مشادات بين مسؤولين مصريين وإسرائيليين بشأن ترحيل سكان غزة لسيناء

وزيرا خارجية مصر وألمانيا اتفقا على أن التصريحات الأخيرة لبعض المسؤولين الإسرائيليين بشأن 'إسرائيل الكبرى' ومشاريع الاستيطان في القدس الشرقية تحمل تبعات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة.
رئيس الوزراء الفلسطيني يزور معبر رفح برفقة مسؤولين مصريين

القاهرة - تشهد العلاقات بين مصر وإسرائيل حالة من التوتر الواضح على خلفية مقترحات إسرائيلية وأميركية تهدف إلى ترحيل سكان قطاع غزة إلى مناطق خارج حدودهم، وفي مقدمتها شبه جزيرة سيناء. وبحسب تقارير غربية، فإن مصر واجهت هذا الطرح بموقف صارم وصل إلى حد المشادات الكلامية بين مسؤولين من الطرفين في اجتماعات مغلقة، عُقدت لمناقشة السيناريوهات المحتملة للتعامل مع تداعيات الصراع في غزة.
وتكشف المعلومات أن بعض الدوائر في تل أبيب وواشنطن لا تزال تنظر إلى سيناء على أنها الخيار الأنسب من الناحية اللوجستية لاستيعاب موجات نزوح محتملة من القطاع، وهو ما تعتبره مصر خطًا أحمرًا لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف، وهو الموقف الذي أكدته القاهرة في أكثر من مناسبة، سواء عبر تصريحات رسمية أو تحركات دبلوماسية نشطة.
ورغم أن الزخم الإعلامي والسياسي المحيط بخطط التهجير قد خف خلال الشهور الأخيرة، إلا أن أطرافًا متحمسة للفكرة لا تزال تواصل جهودها بهدوء، عبر قنوات دبلوماسية غير معلنة، إذ تحدثت تقارير عن تواصل مسؤولين إسرائيليين مع حكومات في عدة دول، منها ليبيا، جنوب السودان، أرض الصومال، وسوريا، لاستكشاف إمكانية استقبال عدد من الفلسطينيين في حال وافقوا على مغادرة القطاع طواعية.
إلا أن جهات حقوقية ودولية شككت في ادعاءات "الطوعية"، واعتبرت أن الظروف الميدانية الصعبة في غزة تُفرغ هذا المفهوم من معناه الحقيقي. كما حذرت منظمات إنسانية من أن ترحيل السكان، في ظل هذه الظروف، قد يرقى إلى جريمة تطهير عرقي، وهو ما يُعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، التي تجرم التهجير القسري باستثناء حالات الضرورة العسكرية المؤقتة.
وفي هذا السياق، تتعرض كل من إسرائيل والولايات المتحدة لانتقادات متزايدة من جانب عواصم أوروبية وعربية على حد سواء، التي تعتبر أن الترويج لخطة ترحيل جماعي للسكان الفلسطينيين يتعارض مع القوانين الدولية ويقوّض أسس السلام في المنطقة.
وكان بعض وزراء الحكومة الإسرائيلية، وخاصة من تيارات اليمين المتطرف كوزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، كانوا من أبرز المتحمسين لفكرة التهجير منذ سنوات، ويضغطون باتجاه تنفيذها ضمن مقارباتهم الصدامية تجاه القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، عبّرت القاهرة بوضوح عن رفضها القاطع لهذه السيناريوهات، معتبرة أنها تقوض الأمن القومي المصري وتكرّس واقعًا جديدًا على الأرض لن تقبل به. وأوضح وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، أن بلاده تعتبر أي محاولة لفرض تهجير جماعي للفلسطينيين "خطًا أحمر"، مشددًا على أن مصر لن تكون طرفًا في أي ترتيبات من هذا النوع.
وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد عبّر في تصريحات سابقة عن موقف مشابه، مؤكداً أن مصر "لن تشارك في ظلم تاريخي" بحق الشعب الفلسطيني.
في سياق متصل، تواصل مصر حراكها الدبلوماسي على عدة جبهات، للحد من التصعيد في قطاع غزة ولضمان وصول المساعدات الإنسانية. وفي اتصال هاتفي جمع وزير الخارجية المصري بنظيره الألماني يوهان فاديفول، تم التباحث حول المستجدات الإقليمية، وخاصة ما يتعلق بالوضع الإنساني المتدهور في القطاع، وسبل التوصل إلى تهدئة شاملة.

وخلال الاتصال، أكد عبدالعاطي أن الممارسات الإسرائيلية، سواء في غزة أو في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني، تُعد انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي، وأن سياسات التجويع والحصار تفاقم المأساة الإنسانية وتعيق فرص التسوية السياسية.
كما شدد الوزير المصري على ضرورة تحرك المجتمع الدولي، وعلى رأسه الاتحاد الأوروبي، للضغط على إسرائيل من أجل إنهاء التصعيد وفتح ممرات المساعدات دون شروط أو قيود، مؤكدًا أن الوضع لا يحتمل المزيد من التأجيل أو المماطلة.
ووفق ما جاء في البيان الرسمي، فإن الوزيرين اتفقا على أن التصريحات الأخيرة لبعض المسؤولين الإسرائيليين بشأن "إسرائيل الكبرى" ومشاريع الاستيطان في القدس الشرقية تحمل تبعات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة، وتتطلب ردًا دبلوماسيًا موحدًا.
في ختام المحادثات، رحّب الوزير الألماني بجهود القاهرة في تسهيل دخول المساعدات إلى القطاع، واعتبرها محورية في ظل انسداد المسارات السياسية والعسكرية. كما أشاد بموقف مصر الواضح من خطط التهجير، معربًا عن تقديره للنهج المتوازن الذي تنتهجه في هذه الأزمة المعقدة.
كذلك تطرقت المحادثات إلى تطورات الملف النووي الإيراني، حيث أعاد عبد العاطي التأكيد على أهمية التوصل إلى حل سلمي شامل، يحفظ أمن المنطقة ويمنع انزلاقها نحو مواجهات أوسع، مشددًا على ضرورة تغليب المسار الدبلوماسي على الخيارات العسكرية.

ومن المنتظر أن يبدأ رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد مصطفى، زيارة رسمية إلى القاهرة الأحد، يلتقي خلالها نظيره المصريلبحث مستجدات الوضع الإنساني في غزة، وسبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وتشمل الزيارة جولة ميدانية إلى معبر رفح والمستشفى الميداني المصري، حيث سيعقد مؤتمر صحفي مشترك الإثنين.

وتأتي الزيارة في ظل استمرار العراقيل الإسرائيلية التي تمنع دخول المساعدات عبر المعبر، رغم تأكيد مصر إبقاءه مفتوحًا من جانبها، وإيصالها أكثر من نصف مليون طن من المساعدات منذ أكتوبر 2023.

وتبرز الزيارة التنسيق المستمر بين القاهرة ورام الله لمواجهة تداعيات الحرب، وترسل رسالة سياسية وإنسانية ضد الحصار الإسرائيلي، وسط انسداد سياسي وتدهور غير مسبوق في الأوضاع داخل القطاع.