ماركيوز في مناقشته لهيجل: الحياة من حيث إنها تاريخ وفي طابعها التاريخي تصير روحا

هيجل تناول كل مقولة من زاوية مكانها في تطور المعرفة

يهدف كتاب "نظرية الوجود عند هيجل أساس الفلسفة التاريخية" - وهو أحد أهم كتب الفيلسوف والمفكر الألماني الأميركي هربرت ماركيوز - إلى عرض الاتجاه الأصلي للأنطولوجيا فيما يتعلق بالمفهوم الأنطولوجي للحياة وبتاريخيتها، والمنطق ونظرية المعرفة عند الفيلسوف هيجل أهم مؤسسي المثالية الألمانية في الفلسفة في أواخر القرن الثامن عشر، وذلك باعتبارها أساسا نظريا لفلسفة التاريخ حيث تختلف نظرية الوجود "الأنطولوجيا" عند هيجل عنها عن سابقيه من الفلاسفة.

ويوضح الطريقة التي كشف بها هيجل عن بعد الطابع التاريخي في فلسفته وقام بتنميته، والافتراضات المسبقة لنظرية التاريخية الراهنة. كما استهدف تفسير الدعوى التي تذهب إلى مشكلة الخصائص الأنطولوجية للتاريخية تتطلب الغوص في دراسة الأنطولوجيا الهيجلية.

الكتاب - الذي صدر عن دار آفاق - ترجمه وقدم له وعلق عليه المفكر والناقد إبراهيم فتحي مؤكدا أن الإسهام الهيجلي من حيث نواته العقلية ماثل هنا حقيقة باقية، حقيقة أن التعيينات الأنطولوجية للواقع، أي المقولات التي تصف الواقع باعتباره كلا، وحركته وتطوره ليست مبادئ جاهزة نهائية بل هي معرفة متطورة بالعالم.

وتلك المعرفة عملية تاريخية، ومقولاتها لا تشير فقط إلى النشاط المعرفي للذات الإنسانية بل تشير أيضا إلى الوجود الموضوعي، فنظرية المعرفة ومقولاتها تصف موضوع المعرفة في عين الوقت، فالمعرفة والحقيقة ليست تسجيلا أو استنساخا للموضوع، بل كشفا عن ماهيته التي تحيط بها المفهومات وتشكلها المفهومات.

وأضاف فتحي أن هيجل تناول كل مقولة من زاوية مكانها في تطور المعرفة آخذا في الحسبان المستوى التاريخي للمعرفة "نسبيتها" ثم نجده في كل ذلك يدرس كل مقولة من حيث مكانها بين المقولات الأخرى ومن حيث علاقاتها بها. وعند هيجل ليست الأشكال المنطقية وظائف صورية للتفكير فحسب "فقد كان الكشف عن ذلك الطابع الصوري لحظة خصبة في التطور الفكري وإنجازا عظيما بالرغم من أن المنطق ليس علما بالأشكال الذاتية والقواعد الذاتية للفكر الإنساني، وبالرغم من أن تلك الأشكال والقواعد ليست محايدة بالنسبة إلى مضمونها" بل إن تلك الأشكال الصورية للفكر هي ذاتها مناظرة للحقيقة، وهي في تدرج مراتبها تلخيص لتاريخ الفكر ولتطور الوجود في آن معا.

وفي مدخله للكتاب أكد هربرت ماركيوز على سعيه إلى استخلاص وتحديد السمات الأساسية للتاريخية "للطابع التاريخي" وقال: التاريخية هي صفة ما يعين ويحدد نطاق "التاريخ" بما هو ذلك "بالتقابل علي سبيل المثال مع الطبيعة أو الاقتصاد". وتدل التاريخية علي المعني الذي نقصده حينما نتكلم عن أحد الأشياء قائلين: هذا الشيء له وجود تاريخي، فهي تدل علي معني هذا الوجود، معنى الوجود لما هو تاريخي. وهكذا فالمشكلة بالنسبة للتاريخي هي النمط الذي يوجد وفقا له.

ولا يتعلق الامر بالتاريخ كعلم أو كموضوع يدرسه العلم ولكن بالتاريخ من حيث هو نمط للوجود. فالمشكلة تتعلق بتوجيه السؤال إلى هذا الوجود عن نشوئه وعن حركته، وليس هذا السؤال تحكيما، وهو فوق ذلك قد سبقت الإشارة إليه في كلمة تاريخ. فما هو تاريخي تتحقق عملية نشوئه علي نحو معين، فالتاريخ كنشوء وحركة هو المشكلة المطروحة وسنعتبر أن نمطا معينا للحركة هو المقوم لوجود ما هو تاريخي. ولا ترمي هذه الإشارات إلا الي تقديم رسم تخطيطي لمفهوم التاريخية لاعطاء فكرة أولية عن اتجاه هذا الاتجاه.

ويمضي ماركيوز في كتابه متسائلا كيف أقام هيجل مفهوما جديدا للوجود في مناقشته لكانط، فالمعنى الأساسي للوجود الذي يعرف في البداية مفهوم الوجود هو الوحدة الأصيلة للتضادات بين الذاتية والموضوعية، بين "الوجود لذاته وبين الوجود في ذاته، الوجود الذي يوضع في المقابل أي الموضوع".

