الجابلي يتقصّي الطّابع المركّب للفلسفة العربيّة من خلال الفارابي

الفارابي كان من المدافعين القلائل عن الفلسفة في عصر موسوم باستشراء الخلافات والصّراعات العرقيّة والإيديولوجيّة.
إنجاز الفارابي يؤكّد منزلة راقية لا تقلّ أهميّة عن منزلة  المفكرين المحدثين
الكاتب التونسي يشير إلى إنّ قراءة آثار الفارابي محفوفة بكثير من المزالق

ضمن فضاء إبستيمي مداره الأساس تاريخ الفلسفة العربية والإسلامية خلال العصر الوسيط ممثلاً في فكر الفيلسوف العربي الفارابي الذي يشكّل قامة من قامات الفلسفة عبر تاريخها قديماً وحديثاً وحتى معاصراً، يأتي هذا الكتاب "الفارابي متعدّداً: نحو فلسفة عربية مركبة" للباحث التونسي سعيد الجابلي، والذي يمثل في الأصل سلسلة من المقالات والدراسات قام المؤلف بنشرها على مراحل متعاقبة في مجلات تونسية وعربية محكمة. 
يرى الجابلي أن الفارابي أخلص إلى أساطين الفلسفة والحكمة اليونانية مثل أفلاطون وأرسطو، والأفلاطونيّة المحدثة، وآثر تعظيمهم في الفلسفة والسياسة على الخصوص، فإنّه لم يقلدهم تقليداً أعمى؛ بل جعل إيثار الحق أحقّ وأولى من إيثار الأوائل. هذا مصداق لقوله إنّ الفيلسوف الكامل هو "الذي حصلت له الفضائل النظريّة أوّلاً، ثمّ العمليّة ببصيرة يقينيّة"؛ لأنّ القصد إلى الأعمال يكون بالعلم، ولأنّ إتمام العلم يكون بالعمل؛ لذا، يتعيّن على الفيلسوف ألّا يكون سجين الكهف المعرفي للأوائل الذين تفلسفوا؛ بل أن يؤدّي المهمّة المنوطة بعهدته ويعمل على تأصيل المدينة الفاضلة، وذلك بإصلاح نفسه أوّلاً، ثمّ إصلاح غيره ممّن في منزله أو مدينته أو أمّته.  
ويضيف إنّ النّظر في مفاعيل فلسفة الفارابي من هذه الزاوية التاريخيّة، وإن كان يُجلي مكانته الأساسيّة بين فلاسفة الإسلام، من شأنه، إذا ما تمّ الاقتصار عليه، أن يوقع في ضرب من الاختزال، وأن يمنع من التنبّه إلى طرافة الأسئلة التي طرحها المعلم الثاني في اتصالها العضوي بأبعاد النّظر الفلسفي في الإنسان، ناهيك أنّ الفلسفة الفارابيّة، في مقاصدها الكبرى، هي فلسفة "إنسيّة؛ أي نسق يجعل الإنسان محور التّفكير، ويسخّر الأشياء لسعادة الإنسان"، وهي بذلك "إنسيّة أخلاقيّة". الأمر الذي أكسب فلسفته صفة الرّاهنيّة، التي هي خاصيّة كلّ فلسفة حيّة ما انفكّت في فعل التجدّد عبر حوار الأجيال، واستحال الفارابي إثرها فيلسوفاً ذا راهنيّة مثيرة في كلّ مرّة. 
ويشير الجابلي إلى إنّ قراءة آثار الفارابي محفوفة بكثير من المزالق، والطريق إلى مقاصده تستلزم اعتماد التأنّي، وتجنّب  التسرّع في الحكم؛ إذ إنّ ما يسترعي انتباه الباحث، هو معالجة الفارابي للموضوع الواحد في عدّة مواضع مختلفة، ممّا يوحي للوهلة الأولى بالتشتّت، غير أنّ المتفحّص يُلفي، أنّ الفكرة لدى فيلسوفنا لا تعطى دفعة واحدة، ولا تتجلّى كاملة، إلا بعد رصدها في سياقات عدّة. فهناك مسائل مُحكمات هنّ أمّ نسقه الفلسفي برمّته، وأخر متشابهات بين مؤلفاته، وهو لأمر أملته الضرورة المنهجيّة، أو طبيعة التدرّج الإشكالي في مستوى التعاطي مع القضايا المثارة، لا يخاطب من خلالها الفارابي جمهور القرّاء والباحثين إلا رمزاً.  
ويطرح طائفة من التساؤلات الجوهرية: ما هي تجليات التّعدّد وسياقاته فارابيّاً؟ أنّى لهذا التّعدّد الّذي يسم المتن الفلسفي الفارابي أن يشكّل انبجاساً هادفاً غير ذي عوجٍ ولا أمتٍ للطابع النّسقي المركّب للفلسفة العربيّة الإسلاميّة الوسيطيّة؟ ما حاجتنا إلى التفكير "بـ ومع" الفارابي اليوم؟ أَتُعزى تلك العودة إلى النّسق الفلسفي الفارابي إلى هوس معرفي خالص، أم فرضتها أزماتنا الأنطولوجيّة الرّاهنة فكراً وممارسة، والاستجابة لرغبتنا الجامحة في فعل التّحرّر منها؟ 
تلك الأسئلة يسعى الجابلي للإجابة عنها، مؤكدا أنه لا يدّعي فتحاً مبيناً في دراسة الفلسفة الفارابيّة، كما لا يأمن أيضاً عثرات البداية وأن المدار الأساسي لعمله هو "تقصّي الطّابع المركّب للفلسفة العربيّة من خلال الأنموذج الفارابي، وتبيّن إثر ذلك الخاصيّة الموسوعيّة التي وسمت النسق الفلسفي لدى المعلم الثاني، ولاسيّما من جهة تعدّد الموضوعات والمباحث التي طرقها فيلسوفنا بالدّرس والتحليل، وما اتصل بها من ترابط منطقي لافت يستحيل معه الفصل بين مسألة وأخرى".

