'كارمن' صوت أوبرالي يخترق صمت بعلبك الدولية

مهرجانات بعلبك تعود بحفلاتها الساهرة ولياليها الفنية إلى التألق مرة أخرى في دلالة على عودة الحياة إلى طبيعتها تدريجيا في لبنان.

بعلبك (لبنان) - عادت مهرجانات بعلبك الدولية بحفلاتها الساهرة ولياليها الفنية إلى التألق مرة أخرى في دلالة على عودة الحياة إلى طبيعتها تدريجيا في لبنان الذي عاش أوقاتا عصيبة خلال الأشهر الماضية على وقع القصف والغارات.

وافتتحت لجنة "مهرجانات بعلبك الدولية" على مدرجات معبد "باخوس" في قلعة بعلبك الأثرية موسمها الثقافي الفني لهذا الصيف، الجمعة، بأوبرا "كارمن" من إنتاجها، وسط حضور كبير من الجمهور والفنانين وكبار المسؤولين.

واخترق الصوت الأوبرالي هياكل وأعمدة معبد باخوس في افتتاح دورة هذا العام تكريما للملحن الفرنسي جورج بيزيه، بعد قرن ونصف القرن من عرضها للمرة الأولى في الثالث من مارس/آذار 1875 على مسرح أوبرا "Comique" في باريس.

وتفاعل الجمهور بحرارة مع هذه النسخة من أوبرا جورج بيزيه التي طعّمها المخرج اللبناني-البرازيلي جورج تقلا بلمسة شرقية، وطوال خمس دقائق صفّق وقوفا نحو 2200 شخص جاؤوا من مختلف المناطق اللبنانية، ومن بينهم عدد كبير من الأوروبيين المقيمين في لبنان.

وقال تقلا لوكالة فرانس برس "صممت +كارمن+ خاصة ببعلبك، بنكهة لبنانية"، موضحا أنه "تصوّر لبناني جدا بشخصية لبنانية جدا، مختلفة تماما"، لهذا العمل الذي "ينطبق على كل زمان ومكان".

وتعتبر "كارمن" من روائع الأوبرا العالمية، وتمتاز بجمالية موسيقاها وألحانها الكلاسيكية، بالإضافة إلى ما تزخر به من قصص حب ممهورة بالتمرّد والخيانة والمكائد والمآسي.

وتجلى النفس الشرقي مثلا في ترداد عبارة "يا ليل يا ليل" بطريقة أوبرالية، في ما رافقت ترجمة على الجدران بالعربية والإنكليزية وقائع العرض الذي استند إلى رؤية معاصرة للأوبرا التي ألّف بيزيه موسيقاها قبل 150 عاما انطلاقا من قصة قصيرة كتبها الفرنسي بروسبير ميريميه.

وكان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام حاضرا في الافتتاح، وقال لرويترز "هذه الحياة تعود إلى لبنان، وهذا البلد طول عمره يحتضن المهرجانات التي تعبر عن الفن والثقافة وعن الإبداع الموجود لدينا، وأنا أرى اليوم أن الأجواء ممتازة"، مضيفا "اللبنانيون جاءوا من مختلف المناطق، وهناك أهل بعلبك وأيضا الأجانب، وهذا أحلى إطار.. شوفوا بعلبك ما أحلاها ومضواية".

وكانت هياكل بعلبك وأعمدتها الأثرية حتى نوفمبر/تشرين الثاني الماضي واقعة تحت خطر حرب اقتربت نارها من صروحها التاريخية، ففي العام الماضي شكّلت حفلة موسيقية واحدة أقيمت في ضواحي بيروت بديلا "رمزيا" من إقامة مهرجانات بعلبك ببرنامجها المعتاد وفي موقعها المألوف، نظرا للمواجهات التي كانت قائمة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني وطالت مناطق عدة من بينها بعلبك، قبل أن تتسع لاحقا وتشمل عملية برية إضافة إلى الضربات الجوية العنيفة.

