جماليات المفارقة في "الإسكندرية 2050"
بقلم: د. سوسن ناجي
"ما أن نولد، وننزل على الأرض، حتى تركض بنا أرجلنا الخائنة وترسلنا كلاً في طريق، فنتوه في الزحام، وتبقى هذه الأرجل الخائنة تركض بنا وهي تخفي علينا كونها تأخذنا في متاهة مؤدية إلى قبورنا".
الوقوف أمام الذات.. مواجهتها.. تعريتها، عتبة للخلاص من التأزم الوجودى، عتبة للتطهر والفرار والإفراج عن الذات، والخروج بها بعيداً عن الحاضر! لذا كانت تقنية الاسترجاع أو التذكر في مقدمة التقنيات التي لجأ إليها الروائي صبحي فحماوي في روايته: "الإسكندرية 2050"؛ لتحقيق درجة من التحرر والتوازن مع أزمته الراهنة، وجماليات هذه التقنية أنها حولت محكيات الرواية إلى رحلة في الزمان واللغة وفي المكان والبشر. وكان "الراوى" هو "سندباد" هذه الرحلة وبحارها؛ حيث أبحر في المدن والعمائر، وفي الخيال والزمان، وفي اللهجات والبشر.
وبقدر ما كانت هذه الرحلة متخيلة، بقدر ما كانت واقعية، وبقدر ما ارتحل الراوي/ السندباد بقدر توالد الحكايات ومعها توالدت الدلالات، والمواقف والرؤى، والاستشرافات، للمستقبل والأحفاد.
يقول: "الجميلات عندي لسن جميلات "نزار"، بل هن عجائب الدنيا السبعمائة، فلقد طفت الدنيا كلها، ابتداء من شلالات النرويج.. واستمتعت بجمال الحدائق الأندلسية العربية... وطاردتُ البهارات والعطور والتوابل في طريق الحرير التي سار فيها العرب المسلمون بإتجاه الهند الصينية، وتبخرتُ مع شلالات خط الاستواء، ذات الروائح الشبقية في غابات أفريقيا. وقذفتني تسونامي الشرق الأقصى إلى سور الصين العظيم. وتجمدت لأكون تمثال في جليد ألسكا، وقفزت من برج برلين الدوار إلى برج إيفل الواقف في السماء. تنقلت بين كل هذه العجائب فما وجدت مثلك يا اسكندرية في البلاد".
تبدأ أحداث الرواية - من النهاية أي من (الإسكندرية 2050)، وفي مسار خطي دائري إذ تعود إلى البداية في (الإسكندرية لعام 1966) - أي نفس المكان - ففي عام 2051 تبدأ الرواية بمشهد إنحدار الراوي (مشهور شاهر الشهري)، وكيف تم تسجيل ما يدور في ذاكرة المتوفى من قبل شركة متخصصة مخابراتياً "متخصصة بالتجسس على عباد الله منذ لحظة الولادة، وحتى لحظة الوفاة، وبناء على معلومة تقول: إن المتحضر متهالك على سريره خلال الساعة الأخيرة من عمره، فيتذكر كل الذي مضى، ويستعيد ذكرياته من المهد إلى اللحد، فتمر الأحداث كلها مضغوطة في مخيلته بسرعة مذهلة، يتذكر فيها كل شيء، وكأنه يعيشه الآن. فإن عملنا يقوم على تسجيل رقمي لكل ما يدور بخلد الإنسان في تلك اللحظات الفاصلة".
هكذا تبدأ الرواية بتثبيت موقع الراوي - في زمن الإسكندرية عام 2050 - تنطلق به عبر قفزة زمنية تستبق الأحداث؛ ثم في حركة ترددية تنحرف عن موقعه في المستقبل لتعود تارة إلى ذكرياته في مدينة عكا، ثم الإسكندرية، واضعاً المتلقي في حالة ترقب وفي إطار هذه الحركة الترددية يتبلور منظور الراوي إلى العالم.
