رواية كازو إيشيغورو حلم غير مستقر
يقدم المترجم طاهر البربري لترجمته لرواية الكاتب البريطاني من أصول يابانية الحائز على جائزة نوبل للعام 2017 كازو إيشيغورو "من لا عزاء لهم" برؤية متكاملة تتبع فيها تجربة إيشيغورو الإنسانية والروائية، ومكانة هذه الرواية في سياقها، مستندا إلى قراءة تحليلية تدعمها أقوال كاشفة للكاتب.. حيث يرى أن الرواية تأتي لتطرح شكلا مفارقا ومدهشا ومثيرا للجدل في الوقت نفسه للرواية؛ إذ إنها تتخاصم بشجاعة مع الأنساق والتيمات المتعارف عليها في الكتابات الروائية المبكرة لـ "كازو إيشيغورو".
ويقول "أحداث الرواية تعلن عن نفسها في مدينة من مدن وسط أوروبا، آثر إيشيغورو ألا يسميها، وهناك ما يشبه السرد عبر تقنية الحلم في سياق غير محدود بمكان. وإذا كان أبطال روايات إيشيغورو السابقة قد أمدوا الذاكرة بأحد أشكال الترابط المتخيل، فهذه الرواية تتعالى على فكرة الهوية المستقرة تماما؛ إذ إن النص يفعل انتقالاته المباغتة غير المترابطة بين الحكايات المختلفة لوجود رايدر".
ويشير إلى أن جميع التساؤلات المعرفية التي تم طرحها عبر روايات إيشيغورو السابقة على هذه الرواية قد تحولت إلى تساؤلات وجودية في هذه الرواية التي تعتبر نصا رشيقا مربكا يكشف عن التزام إبداعي بالتجديد والتجريب.
وينقل البربري عن إيشيغورو قوله عن "من لا عزاء لهم" الصادرة عن دار جامعة حمد أنها "إحدى الاستجابات الإبداعية للحياة التي أعيشها، خاصة أن أعمالي الروائية الأولى كانت عن حيوات لا أدعي أنني خبرتها وعركتها بنفسي كأنسان من أصول يابانية. فرواياتي الثلاث الأولى كانت تمثل إبداعات روائية لكاتب شاب؛ حيث أفترض عبر هذه الأعمال الروائية الثلاثة أن الحياة محاولة لوضع معايير قيمة مكتملة على الأصعدة السياسية. وكنت أفترض أيضا أن الحياة يمكن أن تقاس بمدى القدرة على تفعيل تلك المعايير والتمسك بها".
كنت أعيش في إنكلترا، وعلى الرغم من أنه كان وقت الحرب الباردة، فإنه لم يكن هناك ثمة خطر حقيقي من الفاشية. أظن أنني كنت أخاف على جيلي من خطر أن يصبح راضيا عن أشياء أخرى
ويؤكد البربري أن الرواية تعد الأكثر اختلافا بين روايات إيشيغورو، ويشير إلى أن إيشيغورو نفسه ينظر إلى هذه الرواية على أنها إحدى الاستجابات الإبداعية التي تتزامن مع شعوره بمستوى مختلف من النضج المعرفي فيقول "... أنا الآن أكبر سنا، ويداخلني شعور بأن ثمة شيئا يبعث على عدم الرضا فيما يخص طريقتي في تناول العالم، عالمي أنا قد بدا أبعد ما يكون عن قدرتي على التحكم فيه، بعكس ما كنت أفترض ذات يوم. بإمكانك تبني مجموعة من المبادئ والقيم وأشياء تعلنها وتجاهر بها، غير أن هناك من يحملك على التصرف بطريقة تتناقض مع ما تريد. أحيانا ما نأخذ طرقا متعرجة في تناولنا للأشياء. وإذا ما استطعنا النجاح في مهمة ما، فالأمر كله محض صدفة. نحن دائما عرضة للفرص التي ننتهزها، والفرص التي لا ننجح في انتهازها. ورواية "من لا عزاء لهم" هي محاولتي لصياغة ما أشعر أنه هو البناء الفعلي للحياة روائيا".
