ضبابية حكومية تزيد مخاوف إلغاء الدعم الاجتماعي في الجزائر

غياب الوضوح يثير توجس الفقراء

الجزائر ـ لأيام قليلة انطفأت جذوة الجدل الدائر في الجزائر حول عزم الحكومة إلغاء سياسة الدعم المقدم للفقراء رغم تأكيد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الإبقاء على سياستها الاجتماعية لدعم الفئات الفقيرة.

لكن سرعان ما عاد الجدل للمربع صفر، عقب خروج وزير المالية عبدالرحمن راوية للمرة الثانية خلال وقت سابق من الشهر الجاري، مؤكدا أن سياسة رفع الدعم ليست سوى مسألة وقت فقط.

في 24 فبراير/ شباط الماضي أكد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في رسالة له، أن "الدعم الحكومي للفقراء أمر لا يمكن التراجع عنه رغم تبعات الأزمة النفطية".

خمسة أيام بعد ذلك، وخرج وزير الخزانة المالية عبدالرحمن راوية في تصريحات بمجلس الأمة (الغرفة ثانية للبرلمان)، مؤكدا أنه لا مفر من رفع تدريجي لسياسة الدعم الحكومي، التي قال إنها ستتم وفق شروط.

يؤكد قيادي بارز في حزب العمال (يساري معارض) ، أن الحكومة بدأت بالفعل في التخلي عن واجباتها تجاه الفقراء، بينما يشدد قيادي بجبهة التحرير الوطني أكبر أحزاب الإتلاف الحاكم، أن كل ما قيل حول تخلي الدولة عن الفئات الفقيرة لا أساس له من الصحة.

أشكال الدعم

يقدر الخبراء الاقتصاديون عدد المستفيدين من سياسة الدعم الحكومية بنحو 10 ملايين جزائري (من إجمالي سكان البلاد البالغ عددهم نحو 42 مليون نسمة).

تشهد الجزائر منذ 2014 أزمة اقتصادية جراء انهيار أسعار النفط، الذي يشكل أكثر من 95 بالمائة من مداخيل البلاد من النقد الأجنبي، كما أن الموازنة العامة للدولة تعتمد على نحو 60 بالمائة من هذه الموارد المالية.

وتخصص الجزائر أموال الدعم المقدرة في قانون الموازنة لسنة 2018 بنحو 17 مليار دولار، لعدة قطاعات وفئات، ويتوزع ما بين دعم مباشر بمبالغ مالية للمعنيين به، وغير مباشر بتحمل الدولة لفارق سعر تسويق المنتجات الواسعة الاستهلاك.

ويبرز قطاع الإسكان، حيث يتم توفير مساكن مجانية للفقراء الذين لا يتعدى دخلهم الشهري 24 ألف دينار (240 دولار تقريبا)، بحسب مراسل الأناضول.

وتطبق السلطات الدعم في قطاعات الصحة والتعليم، من خلال مجانية الاستفادة منهما، إضافة لدعم الفقراء في رمضان (منتجات غذائية).

ويشمل الدعم أيضا مبالغ مالية شهرية تقدم لذوي الاحتياجات الخاصة والأرامل والنساء من ربات المنازل، والمواطنين محدودي الدخل (بين 50 إلى 100 دولار شهريا).

وكشف وزير التجارة محمد بن مرادي في مقابلة مع وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، مؤخرا، عن خطة عمل للحكومة لتوجيه الدعم فقط إلى الفئات المحتاجة.

وذكر بن مرادي في المقابلة التي نشرت بتاريخ 6 فبراير/ شباط الماضي، أن مصالح وزارته تسعى لاستخدام وسيلة دفع تضمن وصول الدعم لمستحقيه على غرار الصكوك المالية.

