مستعربة أميركية تكتب عن حياة وإبداع بيرم التونسي
القاهرة ـ من أحمد رجب
ترك بيرم التونسي (23 مارس/آذار 1893 – 5 يناير/كانون الثاني 1961) تراثا فنيا شديد التنوع من شعر وقصة ومقامات ومقالات ونصوص مسرحية ومسلسلات إذاعية وسيناريوهات أفلام فضلا عن الأغاني، وكان نقد سلوكيات سائدة في المجتمع المصري وسياسات حكامه في الثلث الأول من القرن العشرين هو ما يوحد بين مكونات التراث البيرمي، ذلك بخلاف الروح الساخرة التي ميزت المبدع وأعماله.
ويرجع هذا النقد لقناعات بيرم خصوص المسئولية الاجتماعية للكاتب والأديب، وهي القناعات التي دفعته ليس فقط للنقد الاجتماعي والسياسي ، وإنما لاختيار العامية المصرية وسيطا بينه وبين المتلقي، وقد بلور قناعاته تلك في مقالة نشرها قبيل عام 1933 قال فيها "يقولون إن لكل كاتب رسالة يؤديها إلى أمته، وأعتقد أن الكاتب العربي صاحب التعبير الرصين والأسلوب العالي في بلد كمصر هو أبعد الكتاب عن أمته، وسيحمل رسالته على أم رأسه ويطوف بها على خريجي المدارس والمعاهد، يرضيهم ويرضونه ويبقى معهم بمعزل عن الأمة كلها، وهذه أنانية من أصحاب الرسالات يؤسف لها".
هذا الاعتقاد الجازم بأهمية الإنتاج الثقافي بالنسبة لتوطيد الوعي السياسي وانتشاره بالمعنى الأوسع عبر عنه بيرم باختياره أنواعا محددة من الوسائط التي كتب لها خصوصا الصحافة التي كان ينظر لها كأداة فعالة في تعليم العامة، وبالتالي ذات فعالية سياسية كبيرة، هذه النظرة توليها المستعربة الأميركية ماريلين بوث أهمية كبيرة، وتراها عنصرا رئيسا في تشكيل أعمال بيرم التونسي، لا يمكن فصلها عن فرضية أن رسالته لم تكن لتكتسب تأثيرها إلا بمدى ما تحققه من متعة، وبسهولة قابليتها للفهم والتذكر.
ابن البلد
في كتاب ماريلين بوث الذي ترجمته سحر توفيق، وراجعه إبراهيم فهمي، وأصدرته مؤخرا الهيئة المصرية العامة للكتاب في 668 صفحة من القطع الكبير، بعنوان "أرض الحبايب بعيدة" وأضافت عنوانا تفسيريا "رحلة نقدية في حياة وأعمال بيرم التونسي". تبدأ ماريلين بوث دراستها بتقصي سيرة حياة بيرم، نظرا لأهمية السياق التاريخي بالنسبة لإدراك بيرم وقناعاته، وقد ركزت على نشاطه في الصحافة ككاتب ورئيس تحرير ومؤسس صحف. ونظرا لعدم إمكانية تحديد الدور الذي مارسه بيرم من خلال الصحافة لغياب المصادر أو لنشر أغلب مقالاته دون توقيع فقد ركزت الباحثة على الأعمال المعروفة التي أعيد نشرها ولكن كنصوص منفصلة عن سياقها، مع مراعاة التزامن بين المقالات المنشورة مع نصوص شعرية وسردية لبيرم. فتلك المقالات بما حوته من إشارات إلى الواقع لا يمكن فصلها عن الأعمال الإبداعية التي تبني عالما متخيلا، لأنهما يشكلان معا وجهين لنفس التجربة التي ألهمته أعماله "مقاليا" أو "إبداعيا".
وكان محمود بيرم المولود لعائلة تنتنمي لأقلية من المهاجرين تسكن الإسكندرية وهي مدينة تعج بالأقليات، وكانت القوة الاقتصادية والسياسية لأي أقلية منها تتحدد تبعا لجنسيتها. ولأن عائلته بأصولها التونسية كانت تحت حماية الممثل الفرنسي في الإسكندرية فقد نشأ بيرم كشبه أجنبي، لكن انتماءه العربي المسلم خرج به من ضيق الانتماء لأقلية إلى رحابة جماعة أوسع عددا، مع أنها تعاني من التحكم الإقتصادي والتسلط السياسي الذي يمارسه أجانب ينتمون لدول ذات نفوذ.