الفارابي بتدينه العقلاني، كان مسلماً ورعاً متحصناً في الآن نفسه بمرونة أسلوبه وسلاسة تعامله مع القضايا الشائكة في عصره كقضيّة العلاقة بين المقدّس والدّنيوي

وانطلاقا من ذلك يرتب الجبلي كتابه الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود في مقدمة وثمانية فصول، خصّص الأوّل منها للمبحث الأنثروبولوجي، من خلال مقاربته مفهوم العلم الإنساني عند الفارابي. والنّظر في تجليّات التعدّد لدى المعلم الثاني في سياقات أخرى، آملا من وراء ذلك الوقوف عند فكرة النّسق، أو الفلسفة بوصفها مشروعاً مركّباً يستقي مقوّماته من أبعاد متنوّعة، تتعيّن تحديداً في: البعد الميتافيزيقي، البعد النفساني، البعد الإيتيقي - السياسي، وهو المضمون الأساس لكلٍّ من الفصل الثاني، الرّابع، الخامس، السّابع، والثامن، في حين أفرد الفصل الثالث لتدبّر المبحث الفنّي، من خلال تركيزه على صناعة الموسيقى تلمّساً لأغراضها ومنزلتها ضمن المتن الفلسفي الفارابي، وارتأى في الفصل السّادس معالجة المبحث الإبستمولوجي، بالنبش في التخوم الإشكاليّة لإحصاء العلوم والصناعات في مستوى أوّل، دون أن يغفل تقصّي واقع العلاقة بين النّحو العربي والمنطق الفلسفيّ لدى الفارابي في مستوى ثانٍ. 
ويشير الجابلي إلى أنّ الفلسفة مع الفارابي قد مثلت عصرها خير تمثيل، فحملت همومه، وطرحت أهمّ إشكالياته، وعبّرت بصدق وتماسك نادرين عن مشاغل أهله. ولأمر كهذا، استحالت الفلسفة إلى الملاذ الذي استجمع من خلاله المعلم الثاني كلّ قواه وخبراته، تأصيلاً لنظامه الفلسفي برمته وتشييداً لنسقه الفلسفي، الذي يستقي منابعه الأساسيّة من روافد عدّة: عربيّة إسلاميّة وإغريقيّة. وعلى الرغم من اقتباسه جانباً من أفكاره عن الشريعة الإسلاميّة من ناحية وعن الفلاسفة الإغريق من ناحية أخرى، ظلّ محتفظاً بأصالته، وترك نظاماً فلسفيّاً قائماً بذاته. وبقي هذا النّظام، باستثناء بعض التعديلات الفرعيّة والشكلانيّة، النظام الذي سيهتدي بهديه رهط من المتفلسفة العرب من بعده في المشرق والمغرب.  
كان الفارابي من المدافعين القلائل عن الفلسفة في عصر موسوم، باستشراء الخلافات والصّراعات العرقيّة والإيديولوجيّة، دفاعاً مأثوراً ومشهوداً له بنقاوته وصفاء عبارته ودقة براهينه وتجنّب المناهج الدّفاعيّة واللا - عقلانيّة التي وسمت التيارات الفكريّة في عصره، والتي سرّعت بالانقسامات، وأجّجت نار الخلافات بين الفرق والطّوائف؛ تلك الخلافات  التي مثلت، في حقيقة الأمر، باكورة التفلسف وإرهاصاته الأولى، على نحو ما عبّر عنه الفارابي ذاته، في تعريفه للصنائع وتمييزها بعضها عن بعض، حيث تكون البداية بالطرق الخطبيّة، وتتطوّر صعوداً في بناء الفكر إلى الطرق البرهانيّة اليقينيّة التي للفلسفة.  
ويتابع أن الفارابي باطلاعه الموسوعي ومنهجيّته الصارمة وحنكته السياسيّة، وفّق في إفادة أهل زمانه وتوجيههم نحو أفضل الطرق التي تحصّنهم من مخاطر الجدل العقيم، ناهيك عن أنّه شدّد على الجانب الميثودولوجي بلا هوادة، ليس من حيث بناء النظريّات الفلسفيّة وانتقاء أصولها ومصادرها فحسب؛ بل أيضاً من حيث طرحها وعرضها على الآخرين. وهذا ما جعله يأمن شرّ المتسرّعين في أحكامهم وتشنيعهم المتهافت للفلاسفة المتحررين من التبعيّة الدوغمائيّة "للسّلف الصالح" بأخطر التهم ونعتهم بالزنادقة والكفار، ويبدو أنّ الفارابي بتدينه العقلاني، كان مسلماً ورعاً متحصناً في الآن نفسه بمرونة أسلوبه وسلاسة تعامله مع القضايا الشائكة في عصره كقضيّة العلاقة بين المقدّس والدّنيوي، إضافة إلى قدرته العجيبة على المرونة في طرح آرائه، فإنّه يتقن رصف الحجج بتماسك منطقي في منتهى الرّصانة والانسجام. 
ويؤكد الجبلي أنّ الإنجاز الذي حققه الفارابي، إذا ما قيس بمقاييس عصره يُعدُّ سابقاً لأوانه. وهو إنجاز يؤكّد منزلة راقية لا تقلّ أهميّة عن منزلة  المفكرين المحدثين. وهو، أيضاً، ما جعله جديراً بعديد الدّراسات والبحوث النّظريّة والملتقيات التي يصعب إحصاؤها، بل إنّ كثيراً من البّاحثين قد اختُصّ في دراسة أفكار الفارابي وفلسفته.  