يقول: "كنت قد وصلت أول مرة إلى الإسكندرية عبر مطار القاهرة في خريف 1966، وعمرك سبعة عشر ربيعاً. أول مرة تركب فيها طائرة. ولم تحلم أصلاً بأن تركب طائرة ذات يوم، ولم تسمع من قبل إلا بتلك الطائرات التي كانت عائدة متهالكة من انتصارات الحرب العالمية الثانية، فكانت تتسلى بقصف قوافل الفلسطينيين المهجرين عام 1948 الحاملين أطفالهم بأسنانهم، وهم هاربون من حمم براكين الاحتلال الغاشم. الطائرات المشوهة بدماء الضحايا تلاعبهم (الاستغماية)، ثم تفاجئهم من خلف جبل، وتتمرجل عليهم، فتقصفهم وهم هاربون في الوديان، لتزيد من ذعرهم".
وبقدر انطواء الماضي على أحداث طفولة بائسة في مدينة عكا المحتلة؛ تأتي صفحة أخرى مشرقة - في حقبة زمنية أخرى من العمر - لتطل بنا على ذكريات القدوم إلى مدينة الإسكندرية، والتي كانت صفحتها العمرية بالنسبة إليه النور الذي تقابل مع العتمة.
يقول: "وإني أُشهد الأرض على غرامنا. قلبي مشدود إليك بحبال شداد، وأن سلطانك على روحي مكين. يقولون إن الحب جفاء، وأنا والله لم أجفُ، ولكن الزمان جفا".
وهذا الغرام ليس للإسكندرية فحسب، بل هو لمصر والتي تشرق رمزيتها في وجدانه بمجرد الانتقال إليها. يقول: "من تلك العتمة الالتفاتية مباشرة إلى كهرباء تقلب الليل نهار. إنها قاهرة صوت العرب".
وإذا كان الراوي/ البطل هنا أنموذجاً أو ترميزاً موضوعياً للسندباد "الرحالة، والذي أبحر في كتب التراث في المكان والزمان، فهو أيضاً الرحالة الذي يبحر في اللغة وعالم البشر، قبل إبحاره في الزمان والمكان، لكونه - هو الآخر - يقطف الخبرات والمعارف من أزهار المدن والأسفار، والتي تمده بشبكة من الخبرات والمعارف والعلوم، وتغسل روحه بميسم الحقيقة، لكنها أيضاً تقذف به إلى قلب المتناقضات.
إن المسار الدائري لبناء الرواية هنا، كان التقنية التي اختارها المؤلف لإعادة النظر في الماضي ثم جمعه مع الحاضر معاً أضف إلى ما تبعثر من العمر من ذكريات وأحلام. وعلى غرار رواية بروست: "البحث عن الزمن المفقود" تتأتى محاولة "المؤلف في قنص لحظات وخبرات وتجارب وأحزان، وإعادة تذكرها وجمعها مرة ثانية".
لكن موقع القارئ/ المتلقي هنا - إزاء هذا التشظي من المحكيات والتي هي أشبه بمشاهد سينمائية غير منتظمة في بنائها لا يقل مكانة عن موقع المؤلف، في صنع الأحداث، وإعادة بناء الرواية، فإذا كان المؤلف على وعي بطرائق السرد - حديثها وقديمها - فالمتلقي تأتي أهميته في اللحظة التي يقرأ فيها النص، حيث تجتمع داخله الدلالات تباعاً، ويعيد – أيضاً - انتاج النص.
وكل قارئ سوف تتأتى له وجهة نظر مختلفة - تضاف إلى عالمه - وكل قارئ سوف يتنبأ بسيرورة الأحداث من منظوره، والقيمة الجمالية هنا تكمن في إعادة (منظور) الرؤية إلى العالم، بهدف الثراء المعرفي، والوصول إلى أصل الحقيقة والأشياء. وكأن العالم الروائي بالنسبة إلى المؤلف صبحي فحماوي أشبه بالبستان، وكما هو يعيد انتاج الزهور- بحكم خبرته المهنية - يعيد إنتاج الواقع الروائي في صورة مشاهد متجاورة، متسقة، ومنتظمة، ويكمل بعضها بعضاً. وكأن البوح بضمير المتكلم - ومناجاة الذات - هو أداة الخروج والحركة من كابوس ارتهن بالموت. وهنا ترتقي الذات، وتتحرر من جحيم النهاية لوصل المنقطع، والخروج من مأزق انتهاء العمر.
