مركز بحثي بريطاني يرصد ويحلل المنظومة الدعائية والإعلامية لداعش والقاعدة والنصرة

أيديولوجيات متطرفة

تعالج هذه الدراسة "كيف يفكر الجهاديون.. الأيديولوجية والدعاية" جانبا مهما وحيويا في المنظومة الإعلامية للفكر الإرهابي والمتطرف، حيث ترصد وتحلل عينة شملت 114 مصدرًا إعلاميًّا في الفترة بين إبريل/نيسان 2013 وصيف2015 ، من ثلاث جماعات منتمية إلى السلفية الجهادية؛ وهي: تنظيم داعش، وجبهة النصرة، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية؛ سعيا إلى تحديد الأيديولوجية التي تتبناها الجماعات الثلاث بدقة وفقًا لمصادرها الإعلامية؛ وذلك لإيجاد روايات مضادة فعالة من قبل عموم المسلمين والحكومات والمجتمع المدني. ومتوغلة في الأيديولوجيات المشتركة بين الجماعات الثلاث السلفية الجهادية والعناصر السردية التي تتخلل داعياتها، وذلك لإظهار كيف يتم تطبيقها على العناصر الأيديولوجية، وكيف يمكن للسرد أن يكون سببًا للنزاع بين هذه الجماعات حتى وإن جمعت بينهم أيديولوجية مشتركة، كاشفة عن تغير السردية كلما تغير الموقف المحلي أو العالمي، بينما تتغير الأيديولوجية أيضًا بمرور الوقت إلا أن عملية أبطئ. ومؤكدة أنه سوف تظل جهود مكافحة الإرهاب عُرضة للفشل ما لم يتم تناول الأيديولوجية.

النص الأصلي صدر عن مركز الدراسات الدينية والجيوسياسية بالمملكة المتحدة، وقام عليه الباحثون إيمان البدوي وميلو كوميرفورد وبيتر ويلبي، وترجمته سمية عبدالوهاب، وراجعته خلود سعيد، وصدر أخيرا بالعربية عن وحدة الدارسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية. وقد علل الباحثون المشاركون بالدراسة أسباب اختيارهم للتنظيمات الثلاثة كونها جميعا ناطقة بالعربية ولديها كم هائل من الدعاية الصادرة بالإنجليزية، كما أنها منبثقة عن الحركة السلفية الجهادية ويوجد قدر كبير من التصريحات الساخنة المتداولة بينهم.

وأضاف الباحثون "حرصنا على أن يتم تناول كل من تنظيمي القاعدة وداعش في هذه العينة بوضوح؛ حيث إن أوجه "التطرف" التي تمارسها الجماعاتان دائمًا ما تقارن ببعضهما البعض. وقد تبدو أهداف الجماعات الثلاث مختلفة للوهلة الأولى؛ حيث إن داعش تدّعي تأسيس دولة الخلافة، وتسعى إلى توسعة نطاق سيطرتها لتشمل "العالم الإسلامي" بأكمله وأكثر.

أما جبهة النصرة، والتي كانت فيما سيق جناحًا لداعش، فلديها طموح محدود ولكن فوري بتأسيس دولة إسلامية في سوريا - على الرغم من رغبتها في تأسيس دولة خلافة أيضًا في نهاية المطاف. بينما أظهر تنظيم القاعدة اهتمامًا بالسيطرة على الأراضي على فترات متقطعة (في وقت كتابة هذا البحث، تخضع مدينة المكلا الساحلية باليمن إلى سيطرة القاعدة)، وبدا أنه يهتم أكثر باستهداف الغرب، الذي ظل معتقدًا أن تنظيم القاعدة هو أخطر الجماعات في العالم حتى ظهور داعش على الساحة.