وقال بشير خضر محافظ بعلبك الهرمل إنه منذ عام فقط كانت قلعة بعلبك تحت خطر القصف الإسرائيلي لكنها نجت وعادت اليوم إلى تألقها، متابعا في تصريحات لرويترز "الفرحة رجعت إلى بعلبك وعادت الثقافة والفن وأيام الفرح بعد أيام طويلة من المآسي، اليوم رجع الزوار والسياح والحضور الرسمي والدبلوماسي، وبعلبك اليوم في أبهى صورة لها، وجدران القلعة تضج فرحا هذه الليلة".

واختارت لجنة مهرجانات بعلبك هذا العام شعار "أعمدة الخلود" للتأكيد على "تجذر المعابد بالأرض ورفض زوالها كجوهرة أثرية مدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو"، وفق رئيسة لجنة مهرجانات بعلبك نايلة دي فريج.

وقالت نايلة خلال افتتاحها سهرة المهرجان "نحن مستمرون حتى حين تسقط الضربات الإسرائيلية في محافظة بعلبك، وردنا ليس بالصمت بل بالإبداع، ليس بالخوف بل بالموسيقى، وسنقدم كارمن بنكهة لبنانية، تلك المرأة التي تغني للحرية وصوتها يصل إلى كل مكان يعاني بصمت ويقاوم الخوف والجوع والظلم في مختلف أنحاء هذا الشرق وفي رسالة إنسانية واحدة".

وأشارت إلى أن "الفن يعود اليوم لِيَملأَ المكان مع المخرج العالمي جورج فيليب تقلا – اللبناني العائد من البرازيل – مع أسماء بارزة من لبنان المايسترو توفيق معتوق، الفنان التشكيلي نبيل نحّاس، مصمم الأزياء ربيع كيروز، مُنشِدون ومنشدات، وكورال من لبنان وفرنسا، راقصون وراقصات من لبنان والبرازيل، وأوركسترا من رومانيا".

وتابعت "لقد سمح لنا هذا الإنتاج أن نُعرّف الشباب على فن الأوبرا، أن ندرب نساء ورجال على العمل المسرحي وإبداع الأزياء، أن نجمع فنانين من ثقافات مختلفة، وأن نُحيي الصناعة السياحية والثقافية من جديد.. الثقافة هي رسالتنا، وستبقى، هي إيماننا بالحاضر، وهي وعدنا لكم بالمستقبل"، لافتة إلى أنه "من بعلبك أيضًا، ستُطل علينا الفنانة اللبنانية هبة طوجي مع المنتج والمؤلّف الموسيقي أسامة الرحباني، في عمل مبدع جديد".

وأعلنت نايلة أن رئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون منح تقلا وسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة الثالثة تقديرا "للعمل الرائع الذي نفذه (المخرج) في وقت قصير جدا وفي ظروف بالغة الصعوبة".

وجمعت أوبرا كارمن العالمية نحو 250 فنانا من العازفين والمغنين والراقصين على مدرج معبد باخوس تحت إدارة المخرج اللبناني جورج فيليب تقلا.

وكانت أحلام تقلا عام 1974 تتجسد في تقديم عمل مسرحي على مدارج بعلبك مع المخرج الأمريكي بوب ويلسون لكن الحرب الأهلية في العام التالي هزمت حلمه فهاجر إلى البرازيل لبناء مسيرته الفنية.

واختار تقلا العودة إلى لبنان عبر أوبرا سبق وأن عمل عليها في الخارج. وأوبرا "كارمن" هي مسرحية ألفها جورج بيزيه بالفرنسية مكونة من أربعة فصول وعرضت أول مرة في المسرح الوطني للأوبرا المسرحية في باريس عام 1875.

وتحكي المسرحية قصة كارمن التي تجسد المرأة الحرة المستقلة التي تغوي الرجال وتثير الغيرة بينهم وتنتهي دراميا إلى نهايات مأساوية.