ويرى البربري أن الزمن في هذه الرواية يتسق بشكل كبير مع عبثية الأحداث المنبثقة من حلم غير مستقر. فالزمن هنا لعبة مستفزة للغاية؛ إذ إنه يستطيل بصورة غير منطقية، أو على الأحرى بعبثية على مستوى الرواية في سياقها العام. فـ "مستر رايدر" عازف البيانو المعروف يصل إلى مدينة أوروبية "غير معروفة الاسم" وذلك من أجل كونشيرتو على درجة كبيرة من الأهمية، ولكن مع الإيغال في التتابع اللاهث للأحداث يتضح أن "رايد" لا يتذكر كثيرا من الأشياء المرتبطة بهذه الزيارة.
ويشير إلى أن الرواية عمل مثير للجدل، فـ "مستر رايدر" الراوي لم يعد قادرا على وضع صيغة معيارية للمسافة بين جمهوره وحيواتهم الاجتماعية. والرواية تطرح أحداثها عبر تفاصيل حلم غير مستقر للراوي/ البطل في الرواية ـ مستر رايدر ـ وهو أحد أشهر عازفي البيانو المعروفين في العالم.
تقع الرواية في أكثر خمسمائة صفحة في نصها الإنجليزي؛ مما يجعل القارئ للوهلة الأولى يستشرف نوعا من التشويق والدعابة والترويع في الوقت نفسه. إن نقطة الانطلاق الرئيسة تتمثل في وصول رايدر عازف البيانو المعروف في كل أنحاء أوروبا والعالم، يصل إلى مدينة أوروبية مجهولة "مدينة تبدو ألمانية من خلال أسماء الناس الذين يعيشون فيها". وزيارته إلى هذه المدينة تستهدف إنجاز شيء على أكبر قدر من الأهمية. لم يكن رايدر متأكدا من ماهية هذا الشيء الذي يتوجب عليه القيام به؛ غير أن هذا الحدث وفقا لبرنامج زيارته من المقرر حدوثه ليلة الخميس. ولكن على امتداد الرواية يتمكن رايدر ببطء من الإمساك ببعض المفاتيح، ويتذكر بعض المشاهد الغريبة من تفاعله مع سكان هذه المدينة. هذا البطء في استكشاف عالم هذه المدينة، يبدو مثيرا للسأم بدرجة كبيرة، لكن بعد الـ 300 صفحة الأولى من الرواية، ولأن رايدر كان يمضي في رحلته الاستكشافية لهذه المدينة بمنتهى الحذر خشية إثارة ضيق أي شخص من المحيطين به، تتحول حالة الأدب الجم في تعامله مع أناس هذه المدينة إلى حالة من الإحباط. والقارئ أحيانا ما تنتابه الرغبة في أن يصرخ أناس هذه المدينة في وجوه بعضهم البعض.
ويلمح البربري إلى أن الرواية تبدو غرائبية، لو لم يتناولها القارئ على أنها حلم غير مستقر. ويقول "يبدو أن إيشيغورو لم يأخذ وقتا كافيا لتحرير الرواية؛ ذلك أنه لم يلتزم بمعايير الزمان والمكان على الإطلاق. فالبنايات التي تصل إليها فيما لا يقل عن ساعة من الزمن تجدها وبصورة مباغتة قد أصبحت على بعد خطوات قليلة. الأصدقاء والالتزامات أيضا يتم إغفالهم تماما دونما أي عواقب سلبية من أي نوع "فالناس في هذه المدينة يتجاذبون أطراف الحديث لساعات طويلة حول لا شيء". وهناك الكثير من السلوكيات الغريبة، فنرى ـ وكأن لا أحد يلحظ شيئا ـ أن ضيف الشرف رايدر في حفل استقباله لا يرتدي شيئا سوى روب دي شومبر ينفتح على مصراعيه عندما ينهض ليلقي كلمة على الحضور. وفي مشهد آخر نرى اثنين من المصورين الصحفيين يتحدثان عن رايدر وكأنه ليس موجودا معهما. وبنفس الشكل نجد أن رايدر يعرف أشياء ليس له أن يعرفها، إلا في حالة الحلم؛ مثل معرفته بأفكار أو دوافع شخص آخر. بهذا الشكل نجد أن إيشيجورو قد تمكن بمهارة من أسر السوريالي في سياق واقعي، لكن افتتانه بهذا التصوير الروائي استمر طويلا بطول الرواية.
