سينما يوسف شاهين .. تعيد تفسير الواقع والتاريخ الإجتماعي

ممارسة سياسية وثقافية

"ليس هناك صانع سينما آخر في تاريخ السينما العربية، شهد وتأمل ثم صور في أعماله أوجها كثيرة جدا للتغيرات والهبات في العالم العربي المعاصر مثل صانع الأفلام المصري يوسف شاهين. كما لا توجد سيرة مهنية لصانع أفلام آخر مثل سيرة شاهين امتدت إلى ما يقرب من ستين عاما، وجذبت مثل ذلك الإهتمام بين نقاد السينما الغربيين ودوائر المهرجانات السينمائية الدولية".

هكذا يقرر مالك خوري بيقين – وفي أول فقرة من كتابه "المشروع القومي العربي في سينما يوسف شاهين"، الذي ترجمه حسن بيومي (وصدر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة) أهمية وتميز سينما يوسف شاهين فيكشف عن سبب إختياره لها ليدرسها في كتابه.

أما الهدف من الدراسة فهو إعادة وضع علاقة شاهين بالسينما في بيئتها ومصادرها وجمالياتها العربية، وفي السياق الخاص بالمشروع القومي العربي، فهو "يركز على كيف ساهمت أعمال شاهين باتساق في هدم أسطورة الهوية القومية العربية المتجانسة، وفي الوقت ذاته تعيد بناء مفهوم الأمة والهوية القومية العربية باعتبارها مفهوما غير متجانس ومكمل لمشروع التحديث طويل المدى". فأعماله تشمل أربعة وأربعين فيلما تجسد فحصا ثريا ونقديا للتاريخ السياسي والثقافي والإجتماعي في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين.

• مشروع غير منجز

يضع الكتاب سينما شاهين تاريخيا داخل نطاق المشروع القومي العربي، إضافة إلى وعيه بتطور سينما شاهين وكيفية عكسها للنضالات الأيديولوجية والإجتماعية والسياسية في أربع فترات تاريخية حاسمة.

يبدأ بفصل يتعامل مع المشروع القومي العربي باعتباره مشروعا غير منجز، ومسعى لم يتم، ويدرس سينما ما قبل يوليو 52، المتزامنة مع بدايات سينما شاهين، بعده يتناول أفلام شاهين في الخمسينيات واهتمامه المبكر بقضايا التغيير الإجتماعي وكيف تناول ذلك في أعماله، وكيف التقت السينما الشعبية عند شاهين بأفكار نضال ما بعد الإستعمار والوحدة العربية، وهي الأفلام التي شكلت شهرته باعتباره مؤيدا للتضامن العربي ولثورة عبدالناصر، ومن أشهر أفلام هذه المرحلة: "الناصر صلاح الدين"، في سياق عزز اعتباره فيلما سياسيا، فبينما انطلق مشروع شاهين من دافع شخصي لتقديم ملحمة تاريخية شبيهة بملاحم هوليود، فإن مغزى الفيلم يظل ملتزما بالخطاب السياسي لعصره.

مثل الفيلم بداية قوية للتطورات التقنية الخاصة بمشروع سينمائي عربي جديد، كما مثل تعبيرا قويا عن السينما في وقت دار فيه خطاب التحرر الوطني حول تقرير المصير، فالفيلم يعيد تقديم التاريخ وعينه على الحاضر "فلم يكن تعامل شاهين مع التاريخ بغرض تقديم الأحداث التاريخية بل كان يستخدمها كعدسات على الحاضر، وبهذا المعنى تنشأ ملاحمه كقصص رمزية".

لكن بعده عكس فيلم "الناس والنيل" نقطة تحول أخرى في مسيرة شاهين، حيث لعبت رؤيته الذاتية للأحداث دورا في تعريفه السينمائي لها. فالفيلم يعكس رؤيته للمشروع القومي برسمه صورة غير متجانسة للمجتمع المصري، كما أنه قدم صورة بديلة للأمة تجاوزت الرؤية الرسمية للوحدة الوطنية، فأظهر خاصيتي التنوع والوحدة معا.

أما فيلم "الأرض" فعاد فيه شاهين إلى اهتمامه القديم قبل ثورة يوليو بقضايا الفلاحين، وإذا كانت القصة الأصلية مروية بضمير المتكلم لراو واحد فإن الفيلم أظهر وجهات نظر متعددة تتيح له التركيز على الجوانب البصرية لبيئة أحداث الفيلم، كما أن كل شخصية في الفيلم توظف كامتداد لفعالية طبقية واجتماعية وثقافية، بما يعكس تعقد الحياة في القرية، ويعكس صور مقاومة الفلاحين لهيمنة الإقطاع، وقد أظهر الفيلم مدى تطور الإلتزام السياسي لشاهين مع نجاحه في الإرتقاء بالسينما الواقعية العربية.

