يمينيون في إسرائيل يطرحون 'ريفييرا غزة' وسط معاناة سكان القطاع

سموتريتش يشيد بالفرصة التاريخية التي وفّرتها الحرب لإعادة ترتيب الأوضاع في غزة مطالبًا بتطهير القطاع وإعادة بنائه برؤية يهودية.

القدس - بينما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة تحت وطأة الجوع والدمار الناتج عن الحرب، اجتمع عدد من أبرز قادة اليمين المتطرف الإسرائيلي، الثلاثاء، في الكنيست لمناقشة تحويل القطاع إلى وجهة سياحية فاخرة على شاكلة "الريفييرا"، في مشهد أثار استياءً واسعا على المستويين المحلي والدولي.
اللقاء الذي عقد تحت عنوان "الريفييرا في غزة: من رؤية إلى واقع"، جاء برعاية عدد من أعضاء الكنيست المعروفين بتوجهاتهم المتطرفة، من بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، والناشطة اليمينية دانييلا فايس، التي لعبت دورًا بارزًا في دعم مشاريع الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل انسحاب إسرائيل منه عام 2005.
ويبدو أن الشعار الذي اختير لهذا اللقاء لم يكن عفويًا، بل استلهم بشكل مباشر من تصريح سابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب في فبراير/شباط الماضي، حين قال إن غزة يمكن أن تتحول إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" في حال تم إخراج سكانها الفلسطينيين ووضعها تحت إدارة أميركية أو دولية، وهو الطرح الذي قوبل في حينه بموجة رفض واسعة في الأوساط العربية والدولية، واعتُبر امتدادًا لخطط تهجير قسري تشبه ما حدث إبان "نكبة" 1948، عندما طُرد أكثر من 700 ألف فلسطيني من أراضيهم.
خلال اللقاء، تم عرض ما وُصف بـ"الخطة الرئيسية" التي أعدتها منظمة فايس، والتي تهدف إلى إعادة توطين اليهود في القطاع بعد طرد سكانه الأصليين. وتشمل الخطة بناء مجمعات سكنية تستوعب نحو 1.2 مليون مستوطن إسرائيلي، إلى جانب مشاريع صناعية وزراعية، ومناطق سياحية على الشريط الساحلي الممتد على طول غزة.
ويعود الوجود الاستيطاني اليهودي في قطاع غزة إلى ما قبل انسحاب إسرائيل منه في عام 2005، حين كانت تحتل القطاع منذ حرب 1967. وقد تم آنذاك تفكيك ثماني مستوطنات إسرائيلية بموجب خطة "فك الارتباط" التي نفذها رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون، وأُعلن عن إنهاء الوجود العسكري والمدني الإسرائيلي داخل غزة.
ورغم الانسحاب، ظلّت قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، خاصة داخل أوساط اليمين المتشدد، تطالب بإعادة الاستيطان في غزة. ومع تصاعد العنف إثر هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على جنوب إسرائيل، والذي أشعل شرارة الحرب الحالية، عادت هذه الدعوات إلى الواجهة بزخم أكبر.

الوقت قد حان لتنفيذ مشروع استيطاني جديد

وخلال كلمتها في اللقاء، اعتبرت فايس أن غزة "لم تكن يوماً فلسطينية"، وأن من حق اليهود "استعادتها"، مؤكدة أن الوقت قد حان لتنفيذ "مشروع استيطاني جديد" في المنطقة. أما سموتريتش، فأشاد بـ"الفرصة التاريخية" التي وفّرتها الحرب لإعادة ترتيب الأوضاع في غزة، مطالبًا بـ"تطهير القطاع من الإرهاب وإعادة بنائه برؤية يهودية".
هذه التصريحات تتزامن مع تقارير أممية وإنسانية تحذر من أن قطاع غزة يواجه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، حيث يعيش أكثر من 80 في المائة من السكان تحت خط الفقر، فيما تعاني مئات آلاف الأسر من انعدام الأمن الغذائي، وانتشار المجاعة، خصوصًا في شمال القطاع.
وبينما يناقش قادة إسرائيليون بناء مشاريع ترفيهية وسياحية، تتحدث تقارير أخرى عن تدمير أكثر من 60 في المائة من البنية التحتية في غزة، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية، إضافة إلى تهجير أكثر من مليون فلسطيني من منازلهم، وفقاً لوكالات الإغاثة الدولية.
وفي السياق، اعتبر محللون حقوقيون أن ما طُرح في هذا اللقاء لا يمكن عزله عن مشروع "التطهير العرقي"، داعين المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل. وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن مجرد مناقشة إحلال سكان يهود مكان السكان الأصليين تحت الاحتلال يرقى إلى جريمة بموجب القانون الدولي.
كما أدانت عدة عواصم عربية ما وصفته بـ"محاولات ترسيخ التهجير القسري كحل دائم"، في وقت تُواجه فيه إسرائيل انتقادات متصاعدة بسبب حربها المستمرة في القطاع، والتي خلّفت أكثر من 201 ألف قتيل وجريح فلسطيني، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، بحسب وزارة الصحة في غزة.
وبينما تحاول شخصيات إسرائيلية رسم مستقبل جديد للقطاع بمعزل عن سكانه، تبقى غزة غارقة في مأساة إنسانية عميقة، مع غياب أي أفق واضح لوقف دائم لإطلاق النار أو تسوية سياسية تنهي هذا النزاع الممتد منذ عقود.