'كيما اليوم' تنقل جمهور الحمامات إلى أعماق النفس البشرية
تونس - نجحت الفنانة ليلى طوبال في نقل جمهورها من الحيرة الفردية إلى تساؤلات إنسانية كبرى عبر عمل فني يعيد طرح السؤال الجوهري: كيف نحافظ على جوهر إنسانيتنا وسط عالم تطغى عليه القيم المشوهة؟
إذ ولجت طوبال بأسلوب يمزج بين التخييل المسرحي والتأمل الفلسفي في "كيما اليوم" إلى أعماق النفس البشرية، مستعرضة تناقضاتها وأوجاعها في عالم يعج بالأسئلة الوجودية والقضايا الإنسانية.
ومسرحية "كيما اليوم" التي قدمت، الجمعة، في إطار الدورة 59 من مهرجان الحمامات الدولي المقامة حاليا إلى غاية الثالث عشر من أغسطس/ب المقبل، هي ثمرة تعاون بين المسرح الوطني التونسي وشركة "الفن مقاومة".
وتستهل المسرحية من لحظة غياب الطفلة "دنيا" بعد احتفالها بعيد ميلادها، اختفاء غامض سرعان ما يتحول إلى استعارة مكثفة عن براءة مفقودة وإنسانية ضائعة. وتمثل شخصية "دنيا" محور الحكاية ورمزا للجوهر الإنساني المغيب.
وتختتم مسرحية "كيما اليوم" برسالة مفعمة بالأمل رغم القسوة والضياع، حيث تذكر الإنسان بأن العودة إلى الإنسانية ممكنة وأن الطريق إلى الخير والسلام يبدأ من داخل كل فرد.
ابتعدت طوبال عن السرد الكلاسيكي لتقدم بنية درامية تتقاطع فيها الأصوات والذوات ويتداخل فيها الزمن والمكان حيث تتناوب حالات التأمل الفردي والتجلي الرمزي.
وشارك في الأداء كل من الطفلة مايا سعيدان وأصالة نجار ودينا وسلاتي وفاتن شرودي وخديجة محجوب وأمان الله توكابري وأسامة شيخاوي، مجسدين شخصيات تائهة فقدت بوصلتها في عالم مأزوم.
كما يشارك في العمل الذي يحمل توقيع الفنانة ليلى طوبال في الكتابة والإخراج والسينوغرافيا، عدد من المختصين في الجوانب التقنية هم فاتن جوادي المكلفة بالإنتاج وأمان نصيري مساعدة مخرجة وعمار لطيفي في تصميم الكوريغرافيا. أما تصميم الإضاءة، فيشرف عليه صبري العتروس والهندسة الصوتية لمحمد هادي بلخير، مع مساهمة محمد بدر بن علي في تقنيات المابينغ، وتصميم الملابس لمروى منصوري والتصميم الغرافيكي لسيف الله قاسم والتنسيق الإعلامي لهند تقية.
وتميزت السينوغرافيا التي تولت طوبال تصميمها بعمق رمزي رغم بساطتها الظاهرة. جدران مثقوبة ومتاهات وألوان وظلال موحية رسمت مشاهد تعبر عن مجتمع مثقل بالقيود وذاكرة جريحة. وقد ساهمت تقنية "المابينغ" التي أعدها محمد بدر بن علي إلى جانب إضاءة صبري العتروس وموسيقى مهدي الطرابلسي في إثراء البعد الرمزي والبصري للعمل. أما الحركات الجسدية المصممة من قبل عمار لطيفي فقد عكست بحساسية واضحة صراعات داخلية وقلقا جماعيا يطبع شخصيات العمل.
ونسج النص باللهجة التونسية فجمع بين البساطة والعمق. ورغم طابعه المحلي، فإنه حمل مضامين إنسانية كونية ونقدا مبطنا لواقع مضطرب فقد فيه الإنسان ارتباطه بالقيم الأصيلة.
وتطرح ليلى طوبال بأسلوب جريء من خلال هذا العمل، إشكاليات الهوية والانتماء وتداعيات العولمة على الكينونة الإنسانية. ورغم الطابع السوداوي الذي يغلب على الطرح، تنتهي المسرحية بنفس من الأمل حين تعود "دنيا" إلى الظهور حاملة رمز البعث والانبعاث وداعية إلى العودة للجوهر الإنساني والطبيعة والجذور.
وتعتبر المسرحية تتويجا لمسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، كرست خلالها ليلى طوبال مكانتها كمبدعة تونسية وعربية. ويحسب لهذا العمل قدرته على تجسيد رؤيتها الجمالية والفكرية في قالب حديث متماسك يدمج بين الرمزية والتأمل والتقنيات المسرحية المعاصرة.
وأكدت الفنانة ليلى طوبال في الندوة الصحفية التي تلت عرض مسرحية "كيما اليوم" أن ما تقدمه لا يمكن اختزاله في مسرح "ملتزم" بالمفهوم الكلاسيكي، بل هو "مسرح الإنسان"، معتبرة أن مجرد التمسك بفعل المسرح في زمن تتآكل فيه القيم هو شكل من أشكال الالتزام.
وقالت "أنا لا أقدم مسرحا ملتزما، أنا أقدم مسرح الإنسان المسرح الذي يشبهنا ويواجهنا"، مضيفة "أنا لا أمارس ما يسمى بالمسرح الملتزم وإنما أقدم فنا ينبع من أعماق الشعور الإنساني. الشخصيات هي التي تكتبني قبل أن أكتبها وأنا لا أفرض النص على الممثل، بل أتركه يعيش الكلمة حتى تصبح جزءا من كيانه". ولاحظت أن الالتزام اليوم هو فعل مقاومة للإبقاء على المسرح حيا في واقع قاس ينهار فيه المعنى وتضيع فيه البوصلة".
وعن مسرحية "كيما اليوم"، اعتبرت طوبال أن العمل هو تجربة وجودية تلامس الهشاشة الإنسانية وتطرح تساؤلات مؤلمة، متابعة وفق ما نشرته وكالة تونس أفريقيا للأنباء "أردت من خلال العمل أن أصور التيه الجماعي الذي نعيشه. نحن في متاهة وكل فرد يبحث عن نجاته الخاصة. لذلك لا أقدم أجوبة بل أثير أسئلة... والمتلقي حر في أن يجد حكايته في حكايات الشخصيات. كما لا أبحث عن التأثير الفوري بل عن أثر يدوم".