العراق وسوريا نحو إعادة تفعيل منفذ الوليد
الدوحة - تشهد العلاقات العراقية السورية تحوّلًا تدريجيًا، مع مؤشرات قوية على تحسن مناخ التعاون بين البلدين بعد سنوات من الفتور السياسي والتحفظ المتبادل. فقد كشف مصدر دبلوماسي مطّلع، يوم الأحد، عن اتفاق مبدئي بين بغداد ودمشق لإعادة تفعيل منفذ الوليد الحدودي، في خطوة تهدف إلى رفع وتيرة التبادل التجاري وتعزيز الروابط الاقتصادية بين الجانبين.
وقالت مصادر مطلعة لموقع " شفق نيوز" العراقي الكردي أن هذا التطور يأتي على هامش القمة العربية الإسلامية الطارئة المنعقدة في العاصمة القطرية الدوحة، حيث يُتوقع أن يشهد جدول أعمالها اجتماعًا ثنائيًا يجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالرئيس السوري أحمد الشرع.
المصدر ذاته أشار إلى أن اللقاء، في حال انعقاده، سيكون مخصصًا لمناقشة آليات تفعيل منفذ الوليد، في إطار تفاهمات أمنية واقتصادية شاملة، تُراعي المتغيرات الإقليمية وتحديات الأمن المشترك. وتشمل هذه التفاهمات، بحسب المعلومات المتوفرة، إجراءات تدقيق مشددة على حركة الشاحنات، بما في ذلك فحص الحمولات وتوثيق معلومات السائقين من الجانبين.
ورغم عدم صدور إعلان رسمي حتى الآن، إلا أن المصدر رجّح أن يتم الكشف عن اتفاق أولي فور انتهاء أعمال القمة في الدوحة، يُمهد لإعادة تشغيل المنفذ رسميًا خلال الفترة المقبلة.
وبالتزامن مع هذه التطورات السياسية، باشرت الجهات المعنية بالأمن الحدودي في العراق بأعمال تأهيل البنية التحتية في محيط منفذ الوليد، من خلال رفع الأنقاض لمسافة تزيد عن 100 متر حول المقتربات، ما يشير إلى جدية ميدانية في التحضير لإعادة فتح المعبر.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية اقتصادية كبرى، إذ يُعد منفذ الوليد من أبرز المنافذ التي كانت تخدم حركة التبادل التجاري بين العراق وسوريا قبل تدهور الأوضاع الأمنية في الاشهر الماضية. كما أن تفعيله من جديد يُعد مؤشرا على تحوّل استراتيجي في سياسة العراق الإقليمية، وخاصة تجاه دمشق.
اللافت في هذه المبادرة هو أنها تأتي بعد فترة من التحفظ العراقي على التعامل مع السلطات السورية الجديدة. إذ فضّلت بغداد، طيلة الأشهر الماضية، تجنب الانخراط المباشر في ملفات اقتصادية مع الحكومة السورية، مكتفية بإبقاء العلاقات في أدنى مستوياتها الرسمية والتشديد على الملف الأمني ومكافحة تنظيم داعش.
غير أن هذا التغير في النهج يعكس رغبة عراقية واضحة في إعادة التموضع الإقليمي، مستفيدة من العامل الاقتصادي كوسيلة لتقريب وجهات النظر وتعزيز الاستقرار على الحدود المشتركة.
وفي هذا السياق، لطالما أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقاءاته مع مسؤولين عرب، على ضرورة بناء شراكات اقتصادية متينة بين دول الجوار، مشددًا على أن الأمن لا يمكن أن يتحقق دون تعاون اقتصادي فعال.
وبحسب المصدر الدبلوماسي ذاته، فإن اللقاء المرتقب بين السوداني والشرع قد لا يقتصر على ملف منفذ الوليد، بل سيمتد ليشمل مشاريع استراتيجية مؤجلة، أبرزها إعادة تفعيل خط أنابيب كركوك – بانياس، الذي كان يشكل أحد أهم مسارات تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية.
ومن المتوقع أن يتم، في حال نضوج التفاهمات، الاتفاق على جدول زمني محدد لبدء تصدير النفط عبر هذا الخط، وهو ما من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة في التعاون بين البلدين، ويدفع باتجاه تنشيط قطاعات لوجستية وخدمية واسعة.
وفيما تبدو المصالح الاقتصادية المحرّك الرئيس لهذا التقارب، إلا أن للملف الأمني حضورًا لافتًا في بنود التفاهم المرتقب. إذ أكد المصدر أن الجانبين يسعيان لوضع ضوابط أمنية صارمة، تُشرف على حركة الشاحنات والمعابر، في محاولة لقطع الطريق أمام أي استغلال للمنافذ من قبل شبكات التهريب أو الجماعات المسلحة.
كما أشار إلى أن قوى "الإطار التنسيقي" العراقي، وهي القوى السياسية الداعمة للحكومة، على دراية كاملة بجميع الإجراءات المرتقبة، وقد أعطت ضوءًا أخضر للمضي قدمًا في مسار التعاون مع سوريا، شريطة ضمان أمن العراق والمناطق الحدودية.
يشار أن العراق كان قد أعلن في 14 يونيو/حزيران 2025 إعادة افتتاح منفذ القائم الحدودي رسميًا مع سوريا، في خطوة تلتها في 4 آب الماضي، إعادة تفعيل منفذ البوكمال، مما يُظهر وجود خطة متدرجة لإعادة جميع المعابر الحيوية إلى العمل الكامل، بعد سنوات من الإغلاق أو التعطيل.
التحركات الجارية على خط بغداد – دمشق، تؤكد أن الاقتصاد بات يلعب دورًا محوريًا في رسم ملامح العلاقات السياسية في المنطقة. ففي ظل استمرار التحديات الأمنية والضغوط الجيوسياسية، تسعى الدول إلى بناء تفاهمات قائمة على المصالح الاقتصادية، باعتبارها مدخلاً للاستقرار المستدام.
وفي حال نجاح الاتفاق بشأن منفذ الوليد، فقد نشهد في المستقبل القريب سلسلة من التفاهمات الثنائية الأوسع، تشمل ملفات الطاقة، الأمن، والتعاون الإقليمي، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين، عنوانها: التكامل بدلًا من القطيعة.