وأشار بن مرادي إلى أنه سيتم تحديد بطاقية (قائمة) وطنية للأشخاص والعائلات المحتاجة التي يمكنها الاستفادة من دعم الدولة، وستحدد بالتعاون مع وزارة الداخلية وصندوق التأمينات الاجتماعية (حكومي) ومديريات التضامن الوطني عبر محافظات البلاد.

وزير الداخلية الجزائري نور الدين بدوي، خرج بتصريحات متناقضة تماما مع وزيري التجارة والمالية، وقال في 13 فبراير/ شباط الماضي خلال تصريحات صحفية، إن الرئيس بوتفليقة "وجه تعليمات لمواصلة سياسة الدعم الاجتماعي رغم الظرف الاقتصادي الصعب".

بدوره نفى رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيي في تجمع شعبي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي (ثاني أحزاب الائتلاف الحاكم) في 16 فبراير/ شباط الماضي بمحافظة بسكرة (جنوب)، توجه الحكومة لرفع الدعم عن الفئات الفقيرة والضعيفة.

ردود فعل

وتفاعل الجزائريون بشكل سريع مع تصريحات وزراء الحكومة بخصوص سياسة دعم الفقراء، سواء عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر وسائل الإعلام على اختلافها.

وعلقت صحيفة الخبر (خاصة) على مساعي السلطات بالقول "الحكومة ترفع يدها عن الدعم"، مشيرة إلى أن الخطوة التي كانت مجرد فكرة في 2014 بصدد تجسيدها على أرض الواقع".

ووفق ذات الصحيفة فإن الحكومة "بررت مساعيها بتخفيف الضغط عن عجز الموازنة العامة التي تشكل أموال الدعم نحو 30 بالمائة منها".

وغرد أحد نشطاء الفيسبوك ويدعى أسامة لؤي بالقول "صندوق النقد الدولي يقترح على الجزائر رفع الدعم عن الوقود وتخفيض الأجور..ماذا تحمل لنا أيها المستقبل؟".

مع دخول الاقتصاد الجزائري في الأزمة المالية عقب تهاوي أسعار النفط، أوصى صندوق النقد الدولي الجزائر أكثر من مرة بضرورة إدخال إصلاحات عاجلة على الاقتصاد، منها المضي قدما في مخطط رفع الدعم عن السلع والخدمات.

وقال المدير العام بالنيابة للوكالة الوطنية للتنمية الاجتماعية، في وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، الهادي عوايجية، للإذاعة الجزائرية الحكومية، إن الوكالة تتكفل بأكثر من مليون و100 ألف شخص عبر مختلف برامج الدعم.

وانقسمت آراء الطبقة السياسية الجزائرية بخصوص مساعي الحكومة لإعادة النظر في السياسة الاجتماعية ودعم الفقراء، بين مؤيد ومعارض.

ويرى حزب العمال (يساري) أن الحكومة بخطوتها المقلقة هذه، قد بدأت فعليا في التخلي عن واجباتها وسياستها الاجتماعية تجاه الفقراء في الجزائر.

وذكر القيادي بحزب العمال رمضان تاعزيبت "أنه من شأن مساعي الحكومة أن تكون لها تداعيات خطيرة وردة فعل قوية من طرف السكان.

ووفق المتحدث فإن الحكومة مطالبة بإحصاء الأغنياء وفرض ضريبة الثروة عليهم، وليس إحصاء ملايين الفقراء والمساس بالدعم الاجتماعي الموجه لهم.

أما جبهة التحرير الوطني أكبر أحزاب الإتلاف الحاكم فترى أن سياسة دعم الفقراء مستمرة وهي مكرسة من طرف رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة.

وذكر مسؤول الإعلام بجبهة التحرير الوطني الصادق بوقطاية بأن كل ما قيل بتخلي الدولة عن الفئات الفقيرة والضعيفة لا أساس له من الصحة.

وأشار المتحدث إلى أن رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة أكد قبل أيام فقط على ضرورة استمرار والمواصلة في سياسة الدعم الاجتماعي للفئات الفقيرة والضعيفة.