"مسرح الأشياء" ما بين سويسرا والبرازيل

في مسرح الأشياء يعمد المخرج إلى تسخير بعض الأشياء التي يرميها الأطفال ومن ثم توظيفها مسرحيا لأهداف تربوية وأخلاقية وجمالية.
مسرح الأشياء هو المسرح الذي يعتمد على الخامات المادية طبيعية كانت أم مصنعة ومسرحتها
عرض "أنت وأنا" على الثنائية الأصل للبشرية
لا توجد دراما تقليدية أو حديثة هنا، بل توجد الدهشة الجمالية

بقلم: د. محمد حسين حبيب

ليس من المهم كيف تشكلت الأشياء، لكن المهم إنتاجها للمعنى البليغ في النهاية.
هذا هو جوهر (مسرح الأشياء) كما نراه، وهو المسرح الذي شاع حديثا في عدد من المنصات المسرحية العالمية والعربية. وكان هذا المسرح قد ظهر أولا في فرنسا عام 1970 على أيدي جاك تمبليرو وشارلو لومان وتانيا كاستان. وقد عرفته الناقدة الجزائرية د. جميلة مصطفى الزقاي بأنه: "ذلك المسرح الذي يعتمد على تكريس مبدأ الابتكار والإبداع لدى الطفل حيث يعمد المخرج إلى تسخير بعض الأشياء التي يرميها الأطفال ومن ثم توظيفها مسرحيا لأهداف تربوية وأخلاقية وجمالية"، إلا أن كاتب السطور يرى أن مسرح الأشياء ليس مقتصرا على الأطفال حسب فيمكن أن يكون لمسرح الكبار أيضا لأنه يحلق أحيانا في نسج وصياغة معاني ودلالات بليغة خارجة عن وعي الطفل. 
وعليه يمكن القول هنا: "إن مسرح الأشياء هو المسرح الذي يعتمد على الخامات المادية طبيعية كانت أم مصنعة ومسرحتها بوصفها ملحقات مسرحية من شأنها الخروج بمعان عميقة صادمة تثير دهشة التلقي". 

لا تصدقوا كل شيء في مسرحنا هذا، فنحن من نصنع من الأشياء أحلامكم ونحن من يلغيها بسهولة وعن رضاكم طبعا. سريعا ما نصنع لكم الفرح وسريعا ما نجعلكم تتألمون. فنحن جماعة (مسرح الأشياء)

الذي دفعني لكتابة هذه السطور وأستفزني جماليا هو مشاهدتي لعرضين مسرحيين من عروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي في دورته الحالية 2018 هما: العرض السويسري "أنت وأنا" من تاليف فلوريانا فراسيتو واخراج ماركوس سيمين، والعرض البرازيلي "بعثة المحيط الهادي" تاليف ثلاثي: لجابريال سيتشين وهينيريك سيتشن وروجيريو يتواش، ومن إخراج هينيريك سيتشن. وكان كلا العرضين قد اعتمدا "مسرح الأشياء" أسلوبا إخراجيا لفرضيتهما الفكرية والجمالية لفلسفة عرض كل منهما. 
اعتمد العرض الأول "أنت وأنا" على الثنائية الأصل للبشرية وبسببها تتواصل الحياة، إلا أن بالضرورة لكل "رجل وامرأة" رحلة حياتية خاصة بهما تجمعهما في بقعة ما من هذا الكون، وقد تكون هذه الـ "أنت وأنا" صديقين أو صديقتين إذ لا يمكن العيش بدون الآخر المكمل لحركة الإنسانية وصراعها من أجل البقاء. مدخلا يبدو بسيطا جدا من وجهة نظر الدراما وفلسفتها المتشعبة في تحقيق السعادة الكونية للخليقة برغم انقساماتها وتنوع انتماءاتها العرقية والجنسانية. فلم تكن لغة الجسد هي الطاغية في هذا العرض بل طغت تلك الأشياء / الملحقات المسرحية - (الاكسسوارات) بالمفهموم المتداول - فشكلت العلامة الكبرى للعرض، فللوهلة الأولى تبدو البساطة والعفوية في اختيار هذا الشيء أو ذاك من خامات وأدوات مختلفة، ولكن المعاني البليغة التي تصلنا في نهاية الموقف هو الشيء الصادم واللامتوقع في النهاية. 
لا توجد دراما تقليدية أو حديثة هنا، بل توجد الدهشة الجمالية الذي لا يختلف عليها اثنان. فعبر هذه الثنائية نقتفي أثر (صراع / تحول / اتفاق واختلاف / محبة وكراهية / عنف وسلام / مقدس ومدنس / أسود وابيض / وفاء وخيانة ... الخ) لنجد أنفسنا أننا إزاء ثنائية لم تكن تسعى إلا من أجل الإنسان. 
في هذا الصدد تقول مخرجة العرض كاشفة عن فلسفة مشروعها المسرحي: "نحن لا نقدم عروضا سياسية إلا أننا نتحدث عن سياسة الحياة اليومية بين الرجل والمرأة وبين الرجل والرجل، كما نتحدث عن سوء التواصل الذي أدى بالعالم إلى كوارث كثيرة. نحن لا نحاول تعليم العالم وإنما نزوده بالقدرة على التفكير بحيث يمكن استخدام عقله ومشاعره". 
ما بين تقانة المسرح الأسود والمسرح الإيمائي برعت مجموعة العرض في إظهار تمكنهم الجسدي عبر تحريكهم (الأشياء). لا نراهم ولا نرى أجسادهم في غالبية مشاهد العرض، إلا اننا نشهد تمكنهم الجسدي عبر أشيائهم المتحركة، وهي ترسم لنا صورا ومعاني عبر سينوغرافيا الفضاء منشطة في ذلك إيقاع العرض وانفعال التلقي به في ترقب مشدود ومتواصل وصولا إلى المتوقع أحيانا واللامتوقع أحيانا كثيرة.

