غاليري ضي بالقاهرة يحتفي بروايات سعد القرش

نخبة من أبرز المبدعين والنقاد المصريين يناقشون المنجز الروائي للكاتب المصري من 'أول النهار' إلى '2067'.
شيماء عيسى
القاهرة

محام وارستقراطية يلتقيان بلا موعد، بعد خيبات حياتهما الزوجية، ويحلمان بتدشين متحف لتاريخ ميدان التحرير، قبل أن يتلاشى من ذاكرة الأجيال الجديدة المطاردة بأجهزة الرقابة والروبوتات القاتلة.

كانت تلك أجواء الرواية التي ناقشها نخبة من أبرز المبدعين والنقاد المصريين في غاليري "ضي" بحي الزمالك بالقاهرة، احتفاء بالمنجز الروائي للكاتب المصري سعد القرش. إذ أكدوا أنه يحمل ملامح مشروع مكتمل بداية بروايته "أول النهار" (2005)، حتى أحدث رواياته "2067" الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

أدار اللقاء الشاعر محمد حربي منسق منتدى "محمد عفيفي مطر"، وأشار إلى أن سعد القرش قدم ثلاثية أوزير (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد) وهي تلخص الحضارة وعلاقتها بالأرض والطمي، وتشتبك نهاياتها بالبداياتوكأننا إزاء دائرة من المصائر، وما تنبأ به القرش في روايته الجديدة التي تنتمي للديستوبيا قد بدأ بالفعل؛ فأصبح هناك شرائح ذكية يتم زراعتها لقراءة المخ والهواجس.

أهرب من الكتابة.. وإليها

وعن علاقته بالكتابة قال القرش في بداية الندوة: لست موظفا عند الكتابة ولا عند القارئ، أسستمتع بالكتابة وأهرب منها؛ من استنزافها للروح، ولهذا لم أكتب منذ سنة 1995 سوى سبع روايات، والرواية الأولى "حديث الجنود" نسيتها، حتى أرسل إلي الناقد الكبير صبري حافظ مقالا كان قد كتبه عنها في نهايات التسعينيات، ورفض نشره في "المصور" فنشره في "العرب" اللندنية.

والرواية فن أدبي ممتع، وليست شعارا سياسيا ولا لافتة يحملها صاحبها ساعيا إلى زعامة ما، وإن لم تكن الفن كذلك فلن يكتب له البقاء.

وأشار القرش إلى أن الرواية الجديدة "2067" هي اقترابه الثاني من ثورة 25 يناير 2011، بعد كتابه "الثورة الآن.. يوميات من ميدان التحرير"، الصار عن قصور الثقافة 2012، ولقد كانت لحظات مصرية بامتياز، ارتفعت فيها أرجوحة الثورة للعنان ولكنها سقطت في إحباطات متوالية.

آلات الرقابة على البشر

وقدم الدكتور محمد السيد إسماعيل قراءة في روايات القرش، مقارنا بين روايته الحديثة ورواية "المايسترو" (2019) وفيها نرى بطولة المكان بامتياز؛ أربعة رجال من العرب والأجانب من أطياف فكرية مختلفة يمينا ويسارا، توحدهم الشجون، فوق قارب في مدينة خليجية، يجرفه التيار ببطء.. بينما نجد أنفسنا أمام بطولة الزمان، في رواية "2067"، باستشراف مستقبل الأجيال العربية المقبلة، وسنرى أنها صورة مهتزة مشوشة بشكل كبير بعد سيطرة آلات الرقابة على البشر، بما يذكرنا بما فعله جورج أورويل في رائعته "1984".

ويستطرد الناقد: القرش يضيف أبعادا اجتماعية ومنها الطبقية التي ستظل لأجيال قادمة، فبطلة الرواية "سونهام" أرستقراطية، ورغم تورطها في حب البطل المحامي "رشيد" ولكنها سترفض الاقتران به لأنها تستحق شخصا من طبقتها، فهي مثال لسيطرة النزعة المادية وتلاشي الرومانسية الأسطورية التي روجتها الأفلام من عينة "رد قلبي" حين أحبت ابنة الباشا ضابطا غير مكترثة بكونه "ابن الجنايني"، وعلى النقيض سنرى بين بطلات الرواية طالبة لا تعرف سوى الحديث بلغة الجسد.

وهناك سمت عام لمنجز سعد القرش، وهو استحضاره للحضارة المصرية القديمة، وكتاب "الخروج إلى النهار" الذي يذكرنا بكثير من النصوص الدينية السماوية.

