الباز يقرأ العلاقات الإيرانية الخليجية 1979- 1989

كتاب "الثورة والحرب.. تشكيل العلاقات الإيرانية الخليجية" يتتبع مسار العلاقات الإقتصادية والسياسة والأيديولوجية والقانونية والدبلوماسية بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج العربية.
مرحلة جديدة بدأت بين الطرفين بعد عام 1979، اختلفت فيها أدوات إدارة السياسات
النظام الإيراني اعتبر أن ثورته "عالمية"، لا تتوقف أحداثها في إيران وفقط

قامت هذه الدراسة "الثورة والحرب.. تشكيل العلاقات الإيرانية الخليجية" للباحث د. أحمد الباز بتتبع مسار العلاقات الإقتصادية والسياسة والأيديولوجية والقانونية والدبلوماسية بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج العربية 1979- 1989، من خلال توضيح شكل الأدوات التى استخدمها كل طرف فى بناء هذه العلاقات، وكذلك دور العوامل الداخلية والخارجية التى أثرت بدورها على نمط العلاقات بين الطرفين أيضاَ، كاشفة أن لدى إيران سواء فى عهد الشاه محمد رضا بهلوى 1941-1979، أو بعد الثورة الإيرانية 1979 رغبة فى إدارة منطقة الخليج، بحيث تكون هى القائد والموجه للسياسات فى هذه المنطقة، فى نفس الوقت الذى لم تكن دول الخليج تتمتع فيه بالقدرة الكافية على التعامل مع هذه الرغبة الإيرانية، وهو ما يمكن التأكد منه فى السهولة التى سيطرت من خلالها إيران على ثلاث جزر إماراتية "أبوموسى- طنب الكبرى- طنب الصغرى".
وقال الباز في دراسته الصادرة عن دار العربي للنشر إن مطلع الثمانينيات شهد حدثين غاية في الأهمية بمنطقة الخليج، أولهما نجاح الثورة الإيرانية في الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي 1979، وتولية النظام الثوري الجديد متمثلاً في شخص أية الله الخميني إدارة البلاد. وثانيهما تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية 1981 وما ترتب على هذا المجلس من تغييرات في أدوات وأهداف السياسة الخليجية تجاه إيران.
وقال: إن مرحلة جديدة بدأت بين الطرفين بعد عام 1979، اختلفت فيها أدوات إدارة السياسات. حيث انتقلت إيران من التعامل إنطلاقاً من رؤية علمانية تعتمد على الماضي العريق للإمبراطورية الفارسية في التعامل مع مشيخات الخليج، إلى التعامل مع دول مجلس التعاون إنطلاقاً من رؤية إسلامية عموماً ومذهبية خصوصاً. بينما انتقلت دول مجلس التعاون من مرحلة التردد والضعف في علاقتها مع إيران إلى مرحلة تتسم بكونها أكثر جرأة نظراً لشعور هذه الدول بالقوة نتيجة انخراطها في تكتل واحد، وهو مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

دول مجلس التعاون شكلت حديقة إيران الخلفية لتعويض الفجوة التي أحدثها الحصار، وعلى الرغم من التهاب الأوضاع، إلا أن المصلحة الإقتصادية بين الطرفين تفوقت على هذه الأوضاع الملتهبة