ويستعرض البربري في مقدمته للرواية مسيرة إيشيغورو لافتا إلى أنه قدم خمسة أعمال روائية هي: "منظر شاحب للتلال"، "فنان العالم الطافي"، "بقايا اليوم"، "ومن لا عزاء لهم"، و"عندما كنا يتامى"، وقد ترجمت كتبه إلى 28 لغة. بدأ نشاطه الإبداعي في عام 1981 عندما صدرت له عدة قصص قصيرة. فاز بجائزة Whitbread لأحسن كتاب عام 1986 عن روايته "فنان العالم الطافي". أكثر رواياته شهرة كانت رواية "بقايا اليوم" التي فازت بجائزة بوكر عن العام 1989، والتي وزعت أكثر من مليون نسخة في الطبعة الإنجليزية فقط. وقد تم تحويل "بقايا اليوم" لفيلم سينمائي، قام ببطولته إيما تومسون وآنتوني هوبكينز.
ويضيف البربري أن إيشيغورو لسنوات كثيرة لم يرجع إلى اليابان. وعندما واتته فرصة السفر تجول بين دول أوروبا وأميركا. اهتمامه باليابان أتى متأخرا؛ فقصصه القصيرة الأولى لم تأخذ من اليابان نقطة انطلاق لها، وعندما قرر أن يكتب عن اليابان كان قد قرر ألا يعود إليها؛ فقد تبنى خياله فكرة أن ما يذكره عن اليابان لم يزل كما هو دون تغير. ولذلك قرر أن يترك تصوراته هذه، بخصوص اليابان، كما هي، وألا يترك الفرصة للواقع الراهن أن يهشم هذه الفكرة. لقد كان كازو بدأ يتعرض لمن يطلب منه التعليق على بعض الشئون والقضايا اليابانية، لكنه ولأنه كبر في إنكلترا وشعر أنه بريطاني أكثر من كونه يابانيا لم يشعر بارتياح. وقرر أيضا أن يثبت أنه لا يحتاج للكتابة عن اليابان ليكتسب جمهورا من القراء؛ لذلك كان أن كتب رواية إنجليزية خالصة، تلك الرواية كانت "بقايا اليوم".
وينقل البربري على لسان إيشيغورو قوله "لم يحدث أن ودعت اليابان نهائيا، لقد ودعتها مؤقتا فقط. ولوقت طويل كنت أفترض أن العودة لليابان أمر لا فصال فيه، ربما لو كنا نعرف أنه وداع أبدي لكنا أكثر وعيا في تمسكنا باليابان. لكنه الوقت، العالم والحياة، تلك العناصر التي سارعت وتدخلت، وقررت إعادة ترتيب الأشياء بينما كنت في حالة من الغياب. وحينما استدرت كانت اليابان قد تسربت من بين يدي".
ويشير البربري إلى أن إيشيغورو خلال أربعين عاما، هي مدة اغترابه عن اليابان، لم يقم بزيارة اليابان سوى مرة واحدة، في زيارة قصيرة بعد صدور الطبعة اليابانية لروايته الثالثة "بقايا اليوم" الفائزة بجائزة بوكر، وعلى الرغم من رحلاته الكثيرة والتي امتدت لتشمل دول أوروبا وأميركا إلا أنه كان دائما يتجنب العودة عن عمد. ويبرر إيشيغورو تجنب العودة إلى اليابان عامدا بقوله "لأن كل هؤلاء الناس ما زالوا أحياء في رأسي. وضد كل أنماط المعرفة العقلية، أنا مؤمن بأن كل الأمور تمضي على خير ما يرام هناك، دائما كما كانت. لم يزل عالم طفولتي حيا"، وكأنه إذا ما عاد إلى هناك فسوف يرتكب جريمة اكتشاف موت جميع – هذه المرة بواقعية الخيال المهيمنة.