النبوءة تطارد عائلة عمران

قدمت الدكتورة شيرين العدوي، قراءة في ثلاثية "أول النهار"،"ليل أوزير"،"وشم وحيد". ورأت أن الثلاثية تحمل لعنة طاردت عائلة بكل أجيالها، كما أخبرتهم النبوءة، فكل خمسين عاما تحل كارثة، ويواجه عمران فاجعة جديدة. والراوي بدا مراوغا، فعنوان "أول النهار" يشي بالسطوع ولكنه يحمل أحداثا مروعة من مثل فيضان النيل الذي أغرق قرى بأكملها،ولم يبق من عائلة البطل أحد، واضطر إلى أن يبدأ من الصفر على أرض جديدة تذكرنا بقصة نبي الله نوح عليه السلام.

والبنية السردية عند المبدع تمتاز بالبساطة والعمق والشاعرية والدراية بالشخصية المصرية القروية وتفاصيلها، والدراية كذلك بأبعاد الزمان والذي هو نهاية حقبة المماليك التي نجد حياة الأبطال مغايرة لها ومشابهة لحياتنا.. سنرى شخصيات من لحم ودم مثل الجدة بكل موروثالحكايا، وعمران الذي يحاول إقامة العدل في الأرض الجديدة ولكن الحياة لا تمهله، ونستمر في تتبع الأحفاد وهم يحاولون استكمال مسيرة الجد.

القرش
اجماع من الحضور على ان الكاتب يحمل ملامح مشروع مكتمل

وفي شهادة إبداعية عن رواية "2067"، تحدث الشاعر والمسرحي أحمد سراج في ورقة باسم "ديوان الأيتام" عن تقنيات الكتابة المتمثلة في التلاعب، وبناء الفجوات في الرواية الجديدة لسعد القرش، واستحضار الرمز والنبوءة، وهي لعبة يتحول فيها الصياد إلى طريدة، والعكس، وتدق عليهما عقارب الساعة، فيشعر أحدهما بالرعب، فيما ينتظر الآخر قيامته، وهنا نحن أمام رواية تشير إلى تمام نضج الأحلام بعد الأربعين، والعودة من التيه.

بين الأدب والتاريخ

الروائية أمينة زيدان، أشارت للقاموس المستوحى من المستقبل في الرواية، وواقعية اللغة الحوارية والتي تمزج العربية بالإنجليزية كما يحدث بين أبنائنا الآن، وسنرى بطولة التكنولوجيا وهيمنتها على البشر، وأشارت "زيدان" إلى نساء روايات سعد القرش؛ وهن قويات ومتحديات لواقعهن مهما بلغت قسوته، بل ويبدو العالم أكثر قسوة كما نرى في الرواية؛ فهناك إشارة - في زمن الرواية -  إلى أن حربا كونية سوف تقع، وتعظم من القبضة الحديدية على كل المجتمعات وتخضع البشر، ولكن يبزغ الأمل مع متحف مقتنيات الثورة.

 وتناولت الفنانة التشكيلية سماء يحيى الجانب التشكيلي في أعمال سعد القرش، وبدأت بكتاب "في مديح الأفلام"،ويحتشد بصور درامية نرى فيها الصبي القروي الذي يحلم بدخول السينما، ويجلس مرتديا جلباب العيد الجديد، ليشاهد لأول مرة فيلما سيغير مسار حياته ويربطه بمحبة الفن، ثم وهو يشاهد في وقت لاحق في سياق مكاني مختلف في سينما كريم بالقاهرة فيلم"الطوق والإسورة" فيقع في أسره. ثم عرجت على الثلاثية التي بدت فيها حالة من الانقسام بين طبقة إقطاعيين وطبقة بسيطة من الفلاحين ممن حفروا القناة بأيديهم، ولم يجدوا قبورا تواري أجسادهم المنهكة، كما استطاع الكاتب تجسيد شتات عائلة عمران طيلة قرنين من الزمان.

وختاما قارن الدكتور هشام عبد العزيز أعمال سعد القرش بتاريخ الجبرتي ولكن في الأدب. وأشار الفنان التشكيلي محمد عبلة إلى كون الشخصيات في الروايات تحمل درجات من الظل والنور والظلام تماما مثل اللوحات. أما عالم المصريات الدكتور فكري حسن فأكد أن المؤرخ ما هو إلا حكاء،وأن الأدب لا ينفك عن التاريخ. فيما عبر الشاعر زين العابدين فؤاد عن أن الفن ليس لافتة ولكن دفقة من الحياة.