وتُعتبر الجماعات الثلاث نموذجًا "للجهادية العالمية" التي تختلف فكريًا بشكل واضح عن النسخة "القومية" للحركة والمُمثلة في جماعات مثل طالبان. كما تركز العديد من التحليلات الأخيرة للدعاية الجهادية حصريًّا على داعش، وذلك نظرًا لوحشيتها الصادمة وظهورها الواسع في وسائل الإعلام العالمية. وعلى الرغم من أهمية هذه المجهودات في دحض ما تمثله هذه الجماعة من خطر لقدرتها على الاستقطاب، إلا أن هذا التقرير يهدف إلى إيجاد إطار للجهادية يتسع بمكان لإيجاد معايير تفيد هذ الأيديولوجية وتتجاوز القوة الظاهرة للحركة مؤخرًا.

ورأت الدراسة أن فكرة إسناد النصر إلى الله تعد ذات أهمية قصوى لتأسيس الهوية الجماعية؛ حيث يمكن أن تظهر الرحمة الإلهية لأنشطة الجماعة من خلال انتصاراتها، الأمر الذي يساعد على تميز الجماعة عن غيرها. وبينما تشترك داعش وتنظيم القاعدة وجبهة النصرة في هذا المبدأ الفكري، فإن كلٍ منها قادرة على استخدامه ضد الأخرى: بمعنى إنه إن استطاعت إحداهم هزيمة الأُخرى، يسند المنتصر نصره هذا إلى الله كدليل على أن الجماعة المعادية لا تحظى بهذا الدعم الإلهي. "بعد مرور أيام على نجاح عمليتي أريحا وحنبل بريف إدلب، هاجم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المجاهدين ومواقع الثوار بريف حلب "حسبنا الله هو حامينا مما يدبرون" (جبهة النصرة).

ويتطلب اكتساب هذا الدعم الإلهي أمرين ضروريين هما الإيمان والإحسان. ومثل التوحيد، فإن كلا من الإيمان والإحسان يُعدان من المفاهيم السائدة والأساسية في القيم الإسلامية. ويمثلان معًا ثلاثة معايير أساسية لكل مسلم، هي: الخضوع لإرادة الله، والإيمان بالأركان الأساسية للعقيدة، وأداء الأعمال الصالحة أو الأفعال التي تُظهر التزام المرء بالدين. ويعتبر وجود هذه العناصر دليلا مقنعا على أن أيديولوجيات هذه الجماعات تستند إلى الدين. وتظهر الإشارات إلى كل من الإيمان والإحسان معًا في 21% من الدعاية الخاصة بالجماعات الثلاث.

وقالت الدراسة إن الإشارات إلى الإيمان في 15% من الدعاية التي قمنا بدراستها، جاء 59% منها في دعاية داعش و29% في المادة الدعائية الخاصة بتنظيم القاعدة و12% بمصادر جبهة النصرة. ويتحالف تشكيل فكرة الإيمان مع التأكيد الإسلامي على فكرة اليقين، أي التأكد من مسار حياة المرء. ويرتكز تطبيق الجماعة لمفهوم الإيمان على الجهاد، بما يعني أن أولئك الذين على استعداد للانضمام للقضية يجب أن يشعروا بداخلهم بالإيمان الحقيقي.

وعلى الرغم من هذا الاهتمام المشترك، إلا أنه لم تقدم أي من الجماعات الثلاث تعريفا محددا لهذا المفهوم. ويظهر الاهتمام المشترك بالجهاد جنبًا إلى جنب مع التعريف الفضفاض من خلال أقوال الجماعات الثلاث: "كان ملتزمًا بإيمانه وما يمليه عليه من محاربة الشرور في العالم" (تنظيم القاعدة). "وإن ضعف إيمانك وعزفت عن الجهاد" (داعش). ويظهر الإيمان جنبًا إلى جنب مع الإحسان من خلال الدعاية، وغالبًا ما يكون في سياق ترجمة الإيمان إلى أفعال، الأمر الذي يعني بدوره ارتباطه الوثيق بفكرة الجهاد لدى الجماعات الثلاث.

أما الإحسان فيظهر في 11% من العينة؛ حيث تربعت داعش على القمة (بنسبة 54% من الإشارات) ويليها جبهة النصرة (31%) ثم تنظيم القاعدة (15%).

