فرصة كردية أخيرة لبغداد لحسم أزمة رواتب الإقليم العالقة

الحزب الديمقراطي الكردستاني يتلقى تعهدا من وزير الخارجية بأن مسألة إرسال الرواتب والاستحقاقات المالية للإقليم سيتم حلها خلال الأيام القليلة القادمة.

أربيل (كردستان العراق) - فتح الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الزعيم المخضرم مسعود بارزاني الأبواب أمام "فرصة أخيرة" للحوار مع بغداد، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إنهاء أزمة الرواتب والملفات العالقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية.

وهذا التوجه يعكس حرص القيادة الكردستانية على تحقيق الاستقرار المالي لمواطنيها وتأمين حقوق الإقليم الدستورية، مع الحفاظ على مبدأ الحوار كسبيل وحيد للحل.

وعقد الحزب الديمقراطي الكردستاني اجتماعا للنظر في نتائج المباحثات الجارية بين أربيل وبغداد بشأن قضية رواتب موظفي إقليم كردستان التي توقفت بغداد عن صرفها منذ شهرين، والأوراق السياسية المتاحة أمام الإقليم، وكان من المقرر أن يعلن الديمقراطي الكردستاني انسحابه من العملية السياسية في بغداد، إلا أنه أعلن منح الحكومة في بغداد "فرصة أخير" لإيجاد حلّ للقضايا العالقة بعد "تلقّيه وعود من الأطراف والشخصيات السياسية والحكومة العراقية الاتحادية بحل هذه المشكلة" بحسب بيان رسمي صادر عن الحزب.

وجاء في بيان صدر عن المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، مساء السبت، أن "الشخصيات والقوى السياسية في بغداد، إلى جانب الحكومة الاتحادية، تعهّدت بحل مسألة الرواتب والاستحقاقات خلال الأيام المقبلة"، وهو ما دفع الحزب إلى تعليق قرارات تصعيدية، وإعطاء "فرصة أخيرة" للحكومة، مراعاةً لما وصفه بـ"المصلحة العليا والظروف العامة".

وذكر الحزب أنه "في سياق الأزمة القائمة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية العراقية بشأن حسم مسألة صرف الرواتب والموازنة والاستحقاقات المالية الخاصة بالإقليم، اجتمع (السبت) المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني لبحث الموقف اللازم اتخاذه".

وأضاف أن "القيادي في الحزب، وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء العراقي فؤاد حسين، وبعد إجراء محادثات مع عدد من الأطراف السياسية العراقية، عاد اليوم إلى كردستان، وأبلغ المكتب السياسي للحزب بأن الشخصيات والقوى السياسية، إلى جانب الحكومة الاتحادية العراقية، قد تعهّدت بإيجاد حل لهذه الأزمة، وأكدت أن مسألة إرسال الرواتب والاستحقاقات المالية لإقليم كردستان سيتم حلها خلال الأيام القليلة القادمة".

وتابع "بناءً على هذا التعهد، ومن منطلق الحرص على استمرار الحوار بهدوء، ومراعاةً للظروف العامة والمصلحة العليا، رأينا أن نمنح الحكومة الاتحادية العراقية في بغداد فرصة أخيرة من أجل إيجاد مخرج لهذه الأزمة".

ولفت إلى أنه "كان ولا يزال إيماننا راسخا بأن الحوار هو السبيل الأفضل، وأنه من خلال الفهم المتبادل يمكننا حل جميع القضايا العالقة".

ويعكس هذا التوجه من جانب إقليم كردستان، بفتح باب الحوار مجددا ومنح فرصة أخيرة، التزاما عميقا بالحلول الدستورية والسلمية، مع وضع مصالح شعب كردستان في المقام الأول. ويُعد هذا مؤشرا على رغبة القيادة الكردستانية في تجاوز التعقيدات السياسية والمالية، والتوصل إلى اتفاق دائم يضمن الاستقرار والازدهار لجميع الأطراف.

وكشف المستشار في ائتلاف دولة القانون، عباس الموسوي، عن مضمون الرسالة الموجهة من زعيم الائتلاف نوري المالكي لرئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، السبت، مشيرا إلى التوصل لتفاهمات جيدة بين بغداد وأربيل.

وكان مصدر بالمكتب السياسي لحزب الديمقراطي الكردستاني قد صرح السبت، أن "بعض مسؤولي الإطار التنسيقي، وعلى رأسهم نوري المالكي، قاموا بإرسال رسائل للحزب، طالبوا فيها الحزب بعدم الانسحاب".