• المخرج الضال

أحدثت هزيمة 1967 تغييرات سياسية تلمسها شاهين في ثلاثية أفلام الهزيمة، وهي تضم "الإختيار" و"العصفور" و"عودة الإبن الضال"، يقارن شاهين بينها وبين فيلم "الأرض" فيقول: "الأرض عن قصة رجل يختار المقاومة ويرفض الإستسلام، بينما فيلم الاختيار يتناول قصة رجل يقرر الاستسلام ويقبل بالهزيمة، لكنه بمرور الأيام يكشف عن خيانته لذاته بتسليم روحه لانفصام الشخصية".

زادت حدة التغييرات بالرحيل المفاجىء لجمال عبدالناصر، وقد مثلت الفترة التالية مباشرة لرحيله مرحلة جديدة بالنسبة للصناعات الثقافية، ومرت السينما المصرية بأزمات ناتجة عن انحسار عدد دور العرض إضافة للتأثير المتزايد للتليفزيون، فلجأ البعض للإنتاج الأجنبي كما فعل شاهين في فيلميه "العصفور" و"عودة الإبن الضال"، وهي التجربة التي عاد لها مع أفلام "وداعا بونابرت" و"اسكندرية كمان وكمان" وفي أفلام أخرى تالية.

ورغم منع عرض فيلم "العصفور" في مصر وهجوم الدوائر اليمينية عليه إلا أن الفيلم مازال يحظى بتقدير كبير ومنذ عرضه فى مهرجان سينمائي بلبنان في سبتمبر/أيلول 1973 وقد اعتبره الناقد على أبوشادي بداية مرحلة جديدة في تطور لغة شاهين السينمائية، خصوصا فيما يتعلق باستخدامه لزوايا تصوير غير مألوفة، وطريقته في تطوير الشخصيات وتوظيفها رمزيا إضافة إلى الإستخدام الفعال للموسيقى.

أما من حيث المضمون فقد مثل الفيلم أول محاولة سينمائية عربية جادة للتعامل مع آثار الهزيمة. وقد اعتبره نقاد غربيون تعبيرا عن خيبة أمل شاهين في ثورة عبدالناصر إلا أن المخرج نفى ذلك مؤكدا على أن نقده من داخل الثورة لا من خارجها.

وعموما مثّل الفيلم استهلالا لمرحلة جديدة في سينما شاهين، حيث إنه أدخله مرحلة الاستقلال المؤسساتي عن الحكومة المصرية، وهو الأمر الذي أصبح عنصرا مكملا في الأفلام التالية للمخرج. وأولها "عودة الإبن الضال" الذي عكس قلق صانعه إزاء ما يحدث في مصر من تغييرات سياسية وإجتماعية، أما أسلوبيا فقد ابتعد الفيلم عن تقاليد السينما الشعبية مصريا وعربيا، فقد مزج بين أنماط الفيلم الموسيقي والفيلم البوليسي، وهو مبني على التعبير التصويري للشخصيات والأحداث المتحقق من خلال مونتاج قلق وإضاءة غير طبيعية وميزانسين تجريدي.

وفي أواخر السبعينيات مزج شاهين بين الذاتي والتاريخي في "إسكندرية ليه"، وبدأ في تقديم معالجات سياسية وجمالية جديدة لقضية الهوية القومية العربية. فالفيلم الذي مثل أول سيرة ذاتية سينمائية عربية، وتلاه "حدوتة مصرية" و"إسكندرية كمان وكمان"، ففي الفيلم الأول صور الحلم بالثورة، وفي الثاني قرن أزمة الثورة بأزمته الصحية بينما الثالث قدم صورة للصراع من أجل الديموقراطية.

وفي ثلاثتهم قدم معالجة لفكرة الاختلاف الديني داخل المجتمع العربي، في محاولة لفهم كيفية تشكل الهوية والإختلاف الثقافي في التاريخ العربي.

وهكذا تكشف فصول الكتاب عن فهم يوسف شاهين لصنع الأفلام على أنها ممارسة سياسية وثقافية تعيد تفسير الواقع والتاريخ الإجتماعي من خلال إحساسه بالهوية العربية، والمشروع القومي العربي ذاته باعتباره مشروعا غير منجز أيديولوجيا وسياسيا. (خدمة وكالة الصحافة العربية).