أما الإيمان فلا يتم استخدامه بشكل منتظم من قِبل أي من الجماعات الثلاث. ومثال على ذلك ما ذُكِر في إحدى المقالات التي تم نشرها في العدد العاشر من "دابق" وتناول واجبات الأبناء والتزاماتهم تجاه الوالدين في الإسلام. فطاعة الوالدين تُعد أحد أهم أوجه الإحسان في الإسلام، ولكنها وحدها لا تكفي لمنع المرء من الانضمام للجهاد.

ولفتت الدراسة إلى أن المصادر التي خضعت للدراسة حملت إشارات للشهادة بلغت نسبتها 32% بالنسبة للجماعات الثلاث كلها تقريبًا. وأشارت 6% من المصادر إلى الحياة بعد الموت تحديدًا؛ حيث ترتبط حصريًّا بفكرة الشهادة في الدعاية. إلا أنه عند أخذ موضوعات أخرى تشمل تلك التي تتعلق بقيم مثل التضحية بالنفس ونيل الشرف من قِبل أولئك الذين يُقتلون في المعركة في الاعتبار، بلغت الإشارات 68% من الدعاية.

وأكدت أن العديد من المرثيات المُستخدمة في الدعاية تُجسِّد النزعة الرومانسية التي تنطوي عليها فكرة الشهادة دون ذكر مباشر لها، ولكن مع تسليط الضوء بشكل أوضح على نُبل فكرة التضحية بالنفس عند الحديث عمن لقوا مصرعهم في هذا السياق. ففي إحدى المرثيات الخاصة بداعش لم يتم ذكر "الشهادة" بشكلٍ مباشرٍ على الإطلاق، بينما وُصِف الجهادي نفسه بـ "القائد المِقدام" و"المحارب" و"الأخ". فعلى ما يبدو أن دور المحارب كشهيد يعد أمرًا بديهيًا.

ورأت الدراسة أن المكانة العالية التي تحتلها الشهادة في الإسلام تعد أمرًا معتادًا وشائعًا في كافة الأديان، أما في الإسلام فيعود أصلها إلى بداية ظهوره، ولكنها أصبحت مرتبطة مؤخرًا بالحركات الجهادية. ويذكر أيضًا أن صيغا متنوعة من عبارة "قومٌ يحبون الموت كما تحبون الحياة" قد ارتبطت بعددٍ من الشخصيات والجماعات الجهادية بما في ذلك أسامة بن لادن.

وبينما يُعبِّر وجود الشهادة كقيمة عن هذه النزعة الرومانسية الموجودة في كافة الأيديولوجيات، سواء كانت دينية أم لا، حول الرغبة للموت في سبيل قضية ما، إلا إنها تكتسب زخمًا أكبر في السياق الديني مع وجود فكرة الحياة الآخرة.

ومن الأساليب الشائعة على حسابات التواصل الاجتماعي لأنصار الجماعات الجهادية نشر صور للمقاتلين الجهاديين بعد أن لقوا مصرعهم و"الابتسامة" (والتي قد تبدو كتكشيرة أكثر منها ابتسامة) تعلو وجوههم، التي من المفترض أنها تمثل فرحة "الشهيد" بدخول الجنة. وتتأكد الثقة في كون المقاتل شهيدًا من مبدأ إسناد النصر إلى الله والإيمان بتحكم الله في مسار التاريخ.

وكشفت الدراسة أن الفكر الجهادي بالكامل يعتمد في تماسكه على قرب نهاية الزمان. فنجد أن التقسيمات الثنائية بين الخير والشر وحتمية النصر والحاجة الملحة للخلافة تتشبع جميعها بخطاب "نهاية الزمان". ومع أخذ هذه العوامل في الاعتبار، نجد أن الإشارات إلى نهاية الزمان بلغت 48% من الدعاية. كما أن التحليل يشير إلى الأهمية المركزية للإيمان بنهاية الزمان: فهو الوسيط الذي يتم من خلاله أغلب الأنشطة الأخرى للجماعات. ومثال على ذلك هو لفظ "دابق" الذي أطلقته داعش على اسم المجلة التي تصدرها، وهو يشير إلى مدينة سورية شمال حلب. فوفقًا للأحاديث النبوية، "دابق" هي الموقعة التي ستنشب فيها معارك نهاية الزمان؛ حيث ستهزم الجيوش الإسلامية جيوش الروم والتي يرى العديد من الجهاديين أنها تمثل الغرب حاليًّا. ويؤكد هذا تصريح أبي مصعب الزرقاوي؛ مؤسس أحد الجماعات السابقة لداعش، والموجود على الغلاف الأمامي لكافة أعداد المجلة: "لقد اشتعلت الشرارة هنا في العراق، وسوف تستمر النيران في التأجج ـ بإذن الله ـ إلى أن تحرق جيوش الصليبيين في دابق".