وأشار الموسوي أن "هناك علاقات استراتيجية تاريخية بين المالكي وبارزاني"، مضيفاً أن "نحن في ائتلاف دولة القانون لن نسمح لأن يكون الشعب الكردي أو أي شعب ضحية التجويع، والتواصل مستمر بين المالكي وبارزاني وفؤاد حسين من أجل إيجاد حلول لهذه القضية".

وقال إن "هذه القضية انعكست بشكل سلبي على حياة المواطن العراقي، ونصرّ على أن ابن كردستان يجب أن يحصل على نفس الحقوق التي يحصل عليها ابن البصرة أو ابن الناصرية".

وأردف "سنبذل قصارى جهدنا، وهذا الجهد يجب أن يكون من الطرفين في بغداد وأربيل، علينا أن نجتمع وأن لا نفكر بالابتعاد أو الخروج من العملية السياسية، يجب أن نكون في أربيل وأن تكون أربيل في بغداد من أجل أن نجلس ونضع حلاً"، منوّهاً ان "القضية واضحة، هناك ملف الرواتب وقضية النفط والغاز، نحن في دولة القانون ومن خلال المالكي عبرنا عن نوايا طيبة بضرورة أن نجتمع من أجل أن ننهي موضوع قانون النفط والغاز والنقاط الإشكالية في هذا الموضوع، ولا يوجد في هذا الموضوع رابح وخاسر".

وفي ظل استمرار الضغوط وتأخر حل أزمة الرواتب، لوح الحزب الديمقراطي الكردستاني مؤخرا بورقة تصعيدية جديدة، تمثلت في التهديد بالانسحاب من الانتخابات العراقية المقرر إجراؤها في 11 نوفمبر المقبل.

ويأتي هذا التهديد كرسالة واضحة لبغداد بأن القيادة الكردستانية لن تقبل باستمرار تهميش حقوق الإقليم وتقويض كيانه الدستوري، وذلك في موقف يعكس مدى جدية أربيل في الدفاع عن مصالحها، وقد يؤدي انسحاب الحزب إلى تعقيدات سياسية كبيرة في المشهد العراقي العام، ويزيد من الضغط على الحكومة الاتحادية لإيجاد حلول حقيقية وناجعة.

ولا تزال أزمة الرواتب في إقليم كردستان العراق تلقي بظلالها الثقيلة على نحو مليون موظف ينتظرون شهريا وصول مستحقاتهم في مواعيد غير منتظمة، وسط حالة من الترقب والتوتر العام.

وتأتي هذه التحركات على وقع تصاعد الغضب الشعبي في الإقليم، نتيجة استمرار تأخير الرواتب، وسط اتهامات متبادلة بين حكومتي الإقليم والمركز، حول أسباب تعطل إرسال المخصصات المالية.

وكانت وزيرة المالية، طيف سامي، قد أبلغت رسميا، في 28 مايو الماضي، حكومة الإقليم بتعذّر استمرار الوزارة في تمويل الرواتب، مرجعة ذلك إلى "تجاوز كردستان الحصة المقررة لها ضمن قانون الموازنة الاتحادية والبالغة 12.67 بالمئة".

وتتجاوز أزمة رواتب إقليم كردستان كونها مجرد خلاف إداري أو مالي، فقد تحولت إلى أداة ابتزاز سياسي تستغلها بعض قوى الإطار التنسيقي في بغداد بهدف إضعاف الإقليم. وهذا الضغط المستمر، الذي ينم عن رغبة واضحة في تقويض استقرار كردستان الاقتصادي والسياسي، يُحدث شللا متزايدا في الأسواق ويُعمق المعاناة المعيشية للموظفين والمواطنين على حد سواء.

ويُعد تكرار هذه الأزمة سنويا، وربط الموازنة بشروط تعجيزية، نهجا متعمدا لتحويل رواتب الموظفين إلى "سلف" بدلا من استحقاق دستوري. وهذا الأسلوب يُبقي الإقليم في حالة تبعية مالية دائمة، ويُعيق قدرته على إدارة شؤونه الذاتية بفاعلية.

ولا تقتصر تداعيات هذه السياسة على تآكل القدرة الشرائية للمواطنين فحسب، بل تمتد لتهديد النسيج الاقتصادي والاجتماعي للإقليم برمته، وتضعف قدرته على إدارة شؤونه الذاتية، مما قد يدفع باتجاه مزيد من التوتر السياسي ويزيد من تعقيد العلاقة الهشة أصلا بين بغداد وأربيل.