'أصدقاء' حبيب السامر .. والرقص المنفرد

فرصة مؤاتية كي أحصي عدد أصدقائي

أتوقفُ مع المسار الذي اختطه الشاعر المبدع حبيب السامر لعموم تجربته الشعريّة، ولنصه الذي أشرع بقراءته الآن وهو "أصدقاء" الذي جاء على شكل مقاطع، ولكل مقطع منها عنوان مختلف، ولعل نص "أصدقا"ء هو الذي بدأ به الشاعر من خلال رؤية تأمليّة تستند إلى الواقع، وتشكّل منه الفكرة غير التقليديّة للجانب الإنساني والاجتماعي وعلاقاتنا جميعا مع الآخرين، وباختزال النص وكيفيّة عدّه للأصدقاء كصورة مبسّطة عميقة دالة تكمن شعريّة هذا المسار الواقعي المموه من المسارات الفنية لقصيدة النثر. يقول الشاعر حبيب السامر:

مرة تلمست أصابعي

وبدأت أعدها

فرصة مؤاتية

كي أحصي عدد أصدقائي

كان أحدهم يتكرر أكثر من مرة

وأنا أعدهم

وأكرر العد

يتكرر

لماذا أنت أكثر من واحد

على مقدمات أصابعي

يتكرر الحلم

والمطر النازل على هامات أصابعي

يغسل أحد الاصدقاء

............................

هنا، نقرأ تمويهاً دلاليّا، فالأصابع يقين ثابت في جسدنا، وعددها واضح، لكن الشاعر وضعها هنا أمامه، لينهل منها رؤيته، ساعيا لاقتناص فكرته من تمرّد إصبع على لعبة إحصائه، وهذا التمرّد يشكل اللحظة المشحونة بسرّ الشعر، الذي يجد فيه الشاعر إغراء في البوح، والتأمل، وبالتالي لفصل الأصابع وأنسنتها.

وهنا تتضح مهارة الإشتغال الفني، في انسياب القطعة المنثورة، التي تبدأ بنسق حكائي سردي ممهد لرحلة ذات طرافة ومرارة أيضا، فهو يقول "مرة ....." تلمستُ أصابعي، واللمس بالأصابع أيضا، لكنه لم يقل تلمّست أصابعي في يدي اليسرى مثلا، أصابعي في اليد اليمنى، وهنا تصبح الدلالة تقريرية مباشرة، لكنه قال، تلمستُ أنا، أصابعي، وهنا تكمن العملية الشعريّة، التي صنعت أفقا تعبيريا قاد المعنى باتجاه آخر، لتولّد سؤالاً قرائيا لدى المتلقي، وهو كيف، وبماذا تلمّس الشاعر أصابعه، إذن هي لوحة، فالأصابع ليست أصابع مجردة، والتلمّس لم يأتِ بحاسة اللمس المعروفة، وبما أن الحديث عن أصدقاء، فهم إذن إزاء تصورين الأول أنهم قلة، بعدد أصابع اليد الواحدة، والثانية أن الرائي متعلّق بهم فهم لا ينفصلون عن الكف، المفترضة أيضا، وبهذا يضعنا الشاعر ببساطة متناهية أمام لوحة متحركة تبدأ باستهلال مألوف، لكنها سرعان ما تمضي إلى تعبيرات متنوعة تعطي للنص الشعري قيمته الفنيّة.

.........

في المقطع التالي الذي يحمل عنوان "نساء"، يقول فيه الشاعر:

النساء يرتشفن القهوة

وأنا

أتلذذ بمرارتها

.......................

هنا يمارس الشاعر حبيب السامر ذات اللعبة الفنيّة في التمويه، فيتأمل مشهد نساء، ويفترض قهوتهن مرّة، ليدخل دلاليّا في عمق المشهد، ويبوح ما يعانيه، وليأخذ سمة المرارة دلالة تعبيريّة عن ما يعانيه إزاء مشهد جماليّ تتجلّى فيه النساء، باعتبارهن الصورة الأبهى للجمال والفتنة وسر الحياة، يقول الشاعر "انا من يغسل بالليل كل هذا الندم / ويستجير بالحب / كلما حاصرته الخيبة / أنا التوت فوق شفتيك / قلب الهدنة في جسد / لا يحتمل النصيحة / أشاكس الضوء في غفلة من الغيم"، حتى يصل بنا بذات المسار الفني، من خلال المقاطع الأخرى، تغريد، والتوت، واشتهاء إلى المقطع الأخير "وحدي"، الجامع برأيي لخيوط النص ليجعله نسيجا واحدا، حيث يقول فيه:

كل هذه الاحتشاد في روحي

وأنا أرقص وحيدا

................

إن مقاطع نص "أصدقاء"، عبارة عن حالات ورؤى تعبيريّة مرسومة بمهارة، على لوحات متقنة، تدلّ كلّ واحدة منها على فكرة تجسّد بعداً حياتيا ومعرفيّا يعيشه الشاعر، برهافته، وانتمائه للمجتمع، والواقع الذي نحياه جميعا، ولكلّ واحد منا رؤيته الخاصة له.