وسواءً كانت هذه الإشارات صريحة أم ضمنية، فهي تُعبِّر عن اثنين من المعتقدات الأساسية حول فكرة نهاية الزمان: أولها إنه على الرغم من حتمية الحدث إلا أن موعده لا يزال غير معلوم، وثانيهم أن المعارك التي تعد بمثابة مقدمات لنهاية الزمان تقع الآن بالفعل. لا يتعارض المعتقدان، وتؤمن بهما الجماعات الثلاث. ولا تعد هذه الافتراضات المبنية على معتقدات واسعة الانتشار متطرفة في حد ذاتها؛ ففي أحد الاستبيانات التي أُجريت عام 2012 قال أكثر من نصف المسلمين المتواجدين في تسع دول بجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنهم يؤمنون بأن وقائع نهاية الزمان ستحدث أثناء حياتهم.

وأشارت الدراسة إلى أن "الخلافة" التي أعلنها أبو بكر البغدادي في يونيو/حزيران 2014 استحوذت على عقول آلاف الجهاديين حول العالم، وتصدرت وسائل الإعلام العالمية، وأصبح لفظ "داعش" رمزًا لعهد الرعب والذعر في كلٍ من سوريا والعراق. ولكن هذا الهدف، أي تأسيس دولة الخلافة، هو هدف مشترك لكل من تنظيم القاعدة بشبه الجزيرة العربية وجبهة النصرة؛ وتظهر إشارات إلى هذه الفكرة في 38% من الدعاية.

وظهرت الإشارات الصريحة إلى الخلافة في 27% من الدعاية؛ ولم يكن مثيرًا للدهشة أنه كان لداعش نصيب الأسد من هذه الإشارات حيث بلغت نسبتها 71% من الإشارات الكلية. وتسعى هذه الجماعة حثيثًا إلى إظهار مشروعية هذه "الدولة الإسلامية"، ذلك الكيان الذي تقدمه على أساس إنه واجب ديني، متخذين نموذج "الخلفاء الراشدين" في صدر الإسلام كقدوة يُحتذى بها.. وبعيدًا عن كيفية تسويق داعش لنفسها، فإن العديد من الإشارات للخلافة في الدعاية الجهادية تعد جزءًا من ردود لاهوتية مكثفة من الجماعات الأخرى حول مشروعية ادعاءات داعش.

وتقول جبهة النصر تحديدًا إن الشروط اللازمة لإعادة الخلافة لم تتحقق لدى داعش. وعلى الرغم من أنه قد تم استخدام الكثير من المواد الدعائية لتنظيم القاعدة التي ظهرت مؤخرًا حول هذا الموضوع لإدانة ادعاءات داعش، إلا أن كلا من تنظيم القاعدة وجبهة النصرة يشيران في بعض الأحيان إلى الهدف البعيد لإنشاء دولة الخلافة، بالإضافة إلى الاهتمام السائد بتطبيق الشريعة في معاقلها: "ألا تريد أن تكون جزءًا من جيوش الله التي ترفع راية التوحيد وإرادة الله وتعيد الخلافة" (تنظيم القاعدة).