وفي تناوله لروايات لإيشيغورو يرى البربري أن التاريخ بالنسبة لأمة هو ذاته المعادل الموضوعي للذاكرة بالنسبة للفرد. كلاهما يعملان ـ تاريخ الأمة وذاكرة الفرد ـ على رصد مواقعنا الإقليمية والقومية، كلاهما يحملان على عاتقيهما مسئولية إخبارنا، من نحن عبر الإلحاح بفعل التذكر علينا لنعرف من نحن وماذا فعلنا ونفعل. وكلاهما كما يقول إيشيغورو "في غاية الانفتاح لكل أشكال الانتقاء، والكبح والقمع والمراجعة". من خلال هذه المقولات تنطلق الشخصية الروائية عند كازو إيشيجورو لتختبر قيم التداخل والتمازج بين ذاكرة الفرد وتاريخ الأمة. حيث تتمحور روايات كازو إيشيجورو حول الذاكرة/ الذكريات وقدرتها الكامنة على الاستطراد والتحريف، على النسيان وكبح الماضي، وفوق كل هذا إبراز اللحظة الحاضرة. إن أبطال رواياته يحاولون التغلب على الخسارة "الخسارة الشخصية" لأفراد العائلة والأحباب؛ الخسائر التي تنبثق عنها الحرب، وذلك من خلال الإحساس بالماضي عبر فعل التذكر".
ويوضح كانت روايتاه "منظر شاحب للتلال" و"فنان العالم الطافي" نموذجين من هذه الكتابة الروائية. هذان العملان المبكران يأخذان القارئ في رحلات إجبارية عبر مخيلات وذكريات أبطالها اليابانيين إيتسوكو وأونو. مثل هذه الذكريات الشخصية لا تنحل في فراغ سياسي، لكنها تتقاسم علاقات بالغة التعقيد مع أحداث سياسية استطاعت ترويع العالم بأسره تحت وطأتها الفادحة. "منظر شاحب للتلال" و"فنان العالم الطافي" تدشنان أحداثهما عقب ضرب نجازاكي وهيروشيما بالقنبلة الذرية، هذه الأحداث الجارحة بحدة، تترك ندوبها على هاتين الروايتين.
لا يمكن القول بأن روايتي "منظر شاحب للتلال" ورواية "فنان العالم الطافي" من الروايات التاريخية بشكل مباشر إذن. في واقع الأمر إن الشئ المراوغ والمربك في كلتا الروايتين هو الطريقة التي نلمس بها أي محاولة لسرد الأحداث الكارثية. على الرغم من أنها أحداث جوهرية في صلب الروايتين. إنها لا تتحرى الظروف التاريخية لـ "هيروشيما" و"نجازاكي" بقدر ما تصور تكيف الشخصيات مع مثل هذه الأحداث الدامية والجارحة. بنفس الطريقة نجد أن روايتي "بقايا اليوم" و"عندما كنا يتامى" تعلنان عن وجود الحرب العالمية الأولى والثانية فيما وراء أفق أحداثهما.
ويضيف إنه من الملفت للنظر في روايات إيشيجورو أنها تنطوي على شخصيات تخدع نفسها، أكثر مما تعلن عنها من خلال الحكي. إن الروايات ليست محاولات لاستدعاء الماضي بصورة منطقية ومقنعة. يقول كازو إيشيجورو "عندما بدأت في كتابة أعمالي الروائية بين عامي 1980 و 1981 كنت مشغولا باليابان وفترة الحرب التي مرت بها. وهذا لا يعتبر مثيرا للدهشة على أي مستوى؛ لأن أي إنسان من أصول يابانية أو ألمانية، بالتأكيد سيكون لديه ميل قوي للتساؤل عن المنحى السلوكي للإنسان إذا ما ولد في زمن الحرب. هذا هو السؤال الذي كنت مهموما بطرحه من موقعي الآمن المريح كمواطن ولد في زمن غير زمن الحرب. كنت أعيش في إنكلترا، وعلى الرغم من أنه كان وقت الحرب الباردة، فإنه لم يكن هناك ثمة خطر حقيقي من الفاشية. أظن أنني كنت أخاف على جيلي من خطر أن يصبح راضيا عن أشياء أخرى".