ويقول "يكفينا الرجوع إلى البيبليوغرافيا الخاصّة بهذا الرّجل، حتّى ينقلب إلينا البصر خاسئاً وهو حسير، بشأن المكانة المرموقة التي حظي بها من لدن جمهور المتفلسفة، الذين طفقوا "مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ"، تلقاء نصوص الفارابي،"لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً"، و"لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ"، من الجهة التي، لو كان المعلم الثاني بيننا، لنافسهم فيها بالنواجذ. وإنّها لكبيرة إلا على الذين قد اتبعوا، في غير مرية منهم، صراطاً سويّاً يقودهم إلى تمثل مقاصد الفلسفة الفارابيّة بما هي منظومة مترابطة الأجزاء. وتبعاً لذلك، ألا تكون الفلسفة، في تقدير الفارابي، طريقة في الحياة، طريقة عقلانيّة وعمليّة في آن. 
والفيلسوف، بهذا المعنى، يتصدّر المكانة الأرقى في المدينة، فكلّ الأطراف تحتاجه نظريّاً وعمليّاً، ودونه تهلك المدينة. وهذا هو رهان الفلسفة عنده؛ مدينة سعيدة وهبت نفسها للفلسفة، بوصفها صناعة رئيسة وصناعة الرئاسة؛ إذ "لا يوجد شيء من موجودات العالم، إلا وللفلسفة فيه مدخل وعليه غرض، ومنه علم بمقدار الطاقة الإنسيّة". ويروم الفارابي، من خلال هذا الحدّ، التنصيص على أنّ الفلسفة خطاب شمولي - كلّي، لتكون ساعتها، على الرغم من تعدّد لحظاتها وسجلاتها، حضوراً يرفض أن يتجمّد فيه المعنى إنكاراً للتاريخ، أو أن تسلب منه الحقيقة؛ إنّها، في جوهرها، إنشاء للمعنى الذي تتجدّد به علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.