نجده يقول: "تقضي الوقت تثرثر مع نفسك، متذكراً أيام مصر الجميلة فحينما دخلت محطة قطارات باب الحديد في القاهرة لأول مرة، متجهاً إلى الإسكندرية، وسط زحام لم تشهده في حياتك. كنت تعتقد أن هناك مظاهرات شعبية. وبين الزحام يرتفع تمثال عملاق لشخص لا تعرف اسمه، فتسأل السائق الذي يجيبك هذا هو الملك رمسيس العظيم، لا تستغرب فهذا رمسيس الثاني الذى كان عظيماً فوق رقاب شعبه، يقف اليوم شامخاً في باب الحديد. خافوا عليه فنقلوه إلى خارج ازدحام باب الحديد. ولم يخافوا على المواطنين الذي يموتون كل يوم بسبب التلوث".
وتأتي لغة الراوي في تنوعها بين الفصحى والعامية، بين الشاعرية والوصفية، بين الخبرية وإعادة إنتاج الذكريات بمثابة لغة نوعية، استطاعت أن ترتقى بالنص من الأنا إلى النحن، ومن عبثية وغياب المعنى إلى الحضور، ومن الخصوصية إلى الكونية. وهو الأمر الذي أفاض على النص إغراءً نوعياً تكمن جمالياته في استدراج المتلقي لمشاركته في تثبيت الزمن عند لحظة نهاية العمر، ثم الرجوع به إلى محطات العمر المختلفة منذ الطفولة في "عكا"، ثم في مرحلة التعلم والشباب والإسكندرية، أضف إلى رحلاته إلى مختلف بلدان العالم والتي ارتحل إليها عاشقاً لمعنى الارتحال والسفر.
يقول: "تنقلتُ في ربوع الكرة الأرضية، لم تبق زاوية بجسم جميلة، إلا ومرت فوقها عرباتي. ولكن الجميلات عندي لسن جميلات نزار، بل هن عجائب الدنيا السبعمائة، فقد طفت الدنيا كلها".
ويتوازى المزج بين هذه العوالم في صورة ثنائيات متضادة، وفي إطار الفقرة الواحدة قد تتعدد التقنيات، ويتشظى الزمن وتتعدد مستويات اللغة بين مونولوج، ووصف، وبين لغة شاعرية تصف الداخل وبين لغة خبرية ترصد الخارج. ويفجر هذا المزج بين مختلف الثنائيات المتضادة المعنى والدلالة للنص، فتتوالد الحكايات والدلالات في إطار لوحات متباينة لكنها كاشفة كالمرايا، بل آخاذه ومضيئة لكونها تطل على مختلف فترات العمر، الماضى، والحاضر، والمستقبل معاً، في تجاور آخاذ، الأمر الذي يُحيل النص إلى كتلة من البلور الشفاف، والذي يبدو من كافة الجهات مضيئاً مُعلنا، وسواءً أكانت زاوية الرؤية من الأمام، أو من الخلف، سواء أكانت من اليسار أو من اليمين تبدو معالم الشخصية جميلة؛ لكونها مرئية ومعلنة عبر أكثر من منظور، وأكثر من تقنية.
وجماليات هذه التقنية أنها تصب في مصلحة المتلقي الذي يستطيع من خلالها قراءة النص من أي زاوية في الرواية، أو البدء في قراءتها من المنتصف أو من نهايتها، أو حتى من البداية، والنتيجة واحدة في الوعي بالنص، وإدراك منطلقاته.
أ. د. سوسن ناجي - وكيلة كلية دار العلوم – جامعة المنيا