وترى الباحثة أن الثراء الكوزموبوليتاني للإسكندرية والتوتر الاجتماعي فيها في مطلع القرن العشرين شكلا التوجهات السياسية والفنية لبيرم. وفيما بعد عمقت مرحلة النفي (من 1919 حتى 1938) كلا من رؤيته السياسية وذخيرة صوره. كذلك تتوقف طويلا أمام قصيدة "المجلس البلدي" التي يقول مطلعها:
يا بائع الفجل بالمليم واحدة ** كم للعيال وكم للمجلس البلدي
وتراها مارلين بوث أهم عمل لبيرم قبل تجربة النفي، فقد أكسبته شهرة أسطورية وهو في مطلع حياته، لدرجة أن ترويسة أول جريدة أصدرها أشارت إلى أن الناشر هو مؤلف قصيدة "المجلس البلدي".
مدينة الشقاء
غادر بيرم مصر منفيا في أكتوبر/تشرين الأول 1919، باعتباره تونسيا يباشر نشاطا سياسيا ممنوعا، ولأنه من رعايا فرنسا التي كانت تحتل تونس، فكان النفي بقرار من القنصلية الفرنسية التي أمدته بجواز سفر وأمرته بالسفر إلى فرنسا، وهكذا أبحر الشاعر والصحفي الشاب مبعدا عن مدينته التي ترك فيها أطفاله وزوجته، فأصبحت الإسكندرية وفقا لأشعاره رمزا لكل ما يشتاق إليه، وفي المنفي باشر عددا من الأعمال اليدوية الشاقة، فلم تكن باريس بالنسبة له مدينة النور التي يقصدها المبدعون، بل كانت مدينة الشقاء والطوابير المتراصة منذ الفجر أمام مكاتب العمالة.
يتساءل بيرم "ماذا يعمل الأجنبي ليعيش؟ والأجنبي في فرنسا لا يجد غير الأشغال الشاقة". ويضيف "العرب وحدهم يزيدون على 25 ألفا يعملون في الميناء لتفريغ السفن وشحنها وتنظيفها، وآخرون يعملون في معاصر الزيت ومعامل الصابون بصورة يتعب الإنسان معها من مجرد النظر إليهم، إذ لا ينقطعون عن الحمل والقطع والرصف والدفع والجري مدة عشر ساعات متواليات".
لكن بيرم صاحب الخبرة السابقة بميناء الأسكندرية كان شعوره بالغربة أقل ممن سواه خصوصا الفلاحون القادمون من الساحل التونسي. أيضا وضعه كمبعد سياسي وصحافي لا يمارس مهنته جعلت رؤيته أكثر اتساعا مما لو كان قد بقي في مصر، أيضا ملكته النقدية حملته على الإعجاب ببعض الأمور في المجتمع الفرنسي، فمثلا حينما وصف تمثال فيكتور هوجو في مارسيليا لفت انتباهه نظافة موضع التمثال، وأشار إلى أن كناسي الشوارع يمكن رؤيتهم يوميا، كما لا حظ أن بعض هؤلاء الكناسين لا يعرف فقط صاحب التمثال بل أيضا يحفظ أشعاره، فيقول "ليس في فرنسا عقل خاص بالشعراء، ولا في شعرائها شاعر خاص ببعض الطبقات".
وهكذا منحته الإقامة في فرنسا – رغم مكابدة الشقاء اليومي – إدراكا ووعيا كبيرين بسياق أكبر انصهرت فيه فرديته وتميزه وخبرته الوطنية، ورغم ذلك تكشف الدراسة أن الثيمات والأبنية اللغوية وعناصر السرد التي كانت سائدة في كتاباته قبل مرحلة النفي ظلت قائمة طوال مراحل إنتاجه الفني، كما استمرت كتابته ملتزمة بالنقد والتحليل والمساءلة عن دور مصر في التاريخ المعاصر. (وكالة الصحافة العربية)