الشرع يبحث فرص تعزيز العلاقات مع واشنطن خلال لقائه بترامب
نيويورك - التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، نظيره الأميركي دونالد ترامب على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في ثاني لقاء بين الجانبين خلال أقل من خمسة أشهر، ما يعكس مؤشرات متزايدة على انفتاح دبلوماسي بين واشنطن ودمشق بعد عقود من القطيعة.
وجرى اللقاء خلال حفل استقبال رسمي نظمه ترامب بمشاركة عقيلته ميلانيا، وبحضور عدد من زعماء العالم المشاركين في اجتماعات الأمم المتحدة. وبينما لم تُكشف تفاصيل دقيقة عن فحوى المحادثات، إلا أن مراقبين اعتبروا اللقاء بحد ذاته مؤشرًا سياسيًا مهمًا على تطور العلاقات بين البلدين.
الزيارة الحالية للرئيس الشرع إلى نيويورك، والتي بدأها الأحد الماضي برفقة وفد وزاري، تعدّ الأولى من نوعها لرئيس سوري منذ ما يقرب من ستة عقود، وتأتي بعد انقطاع طويل عن المشاركة على هذا المستوى في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث كانت آخر مشاركة مماثلة في عهد الرئيس نورالدين الأتاسي عام 1967، قبل أن تقاطع دمشق المحافل الدولية احتجاجًا على ما اعتبرته انحيازًا أميركيًا وغربيًا لإسرائيل عقب احتلال الجولان.
لكن المشهد اليوم مختلف. فمنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الاول 2024، عقب سيطرة فصائل سورية موحدة على البلاد، تعمل الإدارة الانتقالية الجديدة بقيادة الشرع على إعادة صياغة السياسة الخارجية لسوريا، وترميم علاقاتها الإقليمية والدولية، في إطار نهج قائم على الانفتاح والتعاون البراغماتي مع القوى الفاعلة في العالم.
وتأتي اللقاءات الأخيرة بين الشرع وترامب – سواء في نيويورك أو في الرياض سابقًا –في سياق "تفاهمات أولية" بشأن فتح قنوات تواصل مباشر لبحث ملفات سياسية وأمنية واقتصادية شائكة، خصوصًا بعد قرار واشنطن المفاجئ في يوليو/تموز الماضي برفع جزئي للعقوبات المفروضة على دمشق، في خطوة وُصفت حينها بأنها "اختبار لنوايا الشرع الإصلاحية".
ويبدو أن الإدارة الأميركية الجديدة تنظر إلى الشرع باعتباره شخصية معتدلة، وتعتبر وجوده على رأس الدولة فرصة لإعادة صياغة العلاقة مع دمشق بعيدًا عن إرث حكم الأسد، خاصة في ظل تعهدات الحكومة السورية الانتقالية باحترام القانون الدولي، ومحاربة الإرهاب، وتثبيت الاستقرار في المنطقة.
لكن هذا الانفتاح لا يخلو من تحديات؛ إذ لا تزال ملفات أمنية حساسة، على رأسها من بينها مكافحة داعش وتشريك الأقليات في السلطة ومصير القوات الأميركية في شمال شرق البلاد، محل جدل مستمر. كما أن الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للمجال الجوي السوري والتوغلات في الجنوب، بحسب بيانات وزارة الدفاع السورية، تشكل عامل ضغط داخلي على الشرع، وسط مطالب شعبية بالرد وحماية السيادة الوطنية.
ومنذ توليه منصبه في يناير/كانون الثاني 2025، يسير الشرع على نهج دبلوماسي يحاول فيه التوازن بين الداخل والخارج. وعلى الرغم من الوضع الاقتصادي الصعب، وانهيار البنية التحتية نتيجة سنوات من الصراع، فإن الرئيس السوري الجديد يعمل على إعادة تموضع بلاده في الخارطة الدولية، مستفيدًا من لحظة انتقال سياسي نادرة في تاريخ سوريا الحديث.
وتسعى الحكومة السورية إلى فتح آفاق تعاون جديدة مع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، نظرًا لما تملكه واشنطن من نفوذ سياسي واقتصادي واسع في المؤسسات الدولية، وكونها مفتاحًا لأي عملية إعادة إعمار حقيقية في سوريا.
ووجود الشرع في الأمم المتحدة، ولقاؤه المتكرر مع ترامب، يرسلان رسائل واضحة بأن دمشق عازمة على التخلي عن نهج العزلة الذي طبع سنوات ما بعد الحرب، لصالح شراكات استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة. ويبدو أن قادة دوليين، مثل ترامب، باتوا يلمسون جدية في خطوات الشرع، رغم التحفظات الأمنية القائمة.