ملكة المسارح بديعة مصابني

صاحبة 'كازينو بديعة' الذي أطلق عشرات النجوم واجهت إخفاقات مالية وضغوطًا ضريبية دفعتها للاعتزال والعودة إلى لبنان، حيث عاشت بعيدًا عن الأضواء حتى رحيلها عام 1973.
رند الأسود
بغداد

على امتداد تاريخ النجوم، تولد الأساطير من رحم المعاناة: صعود لامع، وهبوط قاسٍ، ثم نهوض شامخ يعقبه أحيانًا سقوط مدوٍ. لذا من السهل أن تولد نجمة بسماء الفن المصري في بدايات القرن العشرين، لكن المدهش أن تجمع بين الموهبة والمنهجية الاقتصادية، والأندر أن تحافظ على عرشها لثلاثين عامًا كاملة كملكة للمسارح. تلك هي بديعة مصابني… أو كما وُلدت: وديعة.

البدايات من لبنان إلى مصر
نشأت بديعة في أسرة لبنانية ميسورة أواخر القرن التاسع عشر (1892). كان اسمها الحقيقي وديعة، لكن جمالها الأخّاذ جعل الناس يطلقون عليها اسم "بديعة". غير أنّ حياتها لم تكن بنفس اليسر والجمال الذي يوحي به اسمها، إذ تلقت أولى ضربات القدر بوفاة والدها واحتراق معمل الصابون الذي كان مصدر رزق العائلة، حتى ذهب والدتها سُرق أثناء تشييع الجنازة. وبين ليلة وضحاها، وجدت الأسرة نفسها مفلسة من كل شيء، فيما تفرّق إخوتها دون أن يلتزموا بالمسؤولية.
كما ازداد جرحها حين تعرضت في طفولتها لتحرش من صاحب بار كان يعمل فيه أحد إخوتها. لكن والدتها – في زمن لم يكن للنساء فيه كلمة – لم تصمت، بل اشتكت الجاني قانونيًا فتمت محاسبته. انتصرت الأم لابنتها، لكنها لم تسلم من ألسنة الناس، مما دفع الأسرة إلى الهجرة نحو أميركا الجنوبية.

هناك تعلمت بديعة اللغة الإسبانية، وانبهرت بالعروض المسرحية الجوالة. لكن القدر ساقها مجددًا إلى الشرق، وهذه المرة إلى "أم الدنيا" مصر.
وهناك، اتخذت قرارها: أن تدخل الفن لا كهاوية أو راقصة عابرة، بل سيدة أعمال تعرف كيف تصنع لنفسها مجدًا جديدًا، بعد أن ذاقت مرارة الخذلان من إخوتها الذين تشتتوا بين أميركا والشرق الأوسط.

صناعة النجومية
استثمرت بديعة جمالها الأخّاذ ومواهبها المتعددة في صناعة نجمها الخاص. كانت تدرك أن الفن وحده لا يكفي، بل لا بد من عقل يدير ويدبّر. بدأت خطواتها الأولى مع فرقة جورج أبيض، ثم التحقت بفرقة جوالة جابت محافظات مصر، فاكتسبت خبرة الاحتكاك المباشر بالجمهور.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، عادت إلى لبنان. وهناك، عملت مغنية وممثلة في أشهر صالات بيروت، واشتهرت بتقديم أغاني "السلطانة" منيرة المهدية. وعلى مدى سبع سنوات، حفرت لنفسها اسمًا لامعًا كنجمة استعراض تجمع بين الغناء والتمثيل والرقص.

بعد هذه التجربة الغنية، عادت مجددًا إلى مصر، حيث عملت مع الفنان الكبير نجيب الريحاني وتزوجت منه. إلا أن الزواج لم يستمر سوى ثلاث سنوات فقط، إذ كانت بديعة امرأة عصية على التقييد، بطموح يصعب احتواؤه، بينما كان الريحاني فنانًا مبدعًا لكنه مزاجي الطباع. انتهت العلاقة بانفصال وديّ، لتواصل بديعة مسيرتها منفردة.

وفي عام 1926، أطلقت مشروعها الأكبر: صالة عماد الدين، ثم تبعته بكازينو بديعة، الذي تحول إلى مصنع نجوم. من مسرحها بزغت أسماء لامعة في عالم الفن مثل الممثلة كاميليا، والراقصتين تحية كاريوكا وسامية جمال، إلى جانب عشرات الفنانين الذين صنعت لهم مدرسة فنية وبوابة عبور إلى الشهرة.

وعلى مدى ثلاثة عقود، سيطرت بديعة مصابني على سوق الترفيه في مصر، وكانت مشروعًا متكاملًا يجمع بين الفن والإدارة والاكتشافات.
لكن لكل صعود شاهق سقوطًا مدويًا، ولكل بداية عظيمة نهاية حتمية.

الضربة القاصمة وألم الخذلان
أول ضربة قوية لمملكتها الفنية والمالية كانت فشل فيلمها الغنائي "ملكة المسارح" عام 1936، حين نافس فيلم وداد لأم كلثوم ولم يكن بمستوى المنافسة. وبررت بديعة ذلك بسوء الإعداد، لكن الصدمة كانت قاسية. تراكمت عليها الديون والضرائب، حتى حاولت الانتحار، غير أن القدر أنقذها.

والمفارقة أن بديعة، رغم صرامتها كإدارية، عُرفت بتسامحها وعطائها. فقد سامحت حبيبة الريحاني – منافستها – كما سامحت ابن أختها طوني الذي باع صالتها لمنافستها ببا عز الدين دون علمها.
أما ببا عز الدين، فقد رحلت مبكرًا قبل أن يسطع نجمها، بعد أن تحولت صالتها إلى مقر للمسرحيات الهابطة والنكات البذيئة، ثم توفيت في حادث سير على طريق الإسكندرية عام 1953.

بريق قصير في زمن الحرب
شهد كازينو بديعة انتعاشًا قصيرًا خلال الحرب العالمية الثانية، إذ قدمت مسرحيات مناهضة لدول المحور، لذا تحول الكازينو إلى ملتقى للجنود الإنكليز ومتنفس للهروب من أجواء الحرب والدمار. لكن مع انتهاء الحرب عاد الوضع ليتدهور، وتفاقمت الضرائب حتى اضطرت بديعة إلى اعتزال الفن والرحيل عن مصر إلى لبنان.

شتورا.. المحطة الأخيرة
على طريق شتورا في لبنان، اختارت بديعة أن تعيش بعيدًا عن الأضواء. أدارت مزرعة صغيرة ومحلًا لبيع الألبان، لتقضي بقية حياتها بهدوء، بعد أن أعطتها الشهرة بقدر ما أخذت منها.

وفي عام 1973، أسدل الستار على حياة ملكة المسارح، لكن اسمها ظل خالدًا لكونها مدرسة فنية متفردة في سماء الشرق الأوسط. ومن يقرأ مذكراتها يندهش من إنسانيتها وتسامحها، رغم صرامة إدارتها وجبروت طموحها.

واليوم، حين يسطع نجم أي فنان، يقف خلفه فريق كامل من مدير أعمال ومنتج وشركات إعلانات، أما بديعة فكانت مشروعًا متكاملًا بحد ذاتها، صنعت مجدها بنفسها وحافظت على مكانتها لعقود طويلة.