وقالت الدراسة إنه على الرغم من احتكارها لأنظار الإعلام في العالم الغربي تقريبًا، إلا أن صقل دعاية داعش يُركِّز على العدو الأدنى وليس العدو الأقصى، بما في ذلك المسلمين الشيعة وإيران والحكومة العراقية ونظام الأسد والنظام اليمني والمملكة العربية السعودية وزعماء إقليميين آخرين. وتساهم داعش بـ 19% فقط من المصادر التي تم تناولها في هذه العينة وتشمل الإشارة إلى العدو الأقصى، بينما كان لها نصيب الأسد من المصادر التي تشير إلى التهديد القريب بنسبة بلغت 59%. وعلى صعيدٍ آخر، ساهمت المصادر تنظيم القاعدة بـ 22% من نسبة الإشارات إلى العدو الأدنى. وتلقي هذه النتائج الضوء على أن أهمية المادة الدعائية الجهادية في الترويج للهجمات ضد العدو الأقصى تنبع من المصادر التابعة لتنظيم القاعدة بشبه الجزيرة العربية.

وشددت على أن الخطاب الذي تستخدمه الجماعات الثلاث حول كل من العدو الأدنى والعدو الأقصى يرتبط بشكلٍ كبيرٍ بمفهوم الشِرك، بما أن ما يُعرف بالأنظمة "المرتدة" تُمثِّل "أوثان". تلقي إشارة دعاية داعش إلى العنف تجاه العدو الأدنى في أغلب المصادر - والتي بلغت ضعف الإشارة إلى العدو الأقصى - الضوء على أن المسلمين الذين يعيشون في المناطق القريبة من مسرح الأحداث هم من يتحملون وطأة العنف الوحشي.

وهناك تداخل واضح بين الإشارات إلى العدو الأقصى والدعاية التي تُركِز على تبرير قتل المدنيين على ما يبدو بهدف الترويج للإرهاب المستند إلى الجهاد الفردي ضد العدو الأقصى. فالعديد من المصادر التي تشير إلى استهداف المدنيين شملت في الوقت ذاته إشارات إلى العدو الأقصى بشكل يوضح القوانين المحددة للمشاركة بين دار الحرب ودار الإسلام.

وتُوضِّح هذه الصلات كيف يمكن جمع الروايات المتنوعة والمترابطة في آنٍ واحد لدعم تماسك عناصر الفكر الجهادي. ويمكن أن يتضح الفرق بين السردية والأيديولوجية من خلال تنظيم القاعدة. فلقد شرع بشن عددٍ من الهجمات ضد أهداف غربية مهمة، بما في ذلك مؤامرة تفجير طائرة عام 2010، كما أنها قدمت في مجلتها الدعائية "إنسـﭙاير" دلائل إرشادية توضح كيفية شن الهجمات على طائرات الرُكاب خطوة بخطوة.

• أهم الـنتائج

ـ هناك فرق واضح بين الأيديولوجية السلفية الجهادية وبين الإسلام الذي يمُارسه أغلبية المسلمين حول العالم؛ ففكر السلفية الجهادية يستند إلى مبادئ مشوهة من الدين الإسلامي ينتج عنها رأي أوحد وحاسم حول الممارسات الجهادية العنيفة.

ـ تتبنى الجماعات الثلاث أيديولوجيات متطرفة متشابهة، متحديةً بذلك الفكرة القائلة بأن "تنظيم داعش يعتبر أكثر تطرفًا من القاعدة".

ـ تظهر القيم الأيديولوجية، والتي تُشكِّل الأسس الأخلاقية لسلوكيات وأفعال الجماعات الثلاث، في 80% من دعايتها الإعلانية؛ ويشمل هذا القيم العقائدية الإسلامية بنسبة 62%، وقيم الشرف والتضامن مع المجتمع الإسلامي بنسبة 68%، والإشارات الصريحة لنهاية العالم بنسبة 42%.

ـ تتضح أهمية التوحيد في عددٍ من الموضوعات المُتناولة في الدعاية والمسارات المختلفة للأيديولوجية: إله واحد ودولة واحدة وأمة واحدة (المجتمع الإسلامي عبر العالم)، بحيث تظهر هذه الموضوعات في دعاية الجماعات بنسبة تفوق 74%.

ـ يسود الدعاية تأكيد دائم على نُبل مفهوم الجهاد؛ حيث تقدمه دائمًا في سياق الشهامة والفروسية، مع صور للمقاتلين يمتطون الجياد أو الإشارة إلى صلاح الدين الأيوبي. وتُشكِّل هذه الإشارات حوالي 71% من الدعاية.