رحلة حياتية خاصة
نشهد تمكنهم الجسدي عبر أشيائهم المتحركة

كان الصمت بطلا حقيقيا طيلة مساحة العرض الذي تجاوز  زمنه 80 دقيقة، وقد مرت سريعا لأن التركيز البصري وسط هذا الفضاء الصامت كان همه الولوج إلى المعنى الناتج من تشكل الأشياء واقترانها ببعضها البعض.
ومن المهم الإشارة هنا، إلى أن كلا من الضحك أو الحزن في هذا النوع من العروض يبدو أن له مائزة خاصة به، فنكتشف أن هذه (الأشياء) هي التي تسخر وتضحك وتحزن وتبكي لا الممثلون، وبالتالي يختلف تفاعل التلقي وحميميته ويكون له طعما غرائبيا جديدا. 
    أما في العرض الثاني "بعثة المحيط الهادي" فنجد أنفسنا إزاء عالم مختلف من (الأشياء) الجديدة هي كل ما يمكن أن تحتويه مزبلة ما. والمتحكم في هذه النفايات أدائيا وحركيا بطلا العرض، وهما عاملا نفايات يتخذان من المزبلة الكبيرة مأوى لهما، ليبدءان ومنذ لحظات العرض الأولى بصياغة احتياجاتهم وأحلامهم من هذه النفايات وهي أغلبها من قطع النايلون أو البلاستيك لسد رمقهم من الجوع أو العطش أو البحث عن متطلبات سعادتهما المنتظرة. كل ما يجدانه هنا في المزبلة يبتكران منه فكرة ما: (حيوانات / مياه / طيور / قناني فارغة / أحذية / لعب أطفال قديمة / ... الخ). 
إن كل خامة هنا تقود إلى فكرة، وأن كل فكرة تقود إلى فكرة أخرى، مثلما كل شيء يقودنا إلى أشياء أخرى. لكن المختلف هنا عن العرض السويسري هو استخدام الموسيقى التصويرية إضافة إلى التمثيل الإيمائي مع انبعاث الآهات والأصوات الآدمية بحسب ضرورة اللحظة والحالة الأدائية ذاتها.
العرضان التقيا في لغة الابتكار والتنقيب في الخامات المستخدمة بهدف خلق عوالم ومشاهد تراتبية تتوافق وسلسلة المواقف الأدائية المطلوب استكمالها وصولا للهدف الأسمى عبر تحولات تكوينية صورية خلابة تحتكم إلى عنصر (الخيال) احتكاما أساسيا ومرتبطا هذا الخيال بذكاء وقاد ليكشف لنا مهارة جسدية أدائية متقنة يكتنفها حس فني عال. 
لقد منح العرضان هذه الأشياء حياة لم نكن نتوقعها وهو ما يشترط علينا وضعه في تكاملية العرض الإبداعي الخلاق، فضلا عن ارتكاز كلا العرضين أيضا على مبدأ سر إخفاء الصنعة المسرحية وهو المحكوم أصلا بكل ما تقدم من سمات أو خصائص مسرح الأشياء. 
كما لا ننسى أيضا أن هذا النوع من العروض يحتاج زمنا طويلا من التدريبات يمر عبرها تجارب فاشلة منها وناجحة وصولا إلى حسم النتائج وأثرها فكريا وجماليا. كما اشتركا العرضان في حميمية العلاقة مع المتلقي وإشراكه في العرض وجعله حزءا تفاعليا ضمن نسيجه. 
ختاما .. كان بكادر العرضين يريدون إيصال بيانهم المسرحي لنا وهم يهتفون في النهاية: (كل شيء مباح في مسرح الأشياء ومن اليسر تحقيقه. وكل شيء يمكن محوه بسهولة. لا تصدقوا كل شيء في مسرحنا هذا، فنحن من نصنع من الأشياء أحلامكم ونحن من يلغيها بسهولة وعن رضاكم طبعا. سريعا ما نصنع لكم الفرح وسريعا ما نجعلكم تتألمون. فنحن جماعة (مسرح الأشياء)."