ورأى الباز أن النظام الإيراني اعتبر أن ثورته "عالمية"، لا تتوقف أحداثها في إيران وفقط، بل إعتبر أن ما حدث في إيران إنما هو نقطة البداية لثورة تطال كل دول العالم الإسلامى. بُناء على هذه الرؤية كان من الطبيعي أن تكون دول مجلس التعاون الأقرب جغرافياً لفكرة تصدير الثورة الإيرانية، حيث استخدمت إيران العديد من الأدوات في محاولة نشر الزخم الثوري في دول مجلس التعاون عبر العديد من أدوات القوة الناعمة، سواء شيعة الخليج أو الإعلام الموجه، وهي السياسات التي أثرت سلباً على الوضع الأمني والطائفي لشيعة مجلس التعاون، عندما أعتبرتهم هذه الدول الست أنهم أدوات إيرانية، فسعت إلى تضييق الخناق عليهم والتصدي لأي تحركات تقوم بها المكونات الشيعية خصوصاً في البحرين والسعودية والكويت.
وأكد أن الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 ساهمت فى الإنتقال بالعلاقة بين الطرفين إلى حالة أكثر توتراً، عندما طالت نار الحرب دول مجلس التعاون الخليجي. حيث تعمدت إيران معاقبة دول المجلس لتقديمها يد العون للعراق، وكانت أكثر مراحل هذة الحرب سخونة هي ما عرفت بحرب الناقلات، والتي فتحت الباب إلى التدخل الأميركي في الخليج جراء إستدعاء دول المجلس عموماً والكويت خصوصاً للحماية الأميركية من الإعتداءات الإيرانية، فيما عُرف بسياسة رفع الأعلام. 
كما أثرت الحرب سلباً على الحالة الإقتصادية لكل من إيران ودول مجلس التعاون، وكذلك على شكل العلاقة الإقتصادية بينهما، خصوصاً في ظل كونهما نظامين حديثي العهد، حيث إن كلا الطرفين يعتمد بنسبة كبيرة على النفط في بنيتهم الإقتصادية، وهي البنية التي تأثرت جراء تهديد ممرات الملاحة في الخليج والتي تعبر من خلالها ناقلات النفط من وإلى إيران ومجلس التعاون. 
في النهاية، أجهدت حالة النزاع هذين الطرفين، وفي ظل رغبة مجلس التعاون لبناء دوله الحديثة، وتحقيق ما حلم به قادة الدول الست عند اتخاذهم قرار تأسيس المجلس، وفي ظل رغبة إيران لإصلاح ما هدمته الحرب، فإن كلا الطرفين قد سعى لبناء نمط جديد من العلاقة يتميز بكونه أكثر مرونة وإتزاناً، خصوصاً بعد رحيل رجل الثورة أية الله الخمينى وتولي الرئيس المعتدل هاشمي رفسنجاني زمام القيادة في إيران.
سعت الدراسة أيضا إلى إبراز دور العوائق الداخلية الموجودة لدى كل من إيران ودول مجلس التعاون في الإنتقال إلى مستوى أخر أكتر مرونة في العلاقات فيما بينهما. فعلى صعيد دول مجلس التعاون، نجد أن قضية السيادة دائماً ما تقف عائقاً أمام أي تطور سياسي خارجي، بالإضافة إلى عدم إجتماع دول مجلس التعاون على رؤية موحدة فيما يخص التوجه العام لعلاقاتهم الخارجية فيما يخص إيران. وعلى صعيد إيران سعت الدراسة إلى توضيح هذه العوائق الداخلية أيضاَ التي تقف حائلاً أمام تطوير صيغة من العلاقات الأكثر متانة بينها وبين مجلس التعاون كالخلفية التاريخية الحضارية التي تسيطر على الخيال الإيراني السياسي، بالإضافة إلى رؤية إيران لدول الخليج بإعتبارها حكومات لا تتفق مع الإسلام، وهي أسباب كفيلة لتعميق الهوة بين الطرفين، وتعطيل أي محاولات لتجسير الهوة بينهما.
وأوضحت الدراسة تبيان الآثار الإقتصادية التي حملتها الحرب العراقية الإيرانية 1981-1989 على كل من إيران ومجلس التعاون، بالإضافة إلى اهتمام الدراسة بنقطة لم تتناولها معظم الدراسات، وهي موقف دول مجلس التعاون من العقوبات الإقتصادية الأميركية المفروضة على إيران.
وحاول الباز إلى جانب ذلك الاجابة عن عدة أسئلة مهمة مثل: لماذا اختار قادة دول الخليج الست (السعودية – الإمارات- الكويت- البحرين- قطر- سلطنة عُمان) الشكل التعاوني وليس الإتحادي كصيغة لتكتلهم السياسي الذي بات معروفاً باسم مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ لماذا تملك الخوف من إيران بسبب تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ هل نجحت إيران في تصدير أفكارها الثورية إلى داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ ما هو دور الدين في تشكيل العلاقة بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج العربية؟ لماذا سعت دول مجلس التعاون إلى الحفاظ على هامش من العلاقات بينها وبين إيران، حتى في ظل العديد من التعديات الإيرانية السياسية والعسكرية الواضحة والمعروفة؟ كيف كانت الحرب العراقية الإيرانية سبباً فى أن وجدت الولايات المتحدة لنفسها موطأ قدم في الخليج، من خلال إستدعاء دول مجلس التعاون للحماية الأميركية أثناء الحرب.
وقد انتهى الباز إلى عدة نتائج من أبرزها: 