ـ يعد مفهوم الشرف والتضامن مع الأمة من الأمور الرئيسية حيث يظهر في 68% من الدعاية. وتشكل فضيلة الشهادة - وهي الفضيلة الشائعة في كافة الأديان ولكنها تنطبق هنا على الموت على أرض المعركة – جزءًا أساسيًا من مفهوم الشرف؛ حيث تظهر بشكل مباشر في الدعاية بنسبة 32%، وبشكل ضمني بنسبة 68%.

ـ تظهر التبريرات من القرآن أو الحديث أو الفقه بنسبة 87% من الدعاية. فلقد احتوت إحدى بيانات داعش على 24 إشارة للقرآن الكريم بحيث مثّلت 26% من البيان وشملت 13 من سور القرآن الكريم.

ـ بينما عادةً ما تؤخذ التبريرات القرآنية خارج سياقها مؤكدةً الادعاء القائل بأن هذه الجماعات تنتقي الآيات التي تدعم مواقفها، إلا أن الأيديولوجية تستخدم النصوص الدينية بتوسع؛ حيث تقتبس نصف المادة الدعائية من القرآن، حيث تمت الإشارة إلى 63 سورة من إجمالي 114 سورة.

ـ تستخدم الأحاديث النبوية بقدرٍ أقل مُقارنة بالتبريرات القرآنية؛ حيث لم تتعد نسبة 22% من العينة. ويبدو أن الطرق التي يتم بها توظيف الأحاديث النبوية في الدعاية تُؤكِّد الاتهام الموجه للجماعات السلفية الجهادية بأنها تنتقي الأحاديث لتُلائم أهدافها وآراءها. فالأحاديث المُصدقة يتم نقلها مع ذكر كافة التفاصيل الخاصة بمصادرها، أما تلك ذات المصادر المشكوك فيها فيأتي ذكرها بشكلٍ مبهم.

ـ عندما يتم توجه انتقادات لأفعال هذه الجماعات من قِبل جماعات السلفية الجهادية المعادية أو غيرها، يصبح القرآن والأحاديث النبوية أول النقاط المرجعية للرد على هذه الانتقادات. ويذكر أن استخدام الأحاديث النبوية تحديدًا بكثرة عندما يكون الهجوم من أتباع الأيديولوجية نفسها.

ـ الرفض السلفي للكثير من الفقه الإسلامي واعتباره "بدعة" (يشير تنظيم داعش إلى أهم الفقهاء كـ "حمير العلم") يتنافى مع إشارتهم في الدعاية إلى 45 فقيهًا من كافة المذاهب الفقهية الرئيسية، فيما عدا المذهب الحنفي.

تظهر الأفكار الأيديولوجية السالف ذكرها في الدعاية مع استخدام منطق داخلي واضح، إلا أن تطبيقها غالبًا ما يكون غير متسق. وتُشكِل هذه الأفكار – سواء ذُكِرت بشكل صريح أو ضمني – نوعا من التسلسل الهرمي تمثل القيم الأيديولوجية فيه أساسًا لأهداف هذه الجماعات والشكل الأمثل لأفعالها ومن ثمَّ هويتها الجماعية.

وتجتمع هذه الأفكار معًا مُكوِّنة أيديولوجية مترابطة تُمثِّل السلفية الجهادية. وتُعد هذه الأيديولوجية المحرك الرئيسي وراء أفعال هذه الجماعات. فهي تهاجم بعضها البعض ليس لاختلافات أيديولوجية ولكن بسبب الروايات المختلفة؛ أي طرق تطبيق الأيديولوجية على أرض الواقع.

لا يمكن هزيمة الحركة السلفية الجهادية بالتركيز على هذه الروايات؛ وإنما يمكن هزيمتها فقط في حالة فهمنا لهذه الأيديولوجية والانخراط فيها.

يعمل هذا التقرير على تفسير هذه الأيديولوجية وفهمها من خلال التحليل الكمي والكيفي التفصيلي.