وأضاف: بمقدار ما فهم هيجل هذه الوحدة بوصفها وحدة موحدة، وأدركها بوصفها عين نشوء الموجود "عملية تكون الموجود نفسها" فإنه يعترف بالحركة بوصفها طابعا جوهريا للوجود، وعلى هذا الأساس تتطور مناطق أنحاء الموجود المتباينة باعتبارها أنماطا كثيرة لقابلية الحركة "للوحدة الموحدة" وتقوم كل منطقة بحركتها الأكثر أصالة وحقيقة، ويفسر هيجل هذا النشوء بأنه الصفة الأنطولوجية لمقولات المنطق التقليدي، وهكذا يلخص هيجل تاريخ الموجود بأنه نشوء لا يوجد فيه إلا الموجود على وجه العموم.

ويرى ماركيوز أن ثمة فكرة محددة تقود بدورها هذا التطور: فكرة قابلية الحركة، الفكرة الأكثر أصالة التي تحقق وتكمل وحدها معنى الوجود، الحركة التي هي وحدة موحدة حقيقية والتي يكتمل فيها نتيجة لذلك تاريخ الموجود، فالوجود المفكر، أي المفهوم، يتأسيس بوصفه هذه القابلية للحركة وهو نتيجة لذلك الوجود الحق دون منازع. ويوضح هيجل من الآن فصاعدا أن تاريخ الموجود لا يصل إلى تمامه إلا مع وجود "الحياة" حيث يوجد الموجود بوصفه كذلك وجودا فعليا في حقيقته، فالحياة هي الشكل الأول والمباشر للفكرة، والمفهوم متحققا تحققا فعليا في حريته وحقيقته، وتوجد الحياة باعتبارها وحدة الذاتية والموضوعية، بحيث تصبح هذه الوحدة بالنسبة إليها "أساس وماهية" الموجود. وعلى هذا المستوى وحده تستطيع فكرة الحياة أن تقدم الوحدة الموحدة الحقيقية في النشوء الحر للمفهوم وتستطيع فكرتا المعرفة والمعرفة المطلقة أن تنفصلا عن الحياة باعتبارهما أعلى أشكال الفكرة.

يشير ماركيوز إلى أن المفهوم الأنطولوجي للحياة هو الذي تكشف له بوصفه الفكرة المركزية عند هيجل، والتي ولدت منها إشكالية الطابع التاريخي، والحقيقة الماثلة في أننا بهذا المفهوم لم نصل إلى اعتبار نمط متعين للوجود ومنطقة متعينة للموجود موضوعا رئيسيا فحسب، بل أبرزنا المسألة الشاملة مسألة معنى الوجود في اتجاه معين.

ويقول: إن الحياة بوصفها وسطا للموجود وبوصفها جوهرا له لا تستطيع أن تتقوم إلا في فعل "قلب وتحويل" عرف هيجل أول شكل له بأنه العمل Arbeit والنتيجة الحاسمة الثانية للعلاقات بين السيد والعبد هي تأسيس ذلك العمل في الاعتراف المتبادل بين وعي ذاتي ووعي ذاتي آخر مختلف، أي في الـ "نحن" العينية لهذا العمل. وفي اتحاد مع التوسط بين "الأنا المحض" والموضوعية المحضة كان قد وقع التوسط الأول بين أفراد مختلفين في جدل السيد والعبد، وهو توسط رفعهم إلى مستوى وحدة الحياة وشمولها.

والآن لم يعد الأفراد لذواتهم على نحو مباشر هم ذوات نشوء الحياة بل وحدة أولى، وكلية أولى من الوجود للذات، يخضع لها الأفراد وهم يتبادلون الاعتراف بعضهم ببعض. ومن غير المجدي أن نبرز أن هذا التوسط لا يوحد أفرادا معزولين في المباشرة بل لا ينتج نفسه بالأحرى إلا على أساس من تركيب أصيل "ابتداء من الأصل" على نحو مباشر، يجمع الأنا والموضوعية، والأنا والأنا".

ويوضح ماركيوز أن فكرة الحياة هي عملية مطلقة يحتفظ فيها كل ما "جملة ما" بذاته باعتباره كلا داخل تغاير لحظاته، وذلك بمقدار ما يكون الكل متجها نحو لحظاته، وداخلا في علاقتها معها، وفي هذه العلاقات "الروابط أي هذا الحفاظ" تتألف الحياة في كليتها "في جملتها" بوصفها "وحدة سالبة" للحظاتها، بوصفها وحدة لا وجود لها إلا داخل التئام شمل تلك اللحظات بواسطة "التجاوز". ولكن تلك الوحدة السالبة هي بالمثل "وحدة موجبة" لأنها هي نفسها "الوجود الضمني الدائم الباقي" لهذه اللحظات وليست منفصلة عنها. وهذه اللحظات تتساوى جميعا في قيمتها بالنسبة إلى وحدة الحياة، فالحياة هي كليتها جميعا.

ويخلص ماركيوز إلى القول بأن جملة الحياة ووحدتها الداخلية من حيث إنها تاريخية، وفي طابعها، هي جملة ووحدة المعرفة، كما أن ما تقوم به هذه الحياة التاريخية من عمل إنما يتحدد من حيث الجوهر بهذه المعرفة. ويمكن القول كذلك على وجه التحديد بأن الحياة من حيث إنها تاريخ وفي طابعها التاريخي، تصير روحا.