Iran - Gulf Relations
أسئلة مهمة

أولا: العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي تندرج تحت توصيف "الفعل ورد الفعل"، كانت إيران دائماً في موقع "الفاعل"، بينما كانت دول مجلس التعاون فى موقع" المفعول به"، والسبب في ذلك أن إيران كانت طيلة التسع سنوات 1979-1989 مازالت تحت تأثير الزخم الثوري الموجه بالأيديولوجيا، بينما كانت دول مجلس التعاون تعاني ضعفاً على مستوى الهياكل السياسية، فلم تستطع القيام بدور الفاعل، أو كانت تتحرك دائماً نحو المواجهة مع إيران بعد أن تتحرك إيران هي نحوها، ويتضح ذلك أثناء الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988.
ثانيا: لا يعني أن ست دول خليجية قد إنخرطت في تكتل سياسي يسمى "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، أن هذه الدول الست قد باتت موحدة الرؤى بشأن سياساتها الخارجية، حيث نستطيع أن نلحظ عدم وجود رؤية سياسية موحدة لدى هذه الدول الست تجاه إيران - بإعتبارها الطرف الثاني في الدراسة - حيث إختلفت العلاقات بين إيران وبين كل دولة من هذه الدول حسب ما تقتضيه المصلحة الوطنية، وهو الخيط الذى إلتقطته إيران بدورها وساهمت في تعميقه وجعله نمطاً لعلاقاتها مع دول المجلس، وهو ما يعرف بنمط العلاقات الثنائية.
ثالثا: سيظل مجلس التعاون لدول الخليج العربية يصطدم بعوائق سياسية وإجتماعية تُعيق طريقه نحو الإنتقال إلى صيغة الإتحاد، أو حتى لتدشين علاقات ثنائية حساسة تحت مظلة التعاون. فإتفاقية العملة المشتركة لم يتم التوقيع عليها نظراً لعوائق سياسية وسيادية، والإتفاقية الأمنية إحتاجت نحو ثلاثين عاماً للتوقيع عليها. وبذلك تُضيع هذه الدول الست فرصة ذهبية للوصول إلى حالة أكثر إلتحاماً وما ينتج عن ذلك من تغير في توجهاتها السياسية الخارجية، فتستطيع قطع الطريق على كل من يحاول إستغلال هذه الحالة اللاتعاونية المتصدعة وإحداث حالة من التوازن بينها وبين قوة إقليمية كإيران.
رابعا: لا نستطيع وصف العلاقات الإيرانية مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية بأنها إيجابية على الدوام أو سلبية على الدوام، فحتى وإن إتفقنا على وجود أرضية متوترة بين الطرفين، إلا أن كلاً منهما كان يحافظ على مساحة يستطيعا من خلالها التحرك لقضاء مصالحه عندما تستدعى الحاجة. فعلى الرغم مثلاُ من اشتداد نار الحرب العراقية الإيرانية ووصولها إلى دول مجلس التعاون، فقد ظلت الأبواب مفتوحة بين الطرفين على أمل وضع حد لحرب تخسر فيها كل الأطراف، وفي ظل الحصار الإقتصادى الأميركى، فإن دول مجلس التعاون قد شكلت حديقة إيران الخلفية لتعويض الفجوة التي أحدثها هذا الحصار، على الرغم من التهاب الأوضاع، إلا أن المصلحة الإقتصادية بين الطرفين تفوقت على هذه الأوضاع الملتهبة.