ومحور "الأوبرا" امرأة غجرية جميلة ومغرية ومتمرّدة تدعى "كارمن"، تعمل في مصنع للتبغ في إشبيلية، تطلق العنان لرغباتها لتأسر في حُبها من تعشق، ولكنها توَّاقة إلى الحرية، وهي التي تعتبر أن الحب طائر بري عصي على الترويض.

أغوت "كارمن" جنديا شابا يدعى دون خوسيه، وما لبث أن تخلى عن خطيبته "ميكاييلا" التي حملت إليه رسالة من أمه، وأودعت ثغره قبلة أوصت بها الوالدة القلقة على ابنها، كرمى لعيون الغجرية الفاتنة والمشاكسة التي اعتقلها عندما طعنت زميلة لها بسكين، وكانت السبب في سجنه لأنه سمح لها بالفرار لقاء ليلة ماجنة.

وأدخلت لمسة فنية لبنانية لطيفة على الأوبرا مع وصلة "يا ليلي يا ليل" ومشهديّة الرقص الغجري التعبيري، الذي تماهى مع الأنغام المنتقاة بعناية، قبل أن يقتحم القصة مصارع الثيران "إسكاميليو" الذي أعجب بكارمن ووقع في حبها.

وقاد الأوركسترا المايسترو اللبناني توفيق معتوق مع جوقة الجامعة الأنطونية، وصمم الفنان التشكيلي اللبناني نبيل نحاس العناصر البصرية، وتولى مصمم الأزياء ربيع كيروز تصميم ما يربو على 250 زيا بمشاركة مصممين لبنانيين.

وأدى الأدوار الغنائية الرئيسية الفنانون الفرنسيون ماري جوترو في دور كارمن، وجوليان بير في دور دون خوسيه، وجيروم بوتيليه في دور إسكامليو، وفانينا سانتوني في دور ميكائيلا، إضافة إلى مشاركة مواهب لبنانية في مجالات الغناء والرقص.

وبعيدا من الرفض الذي قابل به الجمهور العرض الأول لأوبرا كارمن عام 1875 في باريس بسبب تقديمها صورة لامرأة حرة تقلب الأدوار النمطية، لقيت حفلة بعلبك بعد قرن ونصف قرن استحسانا واسعا من الجمهور المنتمي إلى مختلف الفئات العمرية، من عشاق الأوبرا المخضرمين إلى الشباب المبتدئين.

وقال كريم حداد (21 عاما) الذي حضر من بيروت مع اثنين من زملائه في معهد يتابع فيه دراسة الموسيقى الكلاسيكية "سبق أن حضرتُ عروضا لأوبرا +كارمن+ على منصة +يوتيوب+، لكنها المرة الأولى التي أشاهدها على المسرح حضوريا. إنها فرصة كنت لأنتظرها وحلم تحقّق. كان الأمر مذهلا".

أما سامي الهراوي، الستينيّ، الذي حضر أخيرا نسخة أخرى من كارمن في مدينة فيرونا الإيطالية، فلاحظ أن الصيغة الملبننة للعمل "على المستوى نفسه من حيث الرقص والملابس والغناء، حتى أن المغنّين الرئيسيين أفضل".

وأضاف هذا الشغوف بالموسيقى الذي قال أصدقاؤه إنهم يلقبونه "السيد أوبرا" "حضرتُ في حياتي أكثر من 25 عرضا على الأقل لأوبرا +كارمن"، وأستطيع أن أؤكد أن المغنية التي أدّت شخصية كارمن في هذه النسخة هي من أفضل ممّن تولينَ الدور"، مشيرا إلى أنه أحبّ "اللمسة الشرقية" في الصيغة البعلبكية.

وستكون مهرجانات بعلبك على موعد مع حفل موسيقي غنائي يقدمه الثنائي اللبناني أسامة الرحباني وهبة طوجي في الثامن من أغسطس/آب المقبل. وستتخلل هذه الأمسية تحية خاصة للراحل منصور الرحباني بمناسبة مئوية ميلاده.