أكبر سفينة مساعدات إماراتية تتجه إلى غزة لإنقاذ الاف الجوعى

سفينة 'خليفة 8' أبحرت باتجاه ميناء العريش المصري، استعدادًا لإدخال حمولتها إلى غزة عبر معبر رفح البري، وذلك بالتنسيق الكامل مع السلطات المصرية والجهات المعنية على الأرض.

أبوظبي - في وقت يتواصل فيه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ويتعمق فيه الحصار ليطال كل تفاصيل الحياة اليومية خاصة مع ما يعانيه السكان من سياسة تجويع إسرائيلية ممنهجة تتكثف الجهود الإنسانية الإماراتية لمساعدة سكان القطاع ، عبر مبادرات نوعية ومستمرة تجسد التزام دولة الإمارات بثوابتها الأخلاقية والإنسانية، بعيدًا عن أي أجندات سياسية.
وأحدث هذه المبادرات تمثلت في انطلاق السفينة الثامنة ضمن عملية "الفارس الشهم 3" من ميناء خليفة "كيزاد" في أبوظبي، حاملة أكبر شحنة مساعدات إنسانية ترسلها الإمارات إلى غزة منذ بدء الحرب. السفينة التي تحمل اسم "خليفة 8" أبحرت باتجاه ميناء العريش المصري، استعدادًا لإدخال حمولتها إلى القطاع عبر معبر رفح البري، وذلك بالتنسيق الكامل مع السلطات المصرية والجهات المعنية على الأرض.

وتشمل الحمولة 4372 طنا من المواد الغذائية، و1433 طنا من مواد الإيواء، و860 طنا من المواد الطبية، و501 طن من المواد الصحية، ليصل إجمالي المساعدات التي تم إرسالها إلى قطاع غزة 77.266 طن.
وتستثمر أبوظبي قنوات تواصلها مع تل أبيب لتيسير مرور المساعدات وتسهيل العمليات اللوجستية المرتبطة بها. وتعد هذه المبادرة جزءًا من تحركات أوسع تقوم بها الإمارات لإظهار التزامها بالقضايا الإنسانية في المنطقة، رغم تعقيدات المشهد السياسي والصراع الدائر في القطاع.
ولم تقتصر الجهود الإماراتية على إرسال المواد الإغاثية، بل توسعت لتشمل مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، تستهدف معالجة الأزمات الهيكلية التي يعاني منها القطاع، وفي مقدمتها أزمة المياه.

ففي الأسبوع الماضي، أعلنت الإمارات عن مشروع استراتيجي لضخ المياه المحلاة من مصر إلى جنوب غزة، عبر خط ناقل بطول 6.7 كيلومترات وبقطر 315 ملم، انطلاقًا من محطة تحلية تم إنشاؤها بدعم إماراتي على الجانب المصري.
ويهدف المشروع إلى تزويد نحو 600 ألف نسمة بـ 15 لتراً من المياه الصالحة للشرب يوميًا لكل فرد، خاصة في المناطق المكتظة بالنازحين بين خان يونس ورفح. يأتي ذلك في وقت تؤكد فيه التقارير الأممية والمحلية أن أكثر من 80 في المائة من شبكة المياه في غزة تعرضت للتدمير الكامل أو الجزئي نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية.
الجهود الإماراتية لم تغفل الجانب الطبي، إذ أطلقت الدولة واحدة من أضخم عمليات الإجلاء والعلاج للجرحى والمرضى الفلسطينيين. فقد استقبلت المستشفيات الإماراتية منذ بداية الحرب 794 مصابًا من سكان غزة، برفقة 850 مرافقًا، كما تم تخصيص علاج لـ 2000 حالة من مرضى السرطان والإصابات الحرجة، بأمر من رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
وعلى الأرض، أنشأت الإمارات مستشفى ميدانيًا داخل القطاع، استقبل آلاف المرضى، إضافة إلى مستشفى عائم بسعة 100 سرير، مزود بوحدات جراحة وعناية مركزة ومختبرات حديثة، يعمل بالتنسيق مع الطواقم الطبية الفلسطينية والدولية.
وفي موازاة ذلك، تم إنشاء 6 محطات لتحلية مياه البحر في مدينة رفح، قادرة على إنتاج 1.2 مليون جالون يوميًا، إضافة إلى حفر آبار تقليدية في مناطق النزوح، لمواجهة أزمة "التعطيش" التي تسببت بها الضربات الإسرائيلية المتكررة على البنية التحتية المدنية.
وضمن جهودها في محاربة سياسة التجويع التي يعاني منها السكان، أقامت الإمارات 5 مخابز آلية تعمل بطاقة إنتاجية تصل إلى 15 ألف رغيف في الساعة، وهو ما وفر الخبز لعشرات الآلاف من العائلات يوميًا. كما أطلقت مطبخًا خيريًا يوفّر وجبات ساخنة لأكثر من 1.5 مليون شخص، إلى جانب دعم مباشر لـ تكيات الطعام، عبر تأمين المواد الخام من السوق المحلية، مما ساهم في توفير أكثر من 50 ألف وجبة يوميًا للنازحين.
ونجحت الإمارات في تشغيل جسر إغاثي متعدد الوسائط، شمل 8 سفن شحن بحرية، و1271 شاحنة برية، و414 رحلة جوية، إضافة إلى أكثر من 100 عملية إسقاط جوي مباشر داخل غزة، في محاولة لتجاوز الحصار وإيصال المساعدات إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
وتُشير مصادر إنسانية إلى أن التنسيق الإماراتي مع الجانب الإسرائيلي، عبر قنوات دبلوماسية قائمة، ساعد في تيسير مرور قوافل الإغاثة وتجاوز الكثير من العقبات اللوجستية التي تواجهها المنظمات الدولية الأخرى.
وتؤكد الجهات الإماراتية أن هذه الجهود ليست مرتبطة باعتبارات سياسية أو دعائية، بل هي امتداد لنهج راسخ تتبناه الدولة في تقديم الدعم الإنساني دون تمييز. ويقول شريف النيرب، المتحدث باسم "الفارس الشهم 3" في غزة:
"هذا المشروع ليس مجرد استجابة لحاجة عاجلة، بل تعبير عن التزام طويل الأمد بدعم الشعب الفلسطيني، خاصة في القطاعات الحيوية كالصحة والمياه والغذاء."
وقد أشادت منظمات دولية مثل برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة العالمية بالدور الذي تلعبه الإمارات، معتبرة إياها من الدول القليلة القادرة على تنفيذ مشاريع إغاثية بهذا الحجم في ظل القيود المفروضة على العمل الإنساني داخل القطاع.
وفي ظل مشهد سياسي معقّد وصراع لا يبدو أن نهايته قريبة، تواصل دولة الإمارات تقديم نموذج فريد في التضامن العملي مع ضحايا الحروب، حيث لا تكتفي بتسيير القوافل، بل تسعى لإيجاد حلول جذرية لأزمات قطاع غزة، بدءًا من الغذاء والماء، ووصولًا إلى الرعاية الطبية والإيواء.
وفي وقت تتكاثر فيه النداءات الدولية لإنقاذ سكان القطاع من المجاعة والأوبئة، تبقى المبادرات الإماراتية شاهداً على أن العمل الإنساني الجاد يمكن أن ينجز الكثير، حتى وسط الركام والدمار.