خلود الواكد في 'حسب توقيت الغياب' تخلع عن أكتافنا غبار الغياب
أدبنا العربي منذ القدم وفي كافة العصور الماضية توارثنا منه أشكالا كثيرة من الفنون الإبداعية من شعر وقصة وأمثال وحكم حكايات، كانت بالنسبة إلى كافة الأجيال اللاحقة بمثابة المتنفس الذي يعتبر بالنسبة إلى الأدباء والمبدعين من شعراء وساردين في هذا العصر منابع فكر وثقافة أثرت تجاربهم والإبداعية.
وكما هو متعارف عليه أيضا، فالنصوص الأدبية تمتاز بالتفرد في استخدامات اللغة وتقنية وأساليبها في بناء النص الأدبي المتقن والمكثف من تعابير أكثر جمالا وفنية وتقنية، هذه الأساليب أغنت المبدع من أفكار ومعان نابعة من الذات – ذات الكاتب لتصب في الذات الإنسانية.
أردت من هذا الاستهلال، أن أعرّج على مجموعة النصوص للكاتبة المبدعة خلود الواكد التي وسمتها بـ"حسب توقيت الغياب" الصادرة حديثا عن دار يافا للنشر والتوزيع، وضمت بين دفتيها غير نص إبداعي قصير، وتمثل المجموعة صرخة مدوية بوجه القبح من خلال تراتيل جمالية على صفحة العالم المسكون بالألم والحزن المقيم وهذا الغياب التي تشكيله بتوقيت زمن معطوب على معصم الوقت والحياة، لنرى غيابا تتلفع به الكائنات ونقرأ توجعات النفس لوداع على هيئة أكاذيب متشظية وعلى أعتاب قلوب ممعنة في اللاجدوى من غياب مبرمج.
"كان الغياب يتدثر بملامحكم
لذا كان الوداع محض كذبة".
هذه الصورة الأكثر شاعرية تضعنا أمام شكل من أشكال البوح الذاتي الذي يرسم صورة من الواقع بلغة مختزلة ومكثفة، لنقف أمامها مندهشين في قفلة على غير ما يتوقعه المتلقي بفلسفة ورسالة جمالية تحمل في ثناياها ما يعتمل في القلب الروح.
"ما أكثر السفر
وما أقل الوصول".
أليس هذا ما يبرهن على حالة الغياب وأحيانا الفقد، عدم الوصل يشي بالرحيل، فالإنسان يعيش على محطات كثيرة وأسفار للروح، هذه لوحة بريشة فنانة معجونة بحزن معتق، كيف ولا وهي التشكيلية التي تجادل بأقلامها وحسها الإنسان وجميع الكائنات على هذا الكوكب المأزوم والمتشظي.
خلود الواكد قاصة وناثرة بحس شعري تأخذنا حسب توقيت هذا الغياب إلى مساحات من لغة التجريب والتأمل وتتركنا متأملين في مجازات وانزياح وتراكيب نصوصها المشغولة بعناية فائقة، كأن هذه النصوص "تلكسات" سريعة تخلد في الذاكرة، نصوص تشق طريقها إلى القارئ بيسر وشفافية ولغة صافية كماء العيون دون خدش لماء الروح، فنذهب معها راكضين بالمعاني والكلام العالي من شوق خلف من تتوق له النفس لنحضن من نحب بشغف.
"من شوق
ركضت كلماتي
لتحضنك".
هذه الومضات الممتلئة بنفس شعري عال تستقرئ دواخل النفس البشرية لتفيض كنهر متدفق بلا رواسب، هواجس توزعها الكاتبة الواكد علينا لنبقى في حالة اندهاش محترقين معها في لحظة تأمل متفاعلين مع كل دفقة نص يضيء أرواحنا.
"حسب توقيت الغياب" المتتبع لنصوص هذه المجموعة حيث يضعنا أمام لغة وصور تتشكل ضمن مفارقات أكثر صدامية وحادة أحيانا تجعل القارئ مصابا بصدمة وكهربة بقالب تعبيري ذاتي يعمل على الأسطرة بحيث تتماهى مع الأشياء، فنجد الكاتبة خلود الواكد تتمشى في شوارع مكتظة بالظلمة وليل أكثر جنونا في مسرح الطرقات، والصمت يغلف هذا الليل الطويل، وتصور لنا مشهديات لعينها اللاقطة لحكايا الروح وسجودها الأخير كأننا أمام لوحة فنية وبعد جمالي ذات رؤى شعرية ناطقة.
"صمت دبق لليل طويل
فوق طاولة شمعة
يرتجفضوؤها
أمام العتمة
تسجد سجودها الأخير".
وفي جانب آخر لهذه التشكيلة الرؤيوية المشهدية المقتربة من القصّ المشعرن بفلسفة الرائي الممعن بالسرد وبالحالة الوجودية الممزوجة بالشعر الذي منح نصوصها بعدا ثقافيا ومعرفيا اكسبته من مخزونها الثقافي والتراثي هذه المتعة الجمالية والفنية والتقنية لتجعل المتلقي يقف مشدوها ومندهشا أمام نصوص سترسخ في الذاكرة.
"ثمة ليل مجنون ينوء في الطرقات
وريح أقلت سحابا ثقالا
ثمة ضحكة تفلتت رغم الحزن
ومطر يغسل وجه الأرصفة
وأم تقبل صورة الغائب كأنه عاد
وآية تشعل نورا في العتمة
وجرح يلتئم بذكرى طيبة".
في المقاطع النثرية التي أوردتها مصحوبة بإيقاع داخلي يمتزج مع إيقاع الروح المتوثبة في تشكيل ما تركته الذكريات وما صورته العين من مشاهدات حفرت في صندوق الرأس الغاص بالصور- صور الغياب من خلال رحلة استكشاف لما وراء الأحلام وما يكتز في مخيلة الكاتبة.. ويبقى "باب قلبها مخلوعا"، لنبقى أمام تأملات مفتوحة على أفق مشرع لمعنى الغيوم التي لا تلد إلا دمعا خجولا ومطرا في زمن أكثر غيابا وأكثر حزنا في حدائق الكون الرمادي... تصوير لحالة الضياع والعذاب والغياب والفقدان.
"باب قلبي مخلوع
فراغاته استوطنها الهجران
يقف على باب العين بكاء
وعمري مركب عجوز راح وراء الضباب
لا شراع يأخذني إلى مرساها
ولا أمواج تعيد لي ما ابتلعت من عمر
الغيوم حبلى بمطر حزين
والمدى موطن الشرود".
"حسب توقيت الغياب" مجموعة نثرية مشفوعة بالقصّ المتآخي مع لغة الشعر، هذه تأملات كاتبة مبدعة تُشرع نوافذ روحها لتضيء أماكن كثيرة في جنبات الأرض وتعبر إلينا بنصوص رشيقة اللغة وتخلع عن أكتافنا غبار الغياب وسماكة هذا الليل.. يبقى الغياب أيضا حكاية عالقة في ذاكرتنا وذاكرة ليل طويل.

