوم عند القراء، وتزداد تلك الرائحة وتضعف بنفس قدرة الجملة التعبيرية في إعادة ابتكار نفسها عبر صناعة الفكرة المستحدثة أولا وفي اللغة المضيئة ثانيا.

أنا قادر مثل جميع القراء على إعداد جدول عنوانه التكرار في الكتابة، بمجرد وضع قائمة للمقالات المنشورة في أي صحيفة عربية، هناك جمل جاهزة سبق وأن قيلت ويعاد تكرارها مئات المرات في مقالات تنشر في مساحة مميزة في الصحف.

وهناك أفكار سبق وأن تم تناولها وصارت سائدة مثل الملح في الطعام، وتعاد الكتابة عنها بشكل يثير الاستغراب والإزعاج معا، بل سيبقى طعام الصحيفة مقبولا وبلا ضرر ومحافظا على نكهته أيا كانت، إذا لم يضف لها ملح المقال المكرر.

الصحافة كلمة متفجرة اليوم، وهي غير مقبولة على الأغلب من جيل الهواتف الذكية، ومن جيل آخر كان قد أحب قراءة الصحيفة، لكنها تسبب له الخيبة كلما عاد لقراءتها اليوم!

مقاومة التغيير موضوع مستمر، وهذا ما يعزوه مارتن بوشنر أستاذ الأدب في جامعة هارفارد إلى اعتراض مبكر على تكنولوجيا الكتابة من سقراط، الذي جادل بأنها “ستخلق النسيان في نفوس المتعلمين، لأنهم لن يستخدموا ذكرياتهم”.

يُلخّص بوشنر الموقف السقراطي بأناقة: الكتابة، بالنسبة إلى المفكر اليوناني، كانت مجرد ظل صامت للكلام، طريقة تستوعب الكلمات لكن بدون صوتها، وأنفاسها، وروحها. كانت مجرد شيء آلي، تكنولوجيا.

هذا الأسبوع تسنى لي الاطلاع على مجلة عربية جديدة أصابتني بالخيبة مثلما نصيب “نحن الصحافيين القراء بالخيبة”، كل ما فيها يشير إلى موت الأفكار، لا توجد فيها فكرة واحدة جديدة، بل استطيع أن أزعم أننا سنكتشف كل ما هو مكتوب فيها من جمل سبق وأن تمت كتابتها آلاف المرات، وتلك مهمة سهلة ستكشفها لنا أبسط خوارزمية في برنامج كمبيوتري.

هل يمكن بعدها أن نجهل سبب العجز الذي أصاب صحافتنا العربية عندما يتعلق الأمر بالمحتوى المتميز؟

نعم، هناك عجز في إدراك فكرة المحتوى المتميز لذلك بقينا ندور على أفكارنا القديمة ولا نمنح القراء ما يجعلهم يتوقون إلينا.

لا يمكن بث الحياة في الأفكار الميتة، ومع ذلك تكرر صحافتنا العربية تلك الأفكار من أجل أن تشهر شهادة موتها.

دار هذا الحوار مرة بين فنان تشكيلي وطباعي مهر الصحافة على مر عقود، مقترحا على صحافي بارع إصدار مجلة جديدة بأفكار وتصميم مختلفين عما هو سائد، متعهدا بتحمل كلفة الإصدار والتمويل والتوزيع.

كانت الإجابة أقرب إلى الصدمة، عندما رد عليه الصحافي متسائلا: ومن سيكتب في هذه المجلة؟ كل الذين تقترحهم استهلكت أفكارهم وبقيت تدور على تاريخها!

كان يتحدث عن أسماء مشهورة في الصحافة العربية ومازالت أعمدتهم تنشر بتميز اليوم، لكنه يدرك أن الغالبية العظمى منهم يكتبون من أجل الكتابة وحدها كأمر واجب وفي توقيت محدد، إنهم في حيرة من أمرهم، وغرقى بما هو سائد يستنجدون بفكرة هامشية تنقذهم في مقال هذا الأسبوع، بينما دائرة الحيرة مستمرة في الأسبوع المقبل!

هل أبدو متشائما إلى هذا الحد؟ أنا لا ألغي الآخر مطلقا ولا أصادر ما يكتب، لكنني آمل أن أقرأ ما يضيف لنا فكرة جديدة ويحرضنا على إعادة صناعة الأفكار. وما يبعث على الأمل هناك من يقوم بذلك في تجارب متحركة يديرها على الأغلب كتاب وصحافيون لم يتخرجوا من مدرسة الأدب، قرأوا الأدب من أجل أنفسهم ومن أجل اللغة العميقة فيه، وليس من أجل الصناعة الصحافية، لأنها أمر مختلف تماما مثلما كان يصنع أمبرتو إيكو أفكاره بلغة صحافية في مقالات لا يملك القراء خيارا غير مطالعتها بشغف.

هل يوجد مثل هذا الخيار في صحافتنا العربية، عندما يقترن الأمر بكتاب أحياء من جيل أمبرتو إيكو؟ لا أعتقد! لأن لا أحد منهم استثمر لغته الأدبية كما فعل إيكو الصحافي وهو يعرض أفكارا مضيئة عما يمس حياتنا عندما يتحدث عن الحقائب والموبايل مثلا.

مع ذلك، يجب علينا تركيز اهتمامنا على صناعة الأفكار في الوقت الذي تبدأ فيه الصحف في التلاشي. كلما كان من الأسهل البدء في فكرة جديدة، نصبح أكثر عنادا حول التخلص من الصحافة القديمة، من الضروري أن تختفي الأفكار المكررة الجافة واللغة الجاهزة في صحافتنا اليوم، لكن ذلك قد لا يكون كافيا لخروج الصحافة من السوق المريضة. لأن ما ينتظر الصحافة أكبر بكثير من إعادة تأهيل الصحافيين.