المطيباتية في الأدب والفن والسياسة

تجميل الصورة

في مسلسل عن حياة اسماعيل ياسين، يتفق صاحب الفرقة الغنائية معه، على مبلغ محدد يدفعه له كل ليلة، مخصوم منه أجرة المطيباتية الذين سيهللون له ويمتدحون غنائه وهو يغني.

ولدى عدد كبير من تسجيلات الغناء القديمة، واضح فيها صوت المطيباتية الذين يحرصون على ذكر اسم المغني أو العازف من وقت لآخر ومدحه، وهؤلاء كانوا لا يعملون لوجه الله، وإنما مقابل أجر محدد، يتفق به صاحب الفرقة معهم، وإذا غضب صاحب الفرقة الغنائية على مطربه، أو مطربته، ويريد إزاحتهما، يبدأ بحرمانهما من تهليل ومدح هؤلاء المطيباتية، وكان المطرب أو المطربة عندما لا يجد المطيباتية، يتوقع شرا من صاحب الفرقة الغنائية، فمعناه إنه نوى على طرده والتخلص منه.

وأسوأ هؤلاء المطيباتية، هم الذين يحضرون الاحتفالات الدينية، فيهللون للمشايخ الكبار أمثال مصطفى إسماعيل وعبدالباسط عبدالصمد والطبلاوي وغيرهم، فصراخهم ومدحهم لا يتناسب مع قدسية وعظمة القرآن الذي يتلى.

ومطرب حديث تعمل معه مجموعة من الشبان والشابات فما أن يظهر على المسرح حتى يقوموا، بالهتاف له، وفتيات تتظاهرن بالإغماء عند رؤيته من شدة تأثيره عليهن.

والظاهر أن حالة هذا المطرب المالية والفنية لم تعد على ما يرام، فقد قرر الاستغناء عنهم، ومنع رواتبهم الشهرية التي يحصلون عليها، فهددوا بتقديم شكوى ضده في مكتب العمل، مطالبين بمكافآت أو معاشات، فهم كانوا يعملون عنده، مثل أي عمال في مصنع أو شركة.

وهناك نوع آخر من المطيباتية، يقومون بتجميل صورة بعض الأشخاص دون ثمن، ولوجه الله. فقد رأيت هؤلاء كثيرا في الندوات الأدبية، تجدهم يثنون على كل الجالسين على المنصة، والمبالغة في مدحهم، ووصفهم بأشياء ليست فيهم.

ونوع آخر، يتطوع للدفاع عن شخصيات لم يقابلها ولم يرها في حياته، فيحكي المطرب محمد رشدي - بمرارة وأسى - بأنه كان ضمن مجموعة من الفنانين الذاهبين للمغرب، ضيوفا على الملك الحسن، فيأتي الصحفيون من المجلات والصحف الفنية لاجراء حوارات معهم، والتقاط صور لهم في الطائرة، ويفاجأوا في اليوم التالي، بصور لعبدالحليم حافظ وحده وحوارات معه وحده، وكأنه هو الوحيد المسافر للمغرب.

ويحكي المطرب كمال حسني بأنه كان صاعدا لمبنى الإذاعة والتليفزيون، فقابله عبدالحليم حافظ على السلم، فرحب به، وضمه لصدره وقبله وربت ظهره مشجعا. بينما الملحن محمد الموجي يقف في أعلى متابعا للمشهد وهو يبتسم في دهشة. وعندما وصل كمال حسني للموجي سأله: بتضحك ليه؟

فقال: مستغرب من مقابلة عبدالحليم حافظ لك بهذه الحميمية، وهو من دقائق كان غاضبا مني ومعنفا لي لأنني لحنت لك.

بل يحكي كمال حسني بأن عبدالحليم حافظ ذهب بنفسه لمقابلة رئيس مجلس إدارة البنك الذي يعمل – كمال حسني – به، وبعدها بدأ رئيس مجلس الإدارة "يزنَّق" عليه، ويضيَّق عليه، حتى لا يجد الوقت الكافي للإهتمام بموهبته الغنائية.

لكن المطيباتية يؤكدون ويقسمون أن عبدالحليم كان يشجع المواهب الجديدة ويناصرها، وكل ما ينشر من وقوفه عقبة في طريق مواهب الغناء التالية له، كذب وافتراء.

ومن المعروف أن خلافا حدث بين عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، وتصاعد هذا الصراع بخصوص حفل شم النسيم السنوي، فكلٌّ منهما يريد أن ينفرد بإحيائه وحده، لدرجة أنهما غنا في نفس الليلة في مكانين مختلفين. لكن المطيباتية يقسمون ويؤكدون أن كل هذه أوهام، وفريد وعبدالحليم كانا متحابين وزي السمن على العسل.

وقد دعا فكري أباظة من موقعه بدار الهلال بإقامة مشروع أم كلثوم الخيري، ودعمه حمدي عاشور وزير الحكم المحلي في ذلك الوقت، وانتشرت الإعلانات في الشوارع والصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون على المشروع الكبير: إقامة مستشفى لعلاج الفقراء، وإقامة مشغل وحضانة، وخدمات اجتماعية أخرى. فقد كانت أم كلثوم أهم سيدة موجودة في مصر في ذلك الحين، فقد قامت بعد هزيمة حرب 67 بدور وطني رائع، جمعت التبرعات للمجهود الحربي، وأقامت الحفلات الغنائية في مصر والبلاد العربية والأوربية، فالسيدة تحية كاظم – زوجة جمال عبدالناصر – لم تحرص على الظهور في الحفلات، وافتتاح المشاريع، ولم تكن مصر قد عرفت نظام السيدة الأولى كالمتبع في أميركا ودول أخرى أوروبية. لكن موت عبدالناصر المفاجئ، وصعود السادات للحكم، جعل زوجته السيدة جيهان السادات تطمح لأن تكون هي سيدة مصر الأولى، فتفتتح المشاريع وتظهر في أجهزة الإعلام، وتتدخل في سياسة الدولة داخليا وخارجيا.

فأزاحت أم كلثوم عن طريقها وحلت محلها، فتم إزالة كل إعلانات مشروع أم كلثوم الخيري من الشوارع وأجهزة الإعلام، وحل محله إعلانات مشروع جمعية الوفاء والأمل، وظهر في مصر لأول مرة، ظاهرة السيدة الأولى.

ويحكون عن قصة انتشرت وقتها، ورددها الكثير، بأن السادات كان صديقا مقربا من أم كلثوم خلال حكم عبدالناصر، وكان يطلب منها – أحيانا - التدخل لدى جمال عبدالناصر ليفوز السادات بأشياء يريدها، وكانت ما أن تراه، تصيح فرحة: "أهلا يا نورة".

لكن السيدة جيهان لم يعجبها هذا، فهي تريد أن تبعد أم كلثوم عن الصورة، لكي تكون هي محط اهتمام الجميع، فصاحت بها أمام الجميع:

- إيه نورة دي، ده رئيس الجمهورية.

فأحست أم كلثوم بالإحباط والأسى، وابتعدت، وبدأت نهايتها الفنية والشخصية.

لكن المطيباتية يؤكدون أن هذا الكلام لا يخرج عن كونه كلام قهاوي، وإن أم كلثوم وجيهان السادات كانتا على وفاق ووئام.