'توق إلى شجر البعيد' .. من التهيّج بالشعر إلى الاسترخاء في أحضانه

أتذكرُ الآنَ القصيدةَ

حين نتحدث عن تجربة شعرية كتجربة زين العابدين الضبيبي، لا يمكن لنا إلا أن نشعر بالزهو، فالفتى الذي أعلن عن نفسه من خلال مسابقة "صدى القوافي" قبل عشر سنوات، صار يحدث صدى يتوالى دويه في كل مكان.

كان حضوره في صيف 2008 وهو في الثامنة عشرة من عمره يثير حفيظة أكثر المشاركين ، طريقته في تقديم نفسه كانت تتميز بالتحدي والتصميم ، وتُقابل الاستكثارَ حتى من بعض أعضاء لجنة التحكيم بمزيد من التصميم والتماهي مع الحالة، التي بدت أشبه ما تكون بتمرينات مستمرة على الكتابة.

وصل الأمر حد تسريب الشائعات إلى اللجنة أن هذا الفتي الصغير – مقارنة بكل زملائه – يشارك بقصائد تُكتبُ له، فيما بقي هو يعاني تلك المزاعم ويحاول تفنيدها بمزيد من الشعر.

في مرحلة محتدمة من مراحل المسابقة قدر للشاب الصغير أن يدخل مضمار السباق ارتجالاً أمام واحد من أهم أبطال تلك المسابقة وأقدمهم تجربة، حُدد الموضوع، وحُدد الوقت، وجاءت المفاجأة مدوية، فقد تفوق الضبيبي تحت الأضواء الساطعة، أمام أعيننا وأعين الكاميرات المحيطة به، أنجز المطلوب منه في وقت أسرع، وأصاب الهدف موضوعاً وتصويراً، ليلتها أسقط في أيدي المشككين، وتوارى مطلقو الشائعات، وقد أخزاهم تجليه البارع، وتوهجه البريء.

تلك شهادة للتاريخ ظلت في ذمتي، وكان يجب أن أقولها، قبل أن أقترب من مجموعته الشعرية الثانية "توق إلى شجر البعيد".

لقد كبر زين العابدين، كبرت تجربته، ونضجت أدواته الفنية، كما كبرت علاقاته وتواصلاته واتسعت أنشطته وامتلأت حياتنا بأضوائه وضجيج فعالياته.

قليلون هم من يمتلكون هذا المستوى من القدرة على التطوير الذاتي، ويستطيعون التوجه إلينا بهذا الفيض الواضح من المشاعر والأفكار، والمقترحات الخلاقة كل يوم، واشتغالات هذا الشاعر ليست همهمة تخفي أوهاماً كما هو الأمر عند كثيرين ينفضح أمرهم – عادة - بعد تجارب قليلة، فتخبو مواهبهم ويفقدون المدد الابداعي.

تجربة زين العابدين تتقدم، وتتقدم معها فكرة الإخلاص القوي للتجربة، عيشها والتخالط بها، تحويل الشعر إلى هاجس مستمر، وطريقة عيش، وأسلوب حياة.

وأول ما سيعجبنا في هذه المجموعة هو تخلص الشاعر من زعيق البدايات، ذلك الزعيق الذي اكتنف تجارب عديد الشعراء من جيله، بوصفه عرضاً سيئاً من أعراض المسابقات التي كانت المشاركات فيها تتطلب قدراً كبيراً من الافراط في الاتكاء على المخيلة الزاهية والفرقعات اللفظية، لقد أصبحت قصيدة الشاعر مخدومة بشكل جيد، دون أن تفقد عنفوانها وتوهجها:

شربتُ من المَعنى على قدرِ حاجتي

وشذَّبتُ من شوكِ الخرافاتِ باقتي

أمرُّ على النجوى بروحٍ أنيقةٍ

وأطوي ضجيجَ القبحِ

خلفَ ابتسامتي

لأنَّ النَّدى أهدى مِن الماءِ

كُنْتُه

وكوَّنتُ مِن همسِ البَراري غَمامتي

وسوَّرتُ قلبي بالضحى كي أصونَهُ

مِن الليلِ

نأيًا عن سمومِ العداوَةِ

إن القوة والاندفاع باتجاه الهيجانات الشعرية، قد جعلهما الاحتكاك بالحياة، وتتابع التجارب ينحبسان في ذات الشاعر المتيقظة التي تراقب نفسها وتراقب تجارب الآخرين أيضاً، إن الهيجانات الشعرية تتحول بمضي الوقت إلى تأملات عميقة محفوفة بمسحة من السخرية، وفيض قريحة الشاعر تمنحه مجالاً واسعاً للبحث عن جمل أكثر توجساً لكنها تتوغل بعيداً في ذواتنا عن طريق تطعيمها بقدر من السرد الحذر تارة، وبالتماس مع الحكمة تارة أخرى:

أتذكَّرُ الآنَ القصيدةَ

من بدايتِها.

صداعٌ طاعنٌ في التيهِ

أسماءٌ بلا معنى

وصمتٌ مُطبِقٌ يَهمِي

وبردٌ في المطالعِ

يُضمِرُ الحُمى

لألفِ قصيدةٍ أُخرى

ووخزٌ في دماغِ الاستعارة

أتذكرُ الآنَ القصيدةَ

رُبَّما ابتدأَت

بسردِ خرائبِ التاريخِ

واكتملَت

بحرفٍ من حروفِ الكرِّ

وانكسرَت

بفعلٍ ناقصٍ

وطفا ضمورٌ في مفاصلِها

وهَمَّ بها المجاز.

إن المؤثر الطفيف الذي يخلق التعين الشعري هنا هو هذا التخالج بين المشهدية الجديدة والمجاز في توتره العالي، بين كتابة نص متأمل، وسردية تتبازغ رويداً رويدأ في مفاصل النص مفصلاً بعد مفصل، العقدة السردية في ثنايا نص مجازي بامتياز ستبدو نحيفة جداً، تتآزر مع نبرة تحتج على ما يحيط بنا من خلال ثنائية القصيدة كاحتياج وكعمل فني كبير يعيد تشكيل العالم، والسيجارة كمطلب يُفترض أن يكون بسيطاً لسهولة الوصول إليه، بيد أن الوضع في المدينة المذبوحة بالحرب والمدفونة تحت أسداف من الظلام يجعله مطلباً عسيراً بل ومستحيلاً، في هذه الحالة تصير السيجارة معادلاً وجودياً أهميتها هي نفس أهمية القصيدة.

أتذكرُ الآنَ القصيدةَ

من عواءِ الطائراتِ

إلى احتدامِ القصفِ،

أشعُرُ بالدوارِ

وبالدمارِ،

وليس ثَمَّ «سِجارةٌ»

والنومُ هذا الأُفعُوانُ

نسَى!

- الآنَ، أعنِي الآنَ

يدعوني لحلمٍ طارئٍ

فأجيبُه وأنامُ

هذا كلُّ ما في الأمر.

هذا كل ما في الأمر لا بطولات ولا عنتريات، لم يعد شاعر اليوم مدعياً كما كان الشاعر قبل خمسة عقود مثلاً حين كانت الأيديولوجيا تسيطر وتتحكم وتوجه، الشاعر هنا يواجه عنف الطائرات وانعدام أبسط متطلبات الحياة "السجائر"، بالنوم، هذا كل ما في الأمر، إنه تصوير حاذق للإنسان ككائن بشري صغير، غامض، قلق ومذعن مع ذلك يبلل يديه في ماء الحياة البارد دون خوف من أن يتسخ. القصيدة ارتعاشة خفيفة وجميلة، وهي رغم كونها تفصح عن العجز البشري إزاء وقائع فظيعة أكبر بكثير من قدراته فإنها فوق ذلك عمل فني جيد السبك. وجملة "هذا كل ما في الأمر" لا تعني الاستسلام فحسب، بل هي هزء لاذع مما يحدث.

من جانب آخر سيزاوج الشاعر بين تهويل الرؤية الشعرية التي عرفتها قصائد الشعر ذات النفس الملحمي التي سادت صورها ومقولاتها لفترة من الزمن، خاصة في المدورات الشعرية، وبين العناية الدقيقة بالتفاصيل الصغيرة، التي تحضر بهوانها وكينوناتها الهامشية من غير إطالات ولا توريات، إنه نوع من التصالب بين ثيمتين، شيء ما يماثل سيرة حياة، لا أريد أن أسقط معرفتي بسيرة الشاعر على نصوصه، لكن الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها، أن قوة شاعرية الضبيبي هي من ذلك النوع الذي ينبش تاريخ الذات ويجيّره لصالح النص، وهو يفعل ذلك عبر ضربات متباعدة، إشارية ولماحة بما يكفي لحقن النص بمعطيات شعرية حاذقة:

أتعلَّقُ في بيتِ شعرٍ يُلَوِّحُ لي بالغِناءِ على طللٍ شاردٍ

في بوادي المجازِ،

ويَسخَرُ من شمعةٍ

سَتُبَاغِتُنِي بانهِمَارِ الظلامِ على غُرفَتِي،

وتُكَمِّمُ هَلوَستِي بالدُّخانِ

هنا يبدو التصالب الذي أعنيه، قوله "أتعلَّقُ في بيتِ شعرٍ يُلَوِّحُ لي بالغِناءِ على طللٍ شاردٍ في بوادي المجازِ" تعبير شعري باذخ وفخم، الإحالات الطنانة واضحة فيه، بالمقابل سيغدو الجزء المتصالب معه تعبيراً بسيطاً يومياً وعادياً، لكن الشعرية الأقوى تكمن فيه.

الغنائية الشعرية هنا - وأقصد بها حرارة الشعر وحلاوته المؤثرة في النفوس، وليس الغنائية بمعناها الرومانسي - لن تتقد "على طلل شارد في بوادي المجاز"، لكنها ستتقد داخل غرفة بائسة، تموت شمعتها بالتدريج لتغرق هي وساكنها في ظلام محبط.

لقد تحولت تجربة زين العابدين الضبيبي من تجربة صوتية كان النص فيها كثيراً ما يفصّل نفسه على صوت الشاعر ونبرته الخطابية واحتفاله بالالقاء إلى شكل جديد لا يرفض الصوت لكنه يخلصه من الصراخ كما أسلفت، عملية تبديل الصوت هنا تعني بالضرورة اكتشاف امكانيات أخرى.

بمعنى أدق اكتشاف ممكنات الخطاب الداخلي، الذي يجعل النص يتحدث من العمق وليس من السطح، هذا يسهّل استغوار الذات، بمقدار ما يسهّل تخليق لغة احتمالية متعددة الدلالات، هذا النوع من الكتابة يسمح للشاعر أيضاً، بالتمايز عن منجزه الخاص وعن التجارب المجاورة له، وأهم ما في الأمر أننا سنجد أنفسنا أمام نبرة أو غناء مختلف، يصدر عن مبدع يعيد التفكير في الكلام ويفهمه على نحو باطني، لكنه ليس غامضاً منغلقاً ولا متحذلقاً، بعيداً أو مجافياً للجمال:

حين نأوي إلى حتفِنا، سنُمَرِّغُ أحزانَنا بالنعيمِ

ونكتبُ أحلى قصائدِنا، فوقَ بوابةِ الأبديةِ،

ثُمَّ نُقيمُ عُكاظَ السماءِ، ونشربُ كأساً من الشعرِ صافيةً،

خبَّأَتْها يدُ البوحِ في جرَّةِ النابغة.

حين نأوي إلى حتفِنا، سوفَ ندعو الملائكةَ الشعراءَ

إلى حفلةٍ غيرِ سريَّةٍ، ثُمَّ نُلقي عليهِم قصائدَنا

لنرى ما الذي سوفَ تفعلُهُ لُغةُ الأرضِ

في شُعراءِ السماء؟!

حين نأوي إلى حتفِنا سوفَ نَضحَكُ من «سوف»

هذي التي في القصيدةِ،

ثُمَّ نَزُجُّ بها في سطورِ الكتابِ - كذنبٍ قديمٍ - ونُخضِعُها

للحسابِ العسير.

إن هذا المزيج الخلاق من الخيال العالي يساوية أيضا ًمزيج خلاق من الطرافة والسخرية، وهذا تصالب آخر بين اشتغالين متمازجين، لكن الطرافة ليست مقصورة على ما هو هزلي وهو الأمر الذي يصوره المقطع الأخير "حين نأوي إلى حتفِنا سوفَ نَضحَكُ من «سوف»، هذي التي في القصيدةِ، ثُمَّ نَزُجُّ بها في سطورِ الكتابِ - كذنبٍ قديمٍ – ونُخضِعُها للحسابِ العسير". الطرافة تتجلى أبهى ما تكون في التخييل الذي يقوم عليه مشهد المقطع الذي يسبقه:

"حين نأوي إلى حتفِنا، سوفَ ندعو الملائكةَ الشعراءَ إلى حفلةٍ غيرِ سريَّةٍ، ثُمَّ نُلقي عليهِم قصائدَنا لنرى ما الذي سوفَ تفعلُهُ لُغةُ الأرضِ في شُعراءِ السماء؟!".

هنا يظهر حذق الشاعر وتظهر خبرته وحساسيته المميزة، وسعيه الدؤوب كي يكون شاعراً حقيقياً .. إنه النضج الفني في أبهى صوره.

وليس بعيداً عن هذا الاشتغال الناضج اشتغاله في قصيدة "أشجان لو" التي تتعدد عوالمها بتعدد المقاطع حيث كل مقطع لوحة تبدأ من "لو" وتتخذها منصة انطلاق إلى موضوعة تشكل فتنتها الجمالية عبر أحد عشر مقطعاً تتحدث عن الحب والضوء والماء والبحر والأدعياء والصدق والوطن والكتابة وصعوبات الحياة الخ ..، كما في هذا المقتطف:

لو كتبنا بصدقٍ يُعرِّي الرواةَ

الذينَ أضلُّوا الطريقَ الطريقَ

ستغدو الحروفُ، مشانقَ منصوبةً في ضميرِ الوجودِ

تلاحقُهم: في الأزقةِ، فوقَ الأسِّرةِ، في كُلِّ حيٍّ وبيتٍ

يموتونَ من بطشها في الحياةِ،

وبعدَ المماتِ، وتُحرِقُهم

قبلَ أن يسقطوا في الجحيم.

لو كتبنا عن الوطنِ المُشتهَى

لَبَنَيْنَا بأحرفنا وطنًا ترتجيهِ المنافي، ويعشقُهُ الراحلونَ

إلى غيرِ أرضٍ، وعادَ يشاركُنا نزلاءُ السماواتِ

- فيهِ - وسائدَنا والبيوت.

لو كتبنا، كتبنا ...

لهاجرَت العينُ عشَّ الأسى

وأتاها ليعتذرَ الدمعُ عن كُلِّ تاريخِهِ،

وعَفَا الليلُ عن حُزنِهِ

واستجارَ بصدرِ حبيبتِهِ من صقيعِ شتاءاتِهِ،

واستراحَ المحبُّون من عدِّهم للنجومِ

وهَبُّوا إلى رسمِ صورةِ أحبابِهم

بالمُوارَبِ من سُكَّرِ الضحكاتِ على جَنَبَاتِ الوجوه.

إن كل "لو" في الفقرات الثلاث تفترض لمُسمّاها مفهوماً أعمق مما هو عليه، فالصدق ليس الصدق العادي لكنه صدق الصدق، والوطن ليس الوطن بما هو عليه لكنه الوطن المشتهى، الكتابة ليست كل كتابة ولا هي أي كتابة، فالتكرار يفترض كتابة أكثر عمقاً وصدقاً وجوهرية.

ستواجهنا في المجموعة نصوص شوكية تنغرز في أصابعنا وفي عيوننا، ذلك أنها تصور مأساة الشاعر حين يحاول أن يتنفس بجرعات كبيرة، وهو يعي حجم التلوث الإنساني المحيط به، فلم يعد الشاعر راعياً يقف على زَبِيْرٍ في تهامة أو حيد في الجبال يسرّح نايه ويغني لقطعانه وللغدران والعيون فيما شعره المفرود على كتفيه يعبق بروائح المُغَيْبِراء والوزّاب .

الشاعر اليوم، أوقات طويلة من المعاناة يخاتل الحياة لحظة بلحظة، إن تخلص من وجع العيش فلن يتخلص من وجع الأصدقاء. فثمة دائماً من يرى في تألق الشاعر وحشاً يشكل خطراً عليه، مثل هذه الأوجاع لا تغيب أبداً عن نصوص المبدعين المميزين. وكأن الوجع من هذا النوع ضريبة لا بد من دفعها.

أترجَّلُ عن صهوةِ الليلِ

لا لأُنَصِّبَ قلبي

نبيًّا على مغربِ الشمسِ،

أو لأُعِيدَ المرايا لمهنةِ تلميعِ وجهِ الغيابِ،

ولكن لأنَّ يَدِي

ملأَتْ كلَّ صحراءَ وردًا،

وكلَّ فمٍ خبزةً

ونبيذًا

وفاكهةً

وغناءً،

وعادَت مُجرَّحةً بسيوفِ الأنا / الوهم،

مملوءةً بالرماد

إن أهم ميزات هذه المجموعة تتجلى في عدم التمايز بين نصوصها بأشكالها المختلفة، من حيث الجودة، ومن حيث كونها جميعاً، ترتقي فوق مستوى العادي فلا تهافت، ولا استسهال، حتى التكرارات تبدو ضرورية لتأكيد توجهات الاشتغال من نص إلى آخر، ومن شكل عمودي إلى تفعيلي أو إلى منحاز للنثرية بقدر كبير من التحرر من المقولات النقدية والموجهات العمياء.

لقد أعطى الشاعر نصوصه فرصة كافية لتكون هي الأخرى شعر الشعر فلم يعد ما يكتبه تهيّجاً بالشعر، لقد صار الاشتغال نوعاً من الاسترخاء في أحضان الشعر، حيث الفرصة أكبر وأعمق لمعاشرته وكتابته بطريقة أفضل.