القاص أنيس الرافعي: الكتابة بعد استحقاقات معينة تشبه تسلق جدار أملس

ليلى بارع تجري لقاء أدبيا حواريا حول التجربة القصصية للكاتب المغربي الفائز بجائزة 'الملتقى للقصة القصيرة العربية بالكويت'.
ليلى بارع
الدار البيضاء

نظم ملتقى الثقافات والفنون، بشراكة مع محترف التلقي المسرحي، لقاء حواريا حول التجربة القصصية للقاص أنيس الرافعي، بمقر مديرية الثقافة بليرميطاج، بمدينة الدار البيضاء، ويأتي هذا اللقاء حول تجربة أنيس الرافعي القصصية احتفاء بفوزه بجائزة "الملتقى للقصة القصيرة العربية بالكويت"، عن مجموعته القصصية "سيرك الحيوانات المتوهمة".

الكاتب في مشغل التجريب

وقد قدم بلاغ الجهة المنظمة الكاتب بالقول: "أنيس الرافعي، هو واحد من كتاب القصة القصيرة، الذين لهم تجربة، فيها جرأة وتجريب، بما يعنيه التجريب من وعي بالاختلاف، وميل إلى كتابة، تخرج عن السائد في القصة، بما فيها من عوالم فنطاستيكية غرائبية، مليئة بالدهشة والخيال. وبلغة، هي انعكاس لأفق هذا التجريب".

اللقاء الذي أشرف على تسييره الشاعر والكاتب المغربي صلاح بوسريف، حاول الإحاطة بتجربة القاص أنيس الرافعي الإبداعية، عبر تقديم مجموعة  من الأوراق النقدية والقراءات في أعماله القصصية المتعددة، كما فتح هذا اللقاء الحواري النقاش حول التقاطعات في أعماله القصصية مع فنون أخرى مثل التشكيل و المسرح والشعر، مع التأكيد على توغل تجربته القصصية في التجريب كخيار يصعب معه حصر كتاباته في خانة محددة، لكون التجريب عمليةمستمرة في كل أعماله القصصية برؤى وزوايا وعوالم سردية مختلفة عن سابقتها.

الكاتب والجدار الأملس للكتابة

أكد الكاتب أنيس الرافعي، خلال اللقاء الحواري حول تجربته القصصية بمدينة الدار البيضاء بالمغرب، أن الكتابة تفترض إيمان الكاتب بمشروعه، وأنها تصبح أصعب وأصعب بعد استحقاقات معينة، مشبها الأمر بقوله "وكأنك تتسلق جبلا أملس من دون وسائل صعود للأعلى، وعليك أن تلتصق كضفدعة لتصعد ولا تزلق..."، مضيفا أنه تعرض للكثير من الانتقادات من أهل الحرفة/الكتابة، لكنه كان مصرا على عدم إعارة الإنتباه لأحد، وأنه كان يكتب لتحقيق مشروعه الأدبي، كاشفا أن أغلب من انتقده لم يقرؤوا كتاباته بل فقط ما كتب من شائعات عنه... وأنهم لم يفهموا مشروعه ولا مرجعياته المختلفة في الكتابة، ولا يعرفون مشغل ولا ورشة الكاتب.

بالمقابل أكد أنه رفض دوما الدخول في أي سجالات أو معارك أدبية مقابل التركيز على مشروعه الأدبي، وأن هذا الأخير يتطلب الاختفاء مشيرا أن قدر الكاتب هو الاختفاء حيث لا يبقى في النهاية سوى النص عوض الشخص.

أنيس الرافعي
مبدع 'يجيد رتق الشقوق وردم الهوم بين كينونته كمبدع وبين الجانب النقدي داخله'

إضاءات على المنجز القصصي للكاتب أنيس الرافعي

تحت عنوان القصة والتجريب في قصص أنيس الرافعي، كتب الناقد أحمد زنيبر: "يمثل الكاتب أنيس الرافعي أحد الأصوات الإبداعية المغربية التي انتصرت لجنس القصة القصيرة دون غيرها، معتبرة إياها مختبرا ملازما للإبداع وورشا مفتوحا على الجديد والتجريب، ولعه منذ القراءة الأولى لمجاميعه القصصية، أشياء تمر دون أن تحدث فعلا / السيد ريباخا/ البرشمان/ ثقل الفراشة/ فوق سطح الجرس/ اعتقال الغابة في زجاجة،  يتبدى شغب الرافعي بالكتابة، حيث الحرص على توظيف تقنيات لا تكتب القصة وإنما تسافر إليها....".

 من جهته اعتبر الناقد عمر العسري في ورقته النقدية: "إن كل اختيارات أنيس الرافعي في أضاميمه القصصية كانت تنطلق من أسناد مختلفة تصرح بها، ثم تعمل على تجريب انصهارها في صلب النص القصصي، وقد توقفنا عندها من خلال دراسة نقدية مونوغرافية موسعة، غير أن تجربة "صانع الاختفاءات" تعلى من شأن سندين أساسين لم يتطرق إليهما من قبل في تجربته المغامرة، هما مكعب روبيك وفن الرسم الساخر. ومن خلالهما سنتوغل في تفاصيل اللحظة القلقة، التي تشكل نسيج الحياة في القصة، وذلك باعتماد شخصيات فردية، وانتهاج صيغة وصفية أساسها البورتريه تستمد مشروعيتها من المحاكاة الساخرة أحيانا، ومن التعدد الوظيفي لبنيات السرد القصصي...".

أما الإعلامي والناقد سعيد منتسب، فقارب تجربة أنيس الرافعي في ورقة بعنوان "الـوجوه السبعة لـ"براكسيس" القاص أنيس الرافعي، اعتبر من خلالها أن "البراكسيس هو التعبير الأقصى عن تجربة أنيس الرافعي القصصية، لغة وبناء. والمقصود بالبراكسيس، هنا، هو ذلك النشاط المستمر الذي توضع من خلاله مبادئ القص موضع التطبيق، من خلال المداومة على تحويل "النشاط القرائي" إلى قوة محركة لتغيير الشكل الأساس للقصة. إنه بتعبير أدق، الخبرة التي تقفز على ما يسمى "الحاجات الضرورية للقصة"، بالبرهنة على أن الشكل ليس عقيدة ثابتة، وأن "نظريات القصة" قابلة للاختراق العملي الممنهج"، مضيفا: "لقد قال أنيس دون مواربة، وفي أكثر من مناسبة، إنه مدين لآراء خوليو كورتاثار النظرية في هندسة النص القصصي؛ وهي آراء "غائرة الأهمية حول البناء البلوري للحبكة، وطرائق تشكيل مفتتح السرد ومختتمه، ورسم الشخصيات، وتوظيف الفنطاسي، واللعب بأبعاد الزمن عبر الضمائر، وتكثيف اللغة بطريقة مينيمالية، وبناء الشكل وفق نظام الأوعية المتواصلة، وتمرين النفس ومجاهدتها على الكتابة بصلافة، وبلا أدنى وفاء ضد الأسلوب".

الناقد محمد علوط اعتبر أن الكاتب أنيس الرافعي ضليع في اختبار "أشكال رفات جفون القصة"، هو الكاتب الذي أدان أكثر من مرة الكتابة التي في عماها تتوكأ على عكازة "أفق الانتظار المتسول"، وهو القائل ذات سياق: "تبا، إنهم يريدون قصة بسيطة بلا طيات.." واصفا إياه بالقاص الذي يستطيع أن ينشأ من حطام التبن سنبلة.. مشيرا إلى أن المبدع أنيس الرافعي يجيد رتق الشقوق وردم الهوم بين كينونته كمبدع وبين الجانب النقدي داخله، إجادة شبهها بمهارة الأكروبات في السير على حبل السيرك، حيث يحتجب الناقد ليسمح للمبدع بالظهور، مشيرا إلى حرص الكاتب على عدم تجنيس أعماله تحت مسمى "المجموعة"، تاركا لمخيلة القارئ حرية مطلقة في تصنيف إبداعه.

وقد أعد الكاتب عبدالله الحبشي، ورقة حول تجربة أنيس الرافعي في كتابه: "أريج البستان في تصاريف العميان"،اعتبر فيها أن انيس الرافعي اشتغل في هذا العمل القصصي بروح الانتربولوجي باشتغاله على البعيد وعلى القريب، وانشغاله بالفنون وبالرموز وبالدلالات، بالهوامش والمنفلت، بالحدود وبالعتبات الفاصلة بين الداخل والخارج، الواقع والخيال، الأثر والتأويل، دون التبرم من سلطة المتخيل الشعبي سواء عن قصد أو عن غير قصد.

وعبر خلال تدخله في اللقاء الحواري عن الدهشة التي تصيب كل من يثق في العوالم القصصية للكاتب أنيس الرافعي حيث يجد نفسه أمام عالم من الأسئلة الوجودية التي تشوش ذهنه... كتب مفتوحة وتقنيات بأفق تجريبي يدفع به أنيس الرافعي إلى أقصى الحدود، مؤكدا أنه يثق في أنيس الرافعي كإنسان وصديق لكنه لا يثق في الكاتب الذي يسكنه ولا بعوالمه الغرائبية ولا يصدقه على